ناغورني قره باغ.. جذور الصراع وأبعاده الإقليمية والدولية

تاريخ النشر: 28.09.2020 | 22:12 دمشق

آخر تحديث: 29.09.2020 | 08:54 دمشق

إسطنبول - فراس محمد

تجددت الاشتباكات بين القوات الأذرية والأرمنية لليوم الثاني على التوالي، في إقليم ناغورني قره باغ المتنازع عليه بين البلدين، والذي تسيطر عليه أرمينيا منذ تسعينيات القرن الماضي.

وشهد اليوم الإثنين اشتباكات عنيفة بين الطرفين، وسط أنباء عن استخدام القوات الجوية والصواريخ والمدفعية الثقيلة في القتال الذي أدى لسقوط عشرات القتلى.

وأعلن إقليم ناجورني قره باغ الانفصالي في أذربيجان اليوم، مقتل 28 آخرين من جنوده في اشتباكات مع القوات الأذربيجانية، ليرتفع بذلك إجمالي عدد قتلاه إلى 59.

وبعد إعلان كل من أرمينيا وإقليم ناغورني قره باغ أمس الأحد، الأحكام العرفية والتعبئة العامة، وقع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف اليوم التعبئة الجزئية في البلاد، والذي ينص على تجنيد المواطنين القادرين على أداء الخدمة العسكرية.

 

 

جذور المشكلة في ناغورني قره باغ

يقع إقليم ناغورني قره باغ داخل الأراضي الأذربيجانية، ويبلغ مساحته حوالي 4800 كيلومتر مربع، ومعظم سكانه من القومية الأرمنية، بالإضافة لمواطنين أذريين وأقلية كردية تم تهجيرهم بعد سيطرة الجيش الأرمني على المنطقة.

وتعني كلمة ناغورني في اللغة الروسية مرتفعات، بينما تعني قره باغ الحديقة السوداء، أي أن الاسم يعني مرتفعات الحديقة السوداء، بينما يطلق الأرمن على الإقليم اسم آرتساخ والتي تعني غابة الإله "آر"، في حين يطلق عليه الأذريين يوخاري قره باغ والتي تعني أيضاً مرتفعات الحديقة السوداء.

وتعود الجذور الحقيقية للمشكلة إلى أكثر من قرن، حيث كانت منطقة صراع بين الأذرين الأتراك المسلمين والأرمن المسيحين إبان الحرب الروسية العثمانية، والتي انتهت بسيطرة الإمبراطورية الروسية على المنطقة.

وخلال الحقبة السوفيتية، وفي إطار سياسة "فرق تسود" قام الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين عام 1923 بمنح الإقليم ذي الغالبية الأرمنية حكماً ذاتياً، في حين أبقى إقليم ناختشيفان ذا الغالبية الأذرية معزولا داخل أرمينيا، وذلك لزرع بذور صراع بين الدولتين يضمن للحكومة المركزية في موسكو نفوذا دائما.

ومع بداية تفكك الاتحاد السوفييتي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وقبل انهياره في عام 1991، عادت الخلافات بين البلدين بشأن السيادة على الإقليم عام 1988، بعدما طلب المجلس السوفييتي في ناغورني قرباغ الموافقة على انضمام الإقليم إلى أرمينيا، وانسحاب النواب الأذريين اعتراضاً على هذه الخطوة.

وفي عام 1992 أعلن القادة السياسيون في الإقليم استقلال ناغورني قرباغ، من خلال إعلانها جمهورية غير تابعة لا إلى أذربيجان أو أرمينيا، وهو ما اعتبرته أذربيجان تمرداً، ما أدى لاندلاع الحرب بين أرمينيا وأذربيجان، والتي أسفرت عن مقتل حوالي 30 ألف شخص وسيطرة الأرمن على الإقليم بالإضافة لانتزاع سبع مناطق حدودية أذرية أخرى (تقدر بـ20% من أراضي أذربيجان) أمنت لهم تواصلا طبيعيا عبر ممر "لاتشين" مع دولة أرمينيا.

كما أسفرت الحرب عن تهجير أكثر من 1.2 مليون شخص أغلبهم من الأذريين ما جعل غالبية الإقليم من الأرمن، بالإضافة لارتكاب عدد من المجازر كان أهمها مجزرة خوجالي عام 1992 والتي ارتكبتها مجموعات أرمنية مسلحة في بلدة خوجالي الأذرية وراح ضحيتها أكثر من 600 شخص بينهم نساء وأطفال، وأسر أكثر من ألف أذري بينهم 150 ما زالوا في عداد المفقودين حتى اليوم.

وانتهت الحرب عام 1994 بعد توقيع وقف إطلاق النار، لكن ما زال الجانبان في حالة حرب رسمياً، لأنهم لم يوقعا على معاهدة سلام.

unnamed_8.jpg
خريطة توضيحية عن إقليم ناغورني قره باغ (الأحمر)

 

المواقف الدولية من الصراع على ناغورني قره باغ

يعتبر الصراع على إقليم ناغورني قره باغ نزاعا محليا، لكنه يندرج في إطار صراع إقليمي ودولي أكبر، وتعتبر كل من تركيا وروسيا وإيران والولايات المتحدة من الدول المؤثرة والفاعلة في هذا الصراع.

الموقف التركي

لم يتأخر الموقف التركي الداعم لأذربيجان بعد اندلاع الاشتباكات بين الطرفين، حيث أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في تصريحات له اليوم الإثنين، على أن الوقت قد حان لإنهاء الأزمة التي بدأت في المنطقة بعد احتلال أرمينيا لإقليم ناغورني قره باغ.

وقال الرئيس التركي إن "تركيا ستواصل الوقوف إلى جانب أذربيجان الصديقة والشقيقة بكافة إمكانياتها".

وتنطلق تركيا في دعمها لأذربيجان من مجموعة متشابكة من العوامل العرقية والدينية والاقتصادية والسياسية، حيث يعتبر الأذرين من القومية التركية ويتكلمون اللغة التركية، كما يربطهما الرابط الديني على الرغم من أن غالبية الأذرين من المذهب الشيعي، لكن تتخذ نموذجاً مغايراً عن إيران، ما يجعلها محط اهتمام الساسة الأتراك في إطار التنافس الإقليمي مع إيران في هذه المنطقة، كما أن تركيا تعتبر أذربيجان بوابتها للولوج إلى الدول التركية في آسيا الوسطى.

كما تشكل العلاقة الاقتصادية المميزة بين البلدين مسألة مهمة بالنسبة إلى تركيا، وخاصة أن أذربيجان تعتبر من أهم الدول المصدرة للغاز الطبيعي وتعتمد عليها تركيا في تقليل اعتمادها على الغاز الروسي والإيراني.

من جهة أخرى يشكل العداء التاريخي بين تركيا وأرمينيا، لا سيما بسبب أحداث 1915 التي تسعى أرمينيا وأرمن المهجر لإقرار تسميتها بـ"المحرقة"، عاملا مهما في الدعم التركي لأذربيجان.

وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى استخدام طائرات تركية مسيّرة مِن طراز (بيرقدار تي بي 2)، في تدمير أهداف للجيش الأرمني، وذلك وفقاً للفيديوهات التي نشرتها وزارة الدفاع الأذربيجانية أمس.

الموقف الروسي

تعتبر روسيا منطقة القوقاز عمقاً استراتيجيا لها ولا يمكن التفريط في استقرارها وأمنها، لكنها تعتبر أرمينيا في الوقت ذاته شريكاً استراتيجياً على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي.

وفي إطار مساعيها للتهدئة أجرى وزير الخارجية الروسي يوم أمس اتصالاً هاتفياً مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، حيث أكد على أن موسكو وأنقرة تدعوان لوقف التصعيد وتهدئة الأوضاع.

وقال الناطق باسم الكرملين ديميتري بيسكوف اليوم، إن بلاده على اتصال مع تركيا فيما يخص مستجدات الأوضاع في إقليم ناغورني قارباخ.

وأشار إلى أن روسيا لديها علاقات مع كلّ من أذربيجان وأرمينيا، وأن موقفها متوازن إزاء الأزمة.

ورغم التصريحات الروسية الحيادية إلا أن الموقف الروسي تاريخيا كان منحازا إلى الجانب الأرمني، حيث كانت روسيا المورد الرئيسي للسلاح إلى أرمينيا خلال الحرب بين عامي 1992- 1994.

بالمقابل تسعى روسيا من خلال دعمها لأرمينيا لتحجيم الدور التركي في القوقاز، بالإضافة لمنع تواصل تركيا مع الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى.

الموقف الإيراني

تعتبر إيران من الدول الداعمة لأرمينيا في الصراع مع أذربيجان رغم ادعائها الحياد، وهو ما يثير التساؤل لماذا تدعم إيران أرمينيا المسيحية ضد أذربيجان ذات الغالبية الشيعية؟ وهو ما يتناقض مع ادعاءات إيران بأنها قائدة العالم الشيعي.

يرتكز الموقف الإيراني بدعمها لأرمينيا على جانبين الأولى اقتصادي لكون أرمينيا تحتاج إلى النفط الإيراني، بينما أذربيجان دولة مصدرة للنفط.

أما الجانب الثاني والأهم فهو تحالف أذربيجان مع تركيا على أساس القومية الطورانية، حيث ينظر كثير من القوميين الأذريين إلى إيران على أنها دولة محتلة، كونها تحتل جزءًا مهما من الوطن الأذري.

كما تخشى إيران من أن انتصار أذربيجان سيعزز الروح القومية لدى الأقلية الأذرية في إيران، والتي تعتبر القومية الثانية بعد الفرس في إيران حيث تبلغ نسبتهم 16 بالمئة من سكان إيران.

 

الموقف الأميركي

دعت وزارة الخارجية الأميركية اليوم، إلى وقف الاشتباكات فورًا بين البلدين، وأشارت إلى أن نائب وزير الخارجية ستيفن بيغون، تباحث مع وزيري خارجية أذربيجان وأرمينيا عقب الاشتباكات.

كما دعت الخارجية، الأطراف إلى استخدام قنوات الاتصال القائمة بين البلدين من أجل منع تصاعد التوتر أكثر في المنطقة.

لكن رغم الموقف الحيادي ظاهرياً للولايات المتحدة الأميركية حيال الأزمة إلا أنه نتيجة التأثير للوبي الأرمني في أميركا، فإن أرمينيا تعتبر ثاني أكبر دولة مستفيدة من المعونات الأميركية التي تقدمها إلى بعض دول العالم، ولا يتقدم عليها في ذلك سوى إسرائيل.