بعد سنوات من العزلة الرقمية الخانقة، فتحت الولايات المتحدة نافذة صغيرة على أمل كبير للسوريين. ففي خطوة غير معلن عنها على نطاق واسع، خففت واشنطن القيود المفروضة على تصدير التقانة إلى سوريا، واضعة بذلك حدًا جزئيًا لحظر طال كل شيء من أدوات البرمجة إلى خدمات الحوسبة السحابية.
ترى مقالة نشرها موقع منظمة الحدود الإلكترونية بأن هذا التحول، وإن جاء متأخراً، قد يُعيد وصل السوريين بالعالم الرقمي، ويفتح أمام المبرمجين والطلاب ورواد الأعمال أبواباً كانت موصدة لعقد من الزمن. فهل يكون هذا القرار بداية النهاية لعزلة سوريا التكنولوجية، أم مجرّد استراحة قصيرة وسط متاهة العقوبات والجغرافيا السياسية؟
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة برفع العقوبات عن سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية موقع منظمة الحدود الإلكترونية ومصادره، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
لم تقيد العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا منذ عقود طويلة حركة التجارة والصفقات المالية فحسب، بل إنها قيدت وبشكل كبير وصول السوريين إلى التقانة الرقمية، إذ ابتداء من أدوات تطوير البرمجيات وصولاً إلى الخدمات السحابية الأساسية، عُزل السوريون عن اقتصاد الإنترنت العالمي، وهذا ما خنق الابتكار، والتعليم، والريادة في مجال الأعمال والمشاريع.
لسنوات طويلة، ضغطت منظمة الحدود الإلكترونية من أجل إصدار إعفاءات من العقوبات تشمل التقانة في سوريا والسودان وإيران وكوبا، وفي الوقت الذي حقق المجتمع المدني مكاسب في مجال تأمين رخص عامة بالنسبة لإيران والسودان بما سمح بتصدير تقانة الاتصالات إليهما، فإن النزاع في سوريا الذي بدأ في عام 2011 جعل من مسألة تخفيف العقوبات حلماً بعيداً عن التحقق.
ولكن التغيرات الأخيرة التي طرأت على السياسة الأميركية يمكن أن تعتبر بداية لهذا التحول، إذ في خطوة مهمة جرت بكل هدوء، خففت الحكومة الأميركية العقوبات المفروضة على سوريا، وفي 23 أيار الماضي، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الرخصة العامة رقم 25 والتي سمحت لشركات التقانة بتزويد السوريين بخدماتها، ولهذا فإنه قد يترتب على هذا القرار أثر إيجابي فوري على حياة ملايين مستخدمي الإنترنت في سوريا، وخاصة من يعملون في قطاعي التقانة والتعليم.
تركة من العزلة الرقمية
على مدار سنين طويلة، ألفى السوريون أنفسهم محرومين من الوصول حتى إلى الأدوات الأساسية في المجال الرقمي، وذلك لأن العقوبات الأميركية، تقيد وصول الشعب السوري إلى معظم خدمات شركات مثل غوغل وآبل ومايكروسوفت وأمازون، سواء بحكم القانون أو بحكم القرارات الحذرة التي تتخذها تلك الشركات لتتجنب العقوبة. ما يعني بأن المطورين لم يكن بوسعهم الوصول إلى مستودعات GitHub أو الاستعانة بسحابة غوغل، ولم يكن بوسع الطلاب تحميل برامج للتعليم الافتراضي، كما عانى أصحاب المشاريع كثيراً في أثناء إقامتهم لشركاتهم الناشئة وذلك بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى طرق رقمية مضمونة للدفع أو بسبب عدم توفر البنية التحتية لذلك.
وهذه القيود تضر بالمستخدمين، وذلك لأنها تحرمهم مثلاً من الوصول إلى متجر غوغل بلاي داخل سوريا، وهذا يعني بأنه لا يمكن للسوريين تحميل نسخ آمنة وبكل سهولة من الأدوات التي تستخدم بصورة يومية مثل سيغنال وواتساب، مما يزيد خطر تعرض محادثاتهم واتصالاتهم للمراقبة والتجسس.
زادت تلك القيود من المصاعب التي خلقتها الحرب والانهيار الاقتصادي والرقابة الداخلية، إذ حتى مع عدم تمكن العاملين السوريين في مجال التقانة من التواصل مع مجتمع التقانة العالمي، كانت المناطق الرمادية للقانون والعقبات التقنية تحول دون مشاركتهم في هذا المضمار.
ما الذي تغير بعد تخفيف العقوبات؟
بموجب الرخصة العام رقم 25، أصبح بوسع الشركات اليوم تزويد سوريا بخدماتها التي لم تكن متوفرة بصورة فاعلة في البلد قبل ذلك، وفي الوقت الذي قد تحتاج الشركات لوقت حتى تواكب التغيرات التي طرأت على القوانين، نأمل أن يتمكن السوريون في القريب العاجل من الوصول إلى التقانة والاستفادة منها بما يمكنهم من التواصل بحرية أكبر وإعادة بناء ما خربته الحرب.
أما بالنسبة للمطورين السوريين، فإن الأثر المترتب على ذلك يعتبر بمنزلة تحول هائل، فعودة الوصول إلى منصات مثل GitHub و AWS و Google Cloud تعني القدرة على ابتكار تطبيقات وتجريبها ونشرها من دون الحاجة لشبكات افتراضية خاصة (VPN) أو لحلول بديلة. كما أن ذلك يفتح الباب أمام مشاركتهم في فعاليات ومسابقات البرمجة والاختراق الإبداعي، والعمل عن بعد، ومجتمعات المصادر المفتوحة، أي المشاركة في تلك القنوات التي تعتبر بمنزلة شريان حياة لمن يعيشون في مناطق النزاع. كما لابد للطلاب والمعلمين أن يستفيدوا من ذلك، إذ مع تخفيف العقوبات، أصبح بوسعهم الوصول إلى الأدوات والمنصات التعليمية التي لم تكن متوفرة في السابق، وبوسع رواد الأعمال أن يصلوا أخيراً إلى مجتمعات آمنة، ومنصات تجارية، وبنية رقمية أوسع باتوا بحاجة إليها ليطلقوا مشاريعهم التجارية ويوسعوها، وبإمكان تلك التطورات أن تسهم في إنعاش الاقتصاد المحلي.
غير أن هنالك تحديات على الرغم من تلك الأنباء السارة، لأنه من المعروف عن كبرى شركات التقانة تأخرها في الاستجابة لعملية تخفيف العقوبات، وذلك لأن تلك الشركات تبالغ عادة في الالتزام تجنباً لأي مساءلة، كما أن معظم العقبات المالية واللوجستية لن تختفي بين ليلة وضحاها، وعلى رأسها عملية معالجة التحويلات المالية، وعدم وجود الإنترنت بشكل مستمر، وتواصل النزاع.
والأهم من كل ذلك هو أن عملية رفع العقوبات لا تمثل تصريحاً عاماً شاملاً، بل إنها ليست أكثر من انفراجة حذرة، لأن أي تحولات أو تغيرات جيوسياسية قد تطرأ مستقبلاً على السياسة الخارجية الأميركية يمكن أن تمنع وصول السوريين مرة أخرى لكل ذلك، وهذا ما يجعل المستقبل الرقمي بالنسبة للسوريين غير واضح المعالم.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإن الولايات المتحدة عبر إزالة العقبات التي تفرضها العقوبات، قامت بخطوة باتجاه الاعتراف بأن الوصول إلى التقانة لم يعد رفاهية، بل ضرورة، حتى في الدول التي تخضع للعقوبات أو التي تشهد نزاعات.
وبالنسبة للمستخدمين السوريين، يعتبر رفع العقوبات عن التقانة أكثر من مجرد تغير بيروقراطي، لأن ذلك يمثل بداية لفتح باب أغلق منذ أمد بعيد، وبالنسبة لمجتمع التقانة الدولي، فإن ذلك يمثل فرصة للعودة للتعامل الكامل بكل مسؤولية مع شعب حُرم من الخدمات الرقمية الأساسية لفترة طالت كثيراً.