نجاة إسبانيا

نجاة إسبانيا

الصورة
30 نيسان 2019

من أفضل ما قدّمه النظام الديمقراطي من حقوق لمن يتمتعون به هو الحق في التصويت. وعلى الرغم من تراجع نسب التصويت في الديمقراطيات الغربية خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه في يوم الأحد 28 نيسان الماضي، قدّم الإسبان درساً كبيراً في الأداء الديمقراطي. لقد صوّت ثلاثة من أربعة أشخاص ممن هم في سن الاقتراع لانتخاب ممثليهم في مجلس النواب في البلاد. وقد أدى هذا الاصطفاف الواعي إلى ترجيح كفة اليسار الإسباني التقليدي ممثلاً بالحزب الاشتراكي العمالي الحاكم منذ 2018 والآتي بعد فترة يمينية طويلة نسبياً (2011 ـ 2018) أسقطها الفساد والذي كان أحد رموزه رئيس الحكومة السابق المحافظ ماريانو راخوي. وقد قام رئيس الحكومة الاشتراكي بيدرو سانشيز، وبعد أشهر قليلة من وصوله إلى الحكم، بالدعوة إلى انتخابات مسبقة، في مغامرة خطيرة، وذلك للسعي إلى مجلس نواب يعطيه الراحة في تنفيذ سياساته الإصلاحية بعد تصويت الحزب القومي الكاتالوني ضد ميزانيته.

ربما كانت إسبانيا هي من الدول القليلة المتبقية في أوروبا والتي كان يُخيّل لبعض المراقبين الأشد تشاؤماً بأنها لن تعرف توجهاً يمينياً متطرفاً واضحاً خارج عباءة حزب اليمين التقليدي، الحزب الشعبي. ويعتمد هذا الظن على تاريخها مع التطرف والديكتاتورية إبّان حقبة حكم الجنرال فرانشيسكو فرانكو الفاشي والذي حكم إسبانيا بالحديد وبالنار منذ نجاحه، بدعم من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، في سحق الجمهوريين سنة 1939 حتى وفاته سنة 1975. ومن مؤشرات هذه القناعة، هي أن نائباً وحيداً لليمين المتطرف تم انتخابه في أول برلمان جاء مع الحقبة الديمقراطية سنة 1977، حيث مكث لدورة واحدة لم تتكرر. ومنذ ذاك الوقت، لم يدخل اليمين

اليوم، صار لليمين المتطرف المتمثل بحزب فوكس 24 نائباً في البرلمان الجديد الذي أسفرت عنه انتخابات الأحد الماضي

المتطرف إلى المجلس النيابي إلا عبر بعض مواقف اليمين التقليدي المحافظ الذي خرج هو أيضا، رغم نفيه، من عباءة الحقبة الفرانكية، حيث كان مؤسسه مانويل فراغا، وزيراً "إصلاحياً" في آخر حكومة فرانكية.

واليوم، صار لليمين المتطرف المتمثل بحزب فوكس 24 نائباً في البرلمان الجديد الذي أسفرت عنه انتخابات الأحد الماضي. ولكن النتيجة العامة أتت بأغلبية غير كافية عددياً لتشكيل حكومة بالنسبة للحزب الاشتراكي. لقد صار لزاماً على رئيسه سانشيز، ليس فقط التحالف مع اليسار الراديكالي ممثلاً بحركة بوديموس، ولكن أيضاً مع مجموعة من الأحزاب الإقليمية الصغيرة، خصوصاً من مقاطعتي الباسك وكاتالونيا، للحصول على سيطرة كاملة تميل نحو اليسار.  كما أنه يمكن للاشتراكيين اللجوء إلى التحالف مع يمين الوسط للحصول على أغلبية برلمانية مريحة وهو الذي ضاعف عدد مقاعده ليصل إلى 57 مقعداً. هذا التحالف سيكون غير متوافق مع ما نادى به زعماء هذا اليمين في الحملة الانتخابية وغير متوافق أيضا مع رغبات المقترعين اليساريين، ويمكن للمفاوضات السياسوية أن تتجاوز هذين الرفضين.

لقد ضاعف الاشتراكيون تقريباً، من خلال حصيلة هذه الانتخابات، وجودهم في البرلمان. وبالمقابل، فقد تراجع عدد مقاعد المحافظين التقليديين بشدة، وذلك على حساب تفتت أصواتهم بين يمين وسطي جديد ينادي بالإصلاحات ويمين متطرف فرانكي فاشي. وللوهلة الأولى، يمكن اعتبار أن ما نتج يحمل مؤشرات إيجابية على الوعي المجتمعي حيث إن الإسبان قد صوتوا بكثافة ضد التطرف ومعاداة الأجانب مع ميلٍ واضح للأحزاب المعتدلة. إلا أن حصول يمين متطرف فاشي لم يحظَ بنسبة 0,2 في المئة من الأصوات في انتخابات 2016، على 10 في المئة من الأصوات اليوم، ودخوله للبرلمان بعدد 24 نائباً، فما زال مؤشراً خطيراً على التوجهات المجتمعية

صعود المتطرفين جاء نتيجة لتضافر عدة عوامل من أهمها فشل السياسات التقليدية، يمينية كانت أم يسارية، في تقديم بدائل للأزمات المتتالية

الإسبانية كما في مختلف نواحي القارة الأوروبية. وقد اعتمد الفاشيون الإسبان على وسائل التواصل الاجتماعي، كما نجح في ذلك من قبلهم دونالد ترمب الأميركي وجايير بولسونارو البرازيلي، بحيث برعوا في نشر الأكاذيب والتهويل من الأجانب بالاستناد إلى أرقام غير دقيقة وتحليلات مبسطة تلامس الشارع العادي المحبط من أداء السياسيين التقليديين والباحث عن خطاب شعبوي ينقذه من مستنقعات الفساد التقليدي ويقدم له وعوداً تبرر له انحيازه للتطرف. وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي كانت تعطي المتطرفين حتى 40 مقعداً، إلا أن ما حظوا به الآن يكفي ليبعث القلق في أوساط العقلاء في أوروبا عموما وفي إسبانيا خصوصا.

صعود المتطرفين جاء نتيجة لتضافر عدة عوامل من أهمها فشل السياسات التقليدية، يمينية كانت أم يسارية، في تقديم بدائل للأزمات المتتالية التي عصفت بالبلاد. إضافة إلى الحركة الانفصالية المتعاظمة في كاتالونيا ولعب الفاشيين على وتر الاتحاد الوطني ووحدة إسبانيا وتجريمهم لكل الحركات الإقليمية الانفصالية أو المطالبة بحكم ذاتي متطور عن الذي تحظى به حالياً. وكما يمكن اعتبار أن السياسة التسامحية، وليست التصالحية، التي تلت انتهاء الحقبة الفرانكية، بحيث لم يحاكم مرتكبو الجرائم ضد الشعب على ما اقترفوه، بل ومنع ذلك بقوانين، قد ساهمت أيضا في بقاء خلايا التطرف الكامنة لتؤسس لجيل جديد عاد إلى الساحة وبقوة.

بيدرو سانشيز، المنتصر الأكبر، قال بعد إعلان النتائج بأن "المستقبل قد ربح والماضي قد خسر"، فهل سينجو مستقبل إسبانيا من جرثومة التطرف؟

شارك برأيك