نجمتنا حلب: سقطت أم أُسقطت

نجمتنا حلب: سقطت أم أُسقطت

نجمتنا حلب: سقطت أم أُسقطت

تاريخ النشر: 05.01.2021 | 00:01 دمشق

سقطت حلب، ولو طوى ما بقي من العمر أعماراً فلن تفي هاتين الكلمتين حقهما، من التأمل والغضب والأسى. سقطت حلب وإرادة إسقاط الأسد ونظامه وأشباهه باقية لم تسقط. سقطت الجغرافية والحلم لم ولن يسقط. الحرية أبقى وأنقى من الطغاة.

 سقطت الأبنية والحجارة فوق رؤوس ساكنيها الذين بذلوا أعمارهم في بنائها حجراً حجراً، وسقطت معها الإنسانية والداعون إليها من المنظمات والدول والنُظم، وسقطت معهم شعاراتهم التي لطالما تبجحوا بها، من أوهام الديمقراطية وحقوق الإنسان.

سقطت حلب على مرأى ومسمع الدول الصديقة والشقيقة، أو هكذا جلها ادّعى، وانكشفت قاطرات ثورات مضادة تقودها، ومعها حقيقة دعم الأنظمة الشمولية والديكتاتوريات، لتبقى فوق رقاب شعوبنا.

سقطت حلب تحت ضربات آلة ثاني أكبر قوة نووية في العالم، وأمام حقد مغول العصر من ميليشيات طائفية عابرة للحدود، ولم يكن النظام وزعرانه سوى هامش وتفصيل صغير، لا يستحق الذكر.

كان الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن القصف شديد، والحصار مديد، والقتل واسع والانتصار للحق بليد، ومقومات الحياة تتلاشى.

البرد ينخر عظام الأطفال والشيوخ، والناس على كثرتهم وضعفهم، رفضوا أي اتفاق، وأن يبقى أي منهم إذ ما دخلت جحافل الحقد الأسود.

في مشهد أقرب إلى يوم الحشر تجمع الناس بشيبهم وشبابهم نسائهم وأطفالهم ينتظرون الحافلات التي ستقتلعهم من جذورهم، من المدينة التي عشقوا، إلى مصير معلوم على ما فيه من الأمان إلا أنهم أقاموا طويلا تحت وطأة القصف الهمجي اليومي رافضين لأشهر الخروج من مدينتهم، وفضلوا الدفن تحت ركام بيوتهم، على أن تؤويهم خيمة ما في مخيم ما.

اليد ترتجف، والحرف ينز قهراً ودماً، والقلب ينطق ويكتب، عن سقوط مدينتنا الجليلة العزيزة حلب، سقوط جرى بعد أن كان تحريرها بالكامل قاب قوسين أو أدنى، وفي هذه دروس لنا، لكن القادمات من الأيام أثبتت أننا لا نتعلم، وفي إدلب خير مثال وبرهان.

عسكرياً، حلب كانت ساقطة لا محالة، جميع من في المدينة كان يعلم ذلك، مقاتلاً أكان أم متطوعاً، أم مدنياً

هذا مقال عاطفي بامتياز، كان لا بد من هذه الصرخة تقديماً وتمهيداً لما كان يجب أن يُكتب منذ أعوام.

عسكرياً، حلب كانت ساقطة لا محالة، جميع من في المدينة كان يعلم ذلك، مقاتلا أكان أم متطوعا، أم مدنيا.

هنا أود الإضاءة عمّا فعله يقين السقوط في قلوب من بقي في حلب، هل استسلموا مع أول متر مربع سقط من المدينة؟ لا.

رغم حوادث وقعت هنا وهناك كانت بقعا سوداء في مشهد حالك، إلا أن ثمة بقعاً مضيئة فيها من المعاني الجليلة ما فيها، هي لحظات إيمان ونضال، لوحات مقاومة مشرفة، تفاصيل أُريد لها أن تُمحى من الذاكرة، ولا نتذكر إلا السقوط.

تعالوا نتعالى دوماً بذكر تلك الصور كنوع من مواجهة سقوط حدث.

ما حدث في حلب والجميع هناك يعرف تماما ما أقوله، أن الجبهات كانت شبه فارغة، أرقام نقاط الرباط والمرابطين كانت وهمية، كانت جبهات كاملة ساقطة تنتظر فقط من النظام ساعة الصفر.

أي إلى جانب فصائل ثورية أصيلة، ومقاتلين أحرار، ـ يمكن القول إن حلب دافعت عن نفسها بأبنائها، يمكن القول إن ما حدث في اللحظات الأخيرة مقاومة شعبية، من أبطال تخرجوا في مدرسة يوسف العظمة.

ساحات كثيرة تثبت قولي ذاك، امتدت صداها من الكلاسة وبستان القصر والمعادي والصاخور وصلاح الدين و.....، أبطالها من لحم ودم ونخوة وشرف، من آل السندة والعجم وكعكة والغول ومخيبر والبطوش وكرمان، والشرفاء من أهالي الريف الذين شربوا من ماء حلب، فحملوا السلاح بعد استنزاف الفصائل، وبذلوا دماءهم الزكية دفاعاً عن مدينتهم.

سُطرت البطولات عل جبهات حندرات والملاح والكاستلو، وكانوا بكل رضى يتقدمون إلى مذبح الحرية، تنفسوا الشرف، وفارقوا الدنيا كما يجدر بكل حر أن يفارقها، قابضاً على جمر كرامته، رافضاً الظلم والضيم.

كان يحدث ذلك تزامناً مع اضمحلال فصائل بشكل درامي، فصائل كرتونية، مقارّ كرتونية، رايات وهم، وسنوات من الاستعراض الأجوف، ومحيط من الأفعال المسيئة والمتاجرة باسم الثورة.

ولا ننسى أنانية أولئك الذين عن عمد صبغوا حلب بالرايات السوداء، ومنها جبهة النصرة، مما أعطى الذريعة المُثلى لروسيا لتحويل حلب إلى غروزني ثانية. وحين قيل لهم في الأيام الأخيرة اخرجوا، ولو كان خروجاً تمثيلاً إلا أنهم بكل عنجهية رفضوا، ولم يتعلموا حتى من السيرة النبوية والصحابة، ومن أفعالهم في الحروب، أو كما قال سيدنا محمد عليه السلام، الحرب خدعة.

فشلت أو جرى إفشال محاولات فك الحصار من خارج المدينة التي قام بها جيش الفتح، ومعه فصائل من الجيش الحر الموجودة في الريف، وتُرك المُحاصرون لمصيرهم وقدرهم المحتوم.

قبيل الاجتياح شن العدوان الروسي حملة قصف عنيف وغير مسبوق على مدار ثلاثة أسابيع، استهدف في الأسبوع الأول كل المشافي والنقاط الطبية ومستودعاتها ومنظومة الدفاع المدني ومعداته، فدمر أغلب المشافي وأخرجها عن الخدمة وقتل الكثير من الكوادر الطبية والدفاع المدني وبالتالي انعدمت الخدمات الطبية مما أثر بشكل كبير على الحالة النفسية للمقاتلين والمدنيين.

في الأسبوع الثاني وبعقلية الإجرام "البوتينية" استهدف القصف كل طرق الإمداد والمؤازرات والطرق العامة المؤدية إلى المشافي والمستودعات الطبية والإغاثية ودمر الكثير من مستودعات الطحين والمواد الغذائية لتجويع الناس وحرمانهم من رغيف الخبز.

في الأسبوع الثالث ولإفراغ الجبهات من المقاتلين وخلق حالة من الفوضى صب المجرمون جام غضبهم وحمم صواريخهم على الأحياء السكنية المكتظة بالسكان مما جعل المقاتلين يهرعون إلى أحيائهم التي دمرها القصف لتفقد عائلاتهم ومحاولة إنقاذهم وإخراجهم من تحت الأنقاض تاركين نقاط رباطهم على الجبهات، مما زاد ضعفها ضعفا.

بين مقاوم شهيد ومنسحب جزع توقفت المؤازرات وضُربت الأفران والمطاحن واغتنمت جبهة النصرة وحلفاؤها مستودعات الفصائل وكأنها ستبقى أبداً في حلب

رافق هذا القصف الهمجي البربري حرب نفسية ممنهجة استهدفت الجميع داخل المدينة وخارجها من خلال وسائل الإعلام وعملائها المدسوسين بين المدنيين والمقاتلين وبعض المرجفين وضعاف النفوس، فبدؤوا بترويج الشائعات عن صفقة بين روسيا وتركيا بتسليم حلب، وأن حلب قد بيعت ومحاولة إيقاع البلبلة والخلاف بين المدنيين والعسكر وخلق حالة من انعدام الثقة فيما بينهم، من خلال تساؤلات كثيرة حول مدى صحة تلك الشائعات؟!!.

بين مقاوم شهيد ومنسحب جزع توقفت المؤازرات وضُربت الأفران والمطاحن واغتنمت جبهة النصرة وحلفاؤها مستودعات الفصائل وكأنها ستبقى أبداً في حلب، تزامناً مع قضم النظام أحياء حلب، حياً وراء الآخر، وهنا بلغت سوء الأوضاع ذروتها، لا غذاء ولا مستشفيات، فامتلأت الشوارع بالجثث، وهام الجرحى والناس على وجوههم. وحُشر الناس في مساحة جغرافية صغيرة وصار الحد الفاصل بينهم وبين العدو نهر قويق فقط.

فتحت روسيا قنوات التواصل مع الفصائل العسكرية وهيئات وكيانات مدنية متعددة للتفاوض على مصير المدينة وأهلها أفضت وكان هذا محتماً إلى خروج المدنيين والفصائل مع سلاحهم الخفيف متجرعين العلقم على القبول بتسويات ومصالحات مع القتلة والمجرمين مفضلين الموت والنزوح على الخنوع والاستسلام والتفريط بتضحيات أبنائهم الذين استشهدوا على ثرى هذه الأرض الطاهرة.

هنا تبزغ قامة سوريّة ستلهج ألسنتنا كثيراً ونحن نتحدث عنها لأبنائنا، هي إحدى خنساوات سوريا، أم محمد سندة، وقد استشهد ابنها الرابع.

واحتار الرفاق والأصدقاء كيف سيزفون لها الخبر، تقدم أحدهم وقرع الباب ففتحت أم محمد الباب ولم يتبقَ في البيت معها إلا زوجها أبو محمد وقالوا لها لقد جئناكما بعريس جديد فحمدت الله ونادت على زوجها "حجي قوم شيل بارودتك ورابط محل ابنك الشهيد"، أم محمد وأمهات شهداء الثورة السورية سيبقون تاجاً على رؤوسنا ووساماً على صدورنا ما حيينا وما حيي عشاق الحرية، هُنّ المدن التي لا تسقط.

وكما أسلفت، فإن المقال عاطفي بامتياز، هو صرخة، وأيضاً كما قلت إن السقوط كان محتماً، لأن سقوط حلب بدأ عملياً في عام ٢٠١٣ مع عملية "دبيب النمل" منذ أن انطلق سالكاً طريق البادية (أثريا- خناصر) باتجاه مدينة السفيرة وهو الطريق الوحيد الذي تبقى للنظام للوصول إلى مدينة حلب بعد أن سيطر الثوار على الطريق الدولي حلب-دمشق في أواخر العام 2012 وهذا ما لم يعيه ويدركه في حينها قادة الفصائل، وفعلا استطاع النظام الوصول إلى السفيرة والسيطرة عليها في خريف عام 2013.

حين سقطت السفيرة قلنا، سقطت حلب، وفعلا فقد بدأت المناطق بالتساقط كأحجار الدومينو.

المقال أعلاه مقدمة لسلسلة مقالات تروي تفاصيل هذا السقوط البطيء ولن أغفل فيها دور الشرفاء، مدنيين وعسكريين، مازجاً بين بطولات الأحرار، وتجارة التجار، من حَمَلة السلاح، عن الأخطاء المكررة، عن نفوس غلبّت الخاص على العام، راياتها المزركشة عن علم الثورة، سيكون حديثاً طويلاً صريحاً صادماً.

هذه هي حلب البطولة وقدرها كما كانت عبر التاريخ محط أنظار الغزاة ونكباتهم لكنها دائماً تنهض من تحت الرماد ولا تستكين.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
شركة "فايزر" تتحدث عن جرعة ثالثة من لقاحها ضد كورونا
حمص.. ارتفاع عدد المصابين بكورونا بنسبة 30% عن الأشهر السابقة
منظمة الصحة تكشف حجم دعمها للإدارة الذاتية منذ بداية العام