ميشيل كيلو الذي فسّر الحرية وسوريا وعجز عن عصفور

تاريخ النشر: 20.04.2021 | 06:47 دمشق

آخر تحديث: 20.04.2021 | 09:05 دمشق

لا ينتصر السياسي السوري بمعركة سياسية ضد أعداء الثورة لأنها معارك تفتقد لموازين القوة، وللسوري فيها هامش ناور فيه بعضهم بكل ما أوتي من مبادئ بحثاً عن النور والجدوى؛ وإنما ينتصر السياسي السوري بمحبة الناس له. هذه المعركة الأصعب في الحالة السورية، ولم ينل محبة الناس إلا قلة قليلة كالراحل الأستاذ ميشيل كيلو.

ربح ميشيل معركة الحب، ولم يصرعه المرض في أشده ليستسلم، فكتب الوصية وعايد السوريين برمضان ودعا ألا يكون في سوريا جائع. هي صوتية أخرى وأخيرة، لم تكن كسابقاتها عندما كان يحاول ميشيل كيلو تفسير سوريا وتحليل مركباتها وتفكيك معقداتها، كانت صوتية وداع وتهنئة رجل مسيحي للمسلمين، هكذا كان ميشيل كيلو يشبه سوريا.

 

 

استطاع ميشيل أن يكون القريب من هموم الناس، كل السوريين كانوا ينتظرون أحداً يفسر لهم وطنهم، ويطمئنهم بأن القادم خير، بث ميشيل المفقود في أرواح السوريين.. الأمل.. بثه في صوتيات يتداولها السوريون على هواتفهم في المخيمات على أمل العودة وفي المنافي على أمل العودة وفي أجساد المتعبين على الجبهات على أمل العودة وفي أرواح المستسلمين للواقع القهار على أمل العودة.. العودة لسوريا وللحلم الذي مات من أجله الشهداء مطمئنين بأن الشعلة لها حاملها وأن العيون لن تغمض وأن النفوس لن تستسلم، مطمئنين أن للشعلة جذوة والجذوة هي الأمل.

فسر ميشيل كيلو سوريا بدقة واستشرف للمستقبل مرارا وتكرارا، يدفعه إلى ذلك نوع من تأنيب الضمير لأنه فشل قبل سنوات كثيرة في تفسير معنى كلمة عصفور لطفل في المعتقل.

يكفي ميشيل كيلو تلك القصة التي رواها عن ابنة أحد الهاربين من النظام والتي ولدت ابناً في المعتقل، كان عمره 5 سنوات عندما أحضر السجان ميشيل كيلو ليروي له حكاية. لم يعرف الطفل العصفور ولا الشجرة، وفهم كيلو غاية السجان أنه كان يتحدى هذا المثقف المعارض في أن يروي قصة لطفل.

 

 

كان ميشيل كيلو يشبه سوريا أكثر، في كونه تحسن قليلا قبل أيام بعد عراك صعب مع كورونا في المنفى، وعاد فتراجعت صحته، وهذه حالة سوريا منذ سنوات، تتجاذبها صراعات الإقليم ومصالح اللاعبين فيتلقفونها عند الحاجة ويطردونها من بالهم دون ذلك، وتتقاذف الأمم شعبها المتناثر في كل الأصقاع، ويحارب من أجلها مَن تبقى بصرخاتهم وأظافرهم وبندقية وحيدة متروكة كادت تصدأ، ونفوس عزيزة.

وعندما دعا المصريون في أيلول من العام 2019 لمليونية في ميدان التحرير نشر الراحل تسجيلاً صوتياً تناقله الناشطون كما جرت العادة على تطبيق واتساب، قال فيه: "كل الكذب الذي تحدث عن نهاية الريبع العربي يتساقط اليوم.. لأن الربيع العربي فتح بلداننا على خيارات متنوعة وحرة بعد أن كان الخيار واحداً.. لا تصدق حدا داق طعم الحرية ولو لعشر أيام بضيعة نائية ومستعد يتنازل عنها".

كانت فكرة الحرية بعظمتها وقدسيتها حاضرة بوضوح كبير لدى الأستاذ ميشيل، وفي فلكها كان الحديث يدور في الصوتيات والمؤتمرات وفي الأيام البيضاء والسوداء، ومنها انطلق في وصيته الأخيرة للسورين، قال" لن يحرّركم أي هدف غير الحرية فتمسّكوا بها، في كل كبيرة وصغيرة، ولا تتخلّوا عنها أبدا، لأن فيها وحدها مصرع الاستبداد، فالحياة هي معنى للحرية، ولا معنى لحياةٍ بدون حرية. هذا أكثر شيء كان شعبنا وما زال يحتاج إليه، لاستعادة ذاته، وتأكيد هويته، وتحقيق معنى لكلمة المواطنة في وطننا..".

وهذه وصية ثقيلة يتناولها شباب الثورة من جيل الثوار الأوائل الذين يتركوننا اليوم أيتاماً لا نعرف إلا معنى الحرية، دون مرشد يوجهنا إلى مستقبلها وتطبيقها وتحقيقها. هي وصية تعني أن مقارعة الاستبداد الأسدي لا يمكن بجيل أو اثنين، وأن المعركة طويلة وصعبة وأن النصر السوري وللأسف ليس صبر ساعة فقط، وأن الأمل سلاح المتروكين والمتعبين وأن المبادئ مصانة بدماء الشهداء وأرواح الراحلين.

رحل ميشيل كيلو، وفي رحيله تذكرة لأولي الثورة بأن قضيتهم تحتاج للكثيرين من أمثال ميشيل.. لا يستسلمون ويبثون الأمل ويسعون إليه بكل مستطاع.

الصحة العالمية تحذّر: أوميكرون أسرع انتشاراً من جميع سلالات كورونا السابقة
توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
"فورين بوليسي": بشار الأسد سمح بعودة عمه رفعت إلى سوريا استرضاء للعلويين
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين