موسم انهيار المباني السكنية في حلب يتجدد وآلاف العائلات في خطر

تاريخ النشر: 12.09.2020 | 11:32 دمشق

حلب - خالد الخطيب

بدأ مسلسل انهيار المباني السكنية في حلب بعد فترة قصيرة من سيطرة قوات النظام والميليشيات الموالية على الأحياء الشرقية نهاية العام 2016، وتسببت الانهيارات بمقتل وإصابة المئات من الأهالي، وتشريد آخرين بحثاً عن مأوى بديل، وأجبر الآلاف من سكان المباني المهددة بالسقوط على إخلاء منازلهم وشققهم في الأحياء المتضررة والتي يزيد عددها عن 60 حياً كانوا تحت سيطرة المعارضة السورية في الفترة الممتدة بين العامين 2012 و2016.

ويبدو انهيار المباني السكنية أكثر حدة مع بداية الأشهر الماطرة، وذلك على مدى السنوات الثلاثة من سيطرة النظام على أحياء شرقي حلب، ما يدفع الأهالي خلال فصل الصيف للقيام بالكثير من محاولات الترميم والتقوية بالطرق الرخيصة لمبانيهم المتصدعة، بعضها ينجح في تأخير سقوطها ولا ينهي المخاطر بطبيعة الحال، في حين تفشل باقي المحاولات لأن حجم تضررها كبير يصل في أحيان كثيرة إلى تصدع الأساسات، وتكون التشققات ظاهرة للعيان في الجدران والأسقف والأعمدة الحاملة.

ومنذ سيطرة النظام على المنطقة اعتادت المؤسسات الخدمية التابعة له (مجلسا المحافظة والمدينة) على إطلاق الوعود، أهمها إعادة الخدمات والمرافق وتأهيلها في الأحياء الشرقية، وحل مشكلة المباني المتصدعة وإخلائها وإيجاد بديل (مساكن بديلة) للعائلات المتضررة التي أخلت منازلها رغماً عنها، وعود لم تنجز غالبها، والمشكلة في تفاقم مستمر، وأعداد ضحايا الانهيارات في زيادة.

اقرأ أيضاً: بحجة أنها آيلة للسقوط.. أحياء حلب الشرقية تحت تهديد الاستيلاء

 

لجنة السلامة في حكومة النظام: 3 آلاف مبنى مهدد بالانهيار

أكد محمد صفو رئيس لجنة السلامة العامة التابعة لحكومة النظام، أن نحو ثلاثة آلاف مبنى مهدد بخطر الانهيار في مدينة حلب.
وأشار إلى احتمالية تكرار حوادث انهيار الأبنية في مدينة حلب، "لأسباب تتعلق بالخلل في الإنشاءات الهندسية والمواد المستخدمة في البناء".

ووسط الفساد المستشري في لجان مجلس المحافظة والاهمال الكبير لهذا الملف، قال صفو إن "الحل الوحيد لضمان عدم انهيار الأبنية هو إخلاؤها من ساكنيها وإزالتها بالكامل، وهو ما يصعب تنفيذه في الوقت الحالي".

وتبدو أسباب تصدع وانهيار المباني في أحياء حلب الشرقية متنوعة، يأتي في قائمة الأسباب التي تقف خلف انهيار المباني السكنية، قصف قوات النظام السابق (الجوي والبري) الذي طال الأحياء في الفترة التي كانت تسيطر فيها المعارضة السورية، وأسباب أخرى تتعلق بشبكات الصرف الصحي ومياه الشرب المتضررة، كما أن للمواصفات الفنية للمباني دورا في تصدعها وسقوطها، وتتحمل مؤسسات النظام الخدمية في حلب المسؤولية الأكبر في تشريد ومقتل العائلات تحت أنقاض منازلهم المنهارة بسبب فساد اللجان المسؤولة عن تقييم الضرر ومراقبة حركة البناء (لجنة السلامة).

وبدأت لجنة إعادة الإعمار في مدينة حلب والتي تتبع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عملها بشكل فعلي منتصف عام 2017، ومن المفترض أنها قامت بتقييم أضرار المباني في أحياء حلب الشرقية، وتصنف الأبنية من الأقل تضرراً إلى الأكثر تضرراً. وتزيد نسبة الأبنية الآيلة للسقوط في الأحياء الشرقية بحلب عن 50% من المباني، وعدد كبير من هذه الأبنية تسكنها عائلات فقيرة، وهي معرضة للخطر في أي لحظة.

انهيار بناء الصالحين

شهد حي الصالحين في حلب أواخر شهر آب/أغسطس الماضي سقوط بناء سكني مؤلف من أربعة طوابق. البناء المنهار يقع بالقرب من مقبرة الصالحين، وتسبب انهيار المبنى بمقتل امرأة وجرح شخص آخر، وقال مجلس المدينة، بأن "البناء تسكنه عائلة واحدة فقط، رجل وزوجته، ويقع ضمن مناطق المخالفات الجماعية، ومبنيّ من دون أسس هندسية "، وأشار المجلس إلى أن "التحقيقات الأولية كشفت عن سبب الانهيار، وهو وجود طابق خامس مخالف قيد الإنشاء".

وقال مجلس المدينة بأن "لجنة السلامة العامة قررت إخلاء عدد من الأبنية المجاورة للبناء الذي انهار إضافة إلى تنفيذ عمليات إزالة كاملة وجزئية لاثنين من تلك الأبنية في محيط البناء".

 

المبنى المنهار في حي الصالحين بحلب.jpg
انهيار مبنى سكني في الصالحين

 

مصادر محلية في حي الصالحين بحلب قالت لموقع "تلفزيون سوريا" بأن "المبنى المنهار كان متصدعاً بشكل كبير بسبب قصف جوي سابق لقوات النظام والذي طال المنطقة المحيطة بالبناء المدمر"، ولفتت المصادر إلى أن "الإنشاءات المخالفة التي يزعم مجلس المدينة بأنها السبب في سقوط البناء غير صحيحة، فالمباني في محيط الموقع جميعها متضرر، وبالأخص الأساسات، وفي أي لحطة يمكن أن تنهار على رؤوس ساكنيها"، فغالباً ما يمنح موظفو مجلس المدينة الفاسدين الإذن لتجار البناء، لإنشاء شقق سكنية مخالفة في منطقة العشوائيات بحسب تصنيف المجلس مقابل مبالغ مالية محددة.

يحمل مسؤولو النظام ومجالسه الخدمية في حلب مسؤولية سقوط المباني السكنية في الأحياء الشرقية للمعارضة، وأن قذائفها ومتفجراتها هي السبب في تصدع المباني في المنطقة التي كانت تسيطر عليها، ويعتبر حي الصالحين في حلب واحداً من الأحياء الكبيرة التي انتفضت ضد نظام الأسد في القسم الشرقي من المدينة، وأثناء سيطرة المعارضة السورية على أحياء شرق حلب تعرض الحي في وقت مبكر لقصف النظام، الجوي والبري المتنوع، وانهالت على أبنيته مئات الصواريخ الفراغية والارتجاجية و القنابل العنقودية التي ألقتها الطائرات الحربية، والقذائف المدفعية والبراميل المتفجرة .

 

الصالحين - قصف جوي.jpg
القصف الجوي على حي الصالحين

 

وتعرض الحي في 21 تموز/يوليو 2016، لقصف جوي مكثف نفذته طائرات حربية روسية، واستهدف القصف عدداً من المباني السكنية، وتسبب بمقتل 9 مدنيين على الأقل، وفي بداية شهر تموز 2015 قصفت طائرات النظام المروحية الحي بعدد من البراميل المتفجرة ما تسبب بدمار عدد كبير من المباني السكنية وانهيارها على ساكنيها، قتل منهم 15 شخصا على الأقل.

وفي الحملة العسكرية الأخيرة لقوات النظام على الأحياء الشرقية تعرض حي الصالحين لحملة قصف مدفعي وصاروخي هي الأعنف، ودكت المليشيات المتمركز في عزيزة وقرى الجنوب الحلبي حي الصالحين بمئات القذائف الصاروخية، وهذا جزء من مجموعة المجازر والقصف الجوي والبري الذي نفذته قوات النظام والميليشيات الروسية والإيرانية على حي الصالحين في الفترة الممتدة بين العامين 2012 و2016.

الناشط الإعلامي عبد الفتاح الحسين، قال لموقع "تلفزيون سوريا"، إن السبب المباشر وراء انهيار المباني السكنية هو قصف قوات النظام براً وجواً أثناء سيطرة المعارضة، والاتهامات التي يوجهها مسؤولو نظام الأسد للمعارضة بأنها هي من قصفت ودمرت وتسبب بتصدع آلاف المباني السكنية في حلب الشرقية، غير واقعية.. كيف يمكن لقوة مسلحة أن تقصف وتدمر موقعاً تسيطر عليه أصلاً ويقع ضمن نطاق سيطرتها؟!.

ويضيف الحسين، أن "آلاف العائلات الحلبية مضطرة للبقاء في شققها ومنازلها المتصدعة والمهددة بالسقوط لأنهم ببساطة ليس لديهم خيار آخر، مجلس المدينة لم يؤمن أماكن إيواء بديلة، والمداخيل الشهرية تكاد لا تغطي مصاريف المعيشية وبالتالي ليس في مقدور العائلات دفع ايجارات منازل بديلة"

وعلى الرغم من أن الأحياء الشرقية تضم عدداً كبيراً من المنازل غير المسكونة وتعود ملكيتها لمهجرين، إلا أنها غير متاحة للأهالي الذين لا يملكون مأوى، فأملاك المهجرين في عامتها (عقارات ومنازل) وضعت ميليشيات النظام والفروع الأمنية يدها عليها، ويتم استثمارها بطرق متعددة.

هدم المباني المتصدعة

مسؤولون في مجلس المدينة قالوا لمواقع إعلامية موالية، إن المجلس عمد إلى "هدم 60 بناء مخالفاً في الشهرين الأخيرين في قطاع حي الصالحين، والذي يضم 500 بناء عالي الخطورة من أصل 10 آلاف بناء في مناطق المخالفات، معظمها يقع في الشطر الشرقي من المدينة". وفي حالة وجود أبنية آيلة للسقوط، يقول المجلس إنه "تمت إحالتها بموجب جداول للكشف عليها من قبل لجنة السلامة العامة للبناء والمؤلفة من /7/ مهندسين من أصحاب الخبرة يمثلون مجلس المدينة ونقابة المهندسين وكلية الهندسة المدنية والمعمارية وهذه اللجنة على مستوى عال من الكفاءة العلمية والمهنية"

يصنف مجلس المدينة جزءاً كبيراً من العمران السكني في الأحياء الشرقية ضمن المناطق العشوائية البالغ عددها 26 منطقة مخالفات جماعية، فوصف العقار لدى مديرية المصالح العقارية بحلب هو أرض سليخ لزرع الحبوب أو أرض معدة للبناء لكنها في الواقع أحياء سكنية بكل معنى الكلمة كما هو الحال في الكروم الشرقية التي كانت مزروعة بالفستق والزيتون وهي الكروم الممتدة من دوار جسر الحج إلى دوار الصاخور، وبطبيعة الحال جزء كبير من حي الصالحين الذي وقع فيه الحادث الأخير.

يبدو أن التصريحات التي يطلقها مسؤولو المحافظة والمجلس البلدي التابعون للنظام في حلب مضللة ومخادعة، فعمليات الهدم والإخلاء التي تمت بالفعل، استهدفت فقط مناطق التطوير العقاري، وبشكل خاص في حي الحيدرية وتل الزرازير وأجزاء من حي السكري، وكان الهدف من عمليات الإخلاء الاستحواذ على مساحات واسعة من الأراضي وتقسيمها على محاضر عمران حديث ومنحها لشركات تطوير عقاري ناشئة حديثاً، في حين ما تزال الأعداد الأكبر من المباني المهددة بالانهيار في باقي الأحياء على حالها ولم تتخذ مجالس النظام الخدمية أي إجراءات سلامة عامة فيها.

وكان من المفترض أن يتخذ مجلس مدينة حلب منذ منتصف العام 2019 إجراءات عملية لحل مشكلة المباني المتصدعة في الأحياء الشرقية، وأن يقوم بإخلاء المباني الأكثر خطراً، ويزيد عدد العائلات المستهدفة بالإخلاء عن 4000 عائلة، جميعهم من ذوي الدخل المحدود. وقال المجلس حينها، أنه شكل 6 لجان لتحديد درجة الخطورة في المباني، و6 لجان أخرى للإشراف على عمليات إخلاء السكان وتقديم مساعدة لنقل أثاثهم، و3 لجان لمساعدة العائلات لإيجاد مساكن بديلة. ولم تقدم المحافظة ايضاحات حول المكان المخصص لنقل العائلات، ولا مدة بقائهم فيها، أو مصير منازلهم التي سيخلونها.

انهيارات سابقة

انهار مبنى سكني في حي كرم القاطرجي في 9 تموز/يوليو 2020، وتسبب في مقتل شخص وجرح 11 آخرين جميعهم عمال بناء كانوا يعملون في المبنى المؤلف من طبقتين وسط الحي، ويتوسط المبنى المنهار مجموعة كبيرة من المباني المدمرة بفعل القصف السابق لقوات النظام، وفي شباط/فبراير 2019 انهار مبنى كامل في حي صلاح الدين، وقتل أكثر من 12 مدنياً وجرح آخرين من سكانه، في كانون الأول من العام 2019 قتل خمسة أشخاص في مدينة حلب جراء انهيار مبنى من خمسة طوابق في حي المعادي.

 

انهيار مبنى سكني في حي المعادي بحلب.jpg
انهيار مبنى سكني في حي المعادي بحلب

 

مبنى حي القاطرجي.jpg
انهيار مبنى حي القاطرجي

 

وفي أيار/مايو 2018، انهار مبنى سكني مؤلف من خمسة طوابق في حي ميسلون (منطقة الصفا) في أحياء حلب الشرقية، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص انتشلوا من تحت الأنقاض، إضافة إلى إنقاذ شاب وامرأة، وفي شهر نيسان/أبريل من العام نفسه، انهارت أجزاء من عدة طوابق في مبنى سكني في حي بستان القصر، دون وقوع إصابات.

 

مبنى منهار في حي ميسلون.jpg
مبنى منهار في حي ميسلون

 

ظاهرة انهيار المباني شملت غالبية الأحياء الشرقية بحلب خلال الأعوام 2017 و2018 و2019 و2020، وكانت الظاهرة أكثر تكراراً في أحياء العامرية وصلاح الدين والصالحين والمعادي والشعار، بسبب وجود أعداد كبيرة من المباني المتصدعة، وذلك لأنها نالت حصة من قصف قوات النظام قبل العام 2016.

 

مبنى منهار في حي المعادي بحلب.jpg

 

أسباب تصدع الأبنية

تعاني الأحياء الشرقية بحلب من تضرر واسع لحق بالبنى التحتية، والأهم، شبكات الصرف الصحي ومياه الشرب، والتي كانت هدفاً غير مباشر لطائرات النظام وروسيا، وهي من أهم العوامل المؤثرة في ظاهرة انهيار المباني المتضررة بالقصف، تسرب مياه الصرف سرع في تصدع وانهيار المباني، وحول عدداً كبيراً منها إلى مباني غير صالح للترميم بسبب التسريب المستمر للمياه في أساسات الأبنية خلال السنوات الثلاثة الماضية.

ويحدث تسرب المياه بشكل أكبر خلال فصل الشتاء لأن قسما كبيرا من مياه الأمطار تدخل قواعد الأبنية، وهنالك عوامل أخرى كانت سبباً في انهيار وتصدع المباني في محيط المناطق المستهدفة، وذلك بسبب عدم مطابقتها للمعايير الفنية والهندسية، وظاهرة البناء غير المطابق والعشوائي هي ظاهرة قديمة في الأحياء الشرقية بحلب.

رئيس مجلس محافظة حلب سابقاً (مجلس المعارضة)، المهندس يحيى نعناع، أكد لموقع "تلفزيون سوريا"، أن " القذائف والصواريخ والقنابل الارتجاجية والبراميل المتفجرة كانت العامل الأهم في تضرر المباني السكنية، إذ تؤثر الانفجارات والضغط الناجم عنها على الأبنية المعرضة بشكل مباشر ضمن دائرة يصل نصف قطرها إلى 700 متر، والأبنية بمجملها غير مصممة لتلقي صدمات غير طبيعية وموجهة كالقنابل".

 ويضيف نعناع، "القصف الجوي العنيف أثر فعلياً على البنية الإنشائية، كالأساسات والأعمدة والجسور، ما أدى إلى انخفاض قدرة تحمل البناء، وأي عنصر يتضرر من هذه العناصر الثلاثة فمن الممكن أن يصبح البناء قابلًا للسقوط في أي لحظة، ومن الممكن أن تصاب التربة الحاملة للبناء بالقصف فتتأثر دون إصابة البناء بشكل مباشر، ما قد يؤدي إلى انهيار البناء، إذ تصبح الأساسات مرتكزة على تربة ليست صلبة، وبالتالي تصبح غير قادرة على حمل وزن البناء".

ويشير نعناع إلى أن "الأضرار غير المباشر على الأبنية تؤثر بشكل كبير وتسارع في انهيارها، منها تضرر شبكات الصرف الصحي والمياه نتيجة القصف والارتجاج والضغط المفاجئ على الفراغات وتصدع وانكسار الأنابيب مما يؤدي إلى تسريب المياه وتغير في مواصفات تربة التأسيس للأبنية المجاورة وانهيارها"

 

كلمات مفتاحية