في تقرير لافت نشرته صحيفة The Moscow Times، تتناول الصحيفة التحولات الجذرية التي تشهدها الساحة السورية بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد ووصول أحمد الشرع إلى السلطة، مسلطة الضوء على مساعي الحكومة السورية الجديدة لنيل الشرعية الدولية بأسرع وقت، وتقليص نفوذ الحلفاء التقليديين للنظام السابق، وعلى رأسهم روسيا وإيران. التقرير يستعرض أبعاد الانفتاح المتسارع على الغرب، والتحولات الإقليمية والدولية المصاحبة، إضافة إلى مؤشرات على تراجع الدور الروسي في سوريا، وسط تنامي الدعم الخليجي والغربي للقيادة الجديدة في دمشق.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
تسعى السلطات السورية الجديدة لكسب الشرعية الدولية بأسرع وقت، بعد أن اعترف بها جيرانها بالمنطقة، كما تسعى للحد من نفوذ حلفاء النظام السابق في البلد، وعلى رأسهم إيران وروسيا، وخاصة بعد أن رفعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معظم العقوبات التي فرضت في الماضي على دمشق.
يمكن لتطبيع العلاقات مع الغرب أن ينهي كل الجدل الذي مايزال قائماً حول التعاون مع موسكو وأنه من مصلحة الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع وبطانته. بيد أن تزايد عدد الحوادث في القواعد العسكرية الروسية يشير إلى أن روسيا تتعرض لضغط تدريجي حتى تغادر سوريا.
سوريا لن تكون منبوذة بعد اليوم
كان من الواضح منذ البداية بأن الشرع ذا التوجهات الإسلامية والذي أطاح ببشار الأسد، لن يبق منبوذاً على الصعيد الدولي، فقد لعبت تركيا دوراً كبيراً في تشكيل حركة هيئة تحرير الشام التي تولت زمام الأمور في سوريا في كانون الثاني الماضي.
وبعد الانتصار الذي حققته، بدأت أنقرة -كما هو متوقع منها- بالتعاون مع القيادات الجديدة في دمشق، وبحلول صيف عام 2025، أصبح المقاتلون الإسلاميون في الأمس يعتبرون العشرات من الدول بمنزلة شركاء دوليين لهم، ابتداء بالأنظمة الملكية في الشرق الأوسط، وصولاً إلى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
تعتبر دول الخليج من أهم الدول الداعمة للشرع، فقد سددت كل من الرياض والدوحة ديون دمشق للبنك الدولي والتي بلغت قيمتها 15 مليون دولار، ومهدتا الطريق أمام تيسير قروض جديدة لسوريا، وأعلنت كل منهما عن استعدادها لدفع رواتب الموظفين السوريين، ما سيحول سوريا إلى دولة معتمدة بصورة جزئية على تلك الدول الخليجية.
ومع بداية فصل الربيع، علق الاتحاد الأوروبي بعض العقوبات، وفي شهر آذار، أعادت ألمانيا فتح سفارتها بسوريا بعد غياب امتد لثلاثة عشر عاماً.
بيد أن النجاح الحقيقي الذي حظيت به الحكومة السورية الجديدة تحقق خلال جولة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشرق الأوسط، والتي التقى خلالها بالشرع في السعودية، وذلك لأن ترمب لم يكتف بمصافحة هذا الرجل الذي بقي حتى فترة قريبة على استعداد لتقديم جائزة قدرها عشرة ملايين دولار أميركي مقابل رأسه، بل أعلن أيضاً عن استعداده لرفع العقوبات المفروضة على دمشق، وسرعان ما حذا حذوه الاتحاد الأوروبي، وهكذا رفعت في شهر أيار معظم العقوبات الأوروبية المفروضة على سوريا.
مصالح براغماتية متبادلة
على الرغم من أن موسكو دعمت نظام الأسد على مدار سنين طويلة، فإنها كانت من أولى الدول التي تواصلت مع المقاتلين السوريين بمجرد أن انهار النظام البائد، وهذا النهج يقوم على مصالح براغماتية، أولها يتمثل بوجود مصلحة راسخة لدى الكرملين بالاحتفاظ بقاعدة حميميم الجوية وبقاعدة طرطوس البحرية، لما تتمتعان به من دور مهم في نقل اللوجستيات الروسية لمختلف أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا.
كما أن الوجود الروسي في سوريا مهم في ظل السياق الأوسع للمساومة مع الولايات المتحدة أو الاستعانة بنفوذها مع خلال علاقاتها مع تركيا وإسرائيل، ناهيك عن النفوذ الأوسع الذي تمتلكه روسيا في الشرق الأوسط.
في البداية، رفضت السلطات السورية الجديدة قطع العلاقات مع موسكو، على الرغم من منحها حق اللجوء للأسد بعد هروبه من البلد، ولذلك قدمت ضمانات أمنية أولية للقواعد العسكرية الروسية، وتحدث الشرع بنفسه عن أهمية الشراكة مع روسيا، وبما أن حكام سوريا الجدد وصلوا إلى الحكم بالقوة، لذا فإنهم يحرصون على عدم التخلي عن أي علاقة مع أي دولة خارجية، وخاصة روسيا التي بوسعها تخريب النظام الجديد بدمشق إن أرادت ذلك.
ولكن حتى خلال المرحلة الأولى، أوضحت السلطات السورية بأنه مايزال لديها مظالم تتحمل موسكو مسؤوليتها، ولذلك طالبت روسيا "بأخذ أخطاء الماضي بعين الاعتبار"، وألمحت إلى أن الأمر بحاجة لتعويض.
أتى أول اختبار لتجديد العلاقات بين سوريا وروسيا في آذار، وذلك عند قمع دمشق للانتفاضات العلوية باللاذقية، إذ على الرغم من أن موسكو سمحت لبعض الأهالي باللجوء إلى قواعدها، فإنها لم تتدخل بشكل علني صريح بالتطورات الحاصلة بل كان رد فعلها مقبولاً لدى الشرع بالعموم.
والآن، بعد أن حصلت السلطات السورية على الاعتراف الدولي، تراجعت أهمية روسيا بنظر دمشق، بما أن دول الخليج وتركيا أصبحوا رعاة سوريا الأساسيين، في حين كفت روسيا عن إرسال الإمدادات الغذائية فور سقوط الأسد.
إن رفع العقوبات الغربية خلق إشكالات أكبر أمام دمشق بالنسبة لتعاونها مع موسكو، بما أن روسيا نفسها ماتزال تعاني من عقوبات ثقيلة الوطأة، ولذلك يتعين على سوريا أن تختار إما التعاون مع موسكو أو مع الغرب، كما بات من الواضح بأن موسكو في الوقت الراهن أضحت عاجزة عن منافسة الدول الغربية التي تحولت إلى مصدر للمساعدة في مجال إعادة الإعمار والاستثمار.
وأخيراً وليس آخراً، فإن حجم الحب بين عناصر هيئة تحرير الشام الذين يشكلون عصب الحكومة الجديدة، وموسكو، ليس كبيراً، فقد قصفت الطائرات الحربية الروسية هؤلاء المقاتلين على مدار سنين، ثم إن التدخل الروسي الذي بدأ في عام 2015 هو الذي أطال حكم آل الأسد لعقد آخر. ولذلك فإن معظم القيادات السورية سيسعدها إنهاء روسيا لوجودها في سوريا، أي أن القضية اليوم بكل بساطة هي مدى السرعة التي ستجبر من خلالها روسيا على الخروج من البلد، والكلفة المترتبة على ذلك.
تراجع في التعاون
بشكل تدريجي، حدت السلطات السورية من تعاملها مع روسيا، إذ في مطلع عام 2025، فسخت دمشق اتفاقاً لإدارة مرفأ طرطوس سبق لموسكو أن وقعته في عام 2019، وفي أيار عثرت سوريا على البديل، وهو شركة Dubai Ports World التي اتفقت مع السلطات على استثمار مبلغ قدره 800 مليون دولار في مرافق هذا المرفأ.
هنالك نموذج آخر جديد يتمثل بقرار سوريا القاضي بوقف طباعة العملة السورية في روسيا، إذ بمجرد الإعلان عن رفع العقوبات، سارعت دمشق إلى وضع ترتيبات من أجل طباعة عملتها في ألمانيا والإمارات.
وينطبق الأمر ذاته على مشاريع البنية التحتية الروسية التي شاركت فيها شركات تجارية روسية، إذ خلال الشتاء الماضي، أقامت السلطات السورية الجديدة حفل افتتاح لمحطة معالجة المياه في اللاذقية والتي بنتها شركة فودستروي الروسية أيام النظام البائد الذي لم يسدد تكاليف تلك المحطة، وليست لدى الحكومة الجديدة أي نية لتسديدها نظراً للظروف الراهنة. وهنالك أمثلة كثيرة على ذلك، بيد أن الجانب الروسي يفضل عدم الإفصاح عنها لأسباب تتعلق بصورة روسيا، إذ بوسع موسكو أن تنسى ما استثمرته في البنى التحتية السورية والمشاريع الكثيرة التي دخلتها الشركات الروسية في سوريا، وهي تعلم تمام العلم أنها لن تحصد أي أرباح أو مكاسب بعد الآن، ولكن غالب الظن أن الشرع سيطالب موسكو مرة أخرى بدفع تعويضات لبلده.
ينتظر التجارة بين دمشق وموسكو المصير ذاته، إذ في شهر آذار، استأنفت روسيا إمداد سوريا بالنفط، وأعقب ذلك إمدادها بالحبوب، وبما أن السلطات السورية ماتزال بحاجة لتلك الإمدادات، لذلك وافقت على استئناف تلك العمليات، ولكن من غير المرجح لذلك أن يستمر لفترة طويلة، وذلك لأن سوريا باتت على مشارف إعادة ربطها بنظام سويفت العالمي للدفع، وروسيا محرومة من التعامل بهذا النظام. ومن غير المحتمل أن تخاطر دمشق بإعادة دمجها بالنظام المالي العالمي في حال موافقتها على المخططات الرمادية التي تنطوي على استيراد للسلع الروسية.
بيد أن الخلاف الأكبر يدور حول مصير القواعد الروسية، إذ عند الإعلان عن رفع العقوبات الغربية عن روسيا، أفادت أنباء بأن السلطات السورية شددت قيودها الأمنية على العساكر الداخلين أو الخارجين من وإلى المقار الروسية. وبنهاية شهر أيار، تعرضت قاعدة حميميم لهجوم أسفر عن مقتل شخصين على الأقل من الجانب الروسي، في حين أعلنت السلطات السورية بأن العملية نفذها عدد من المقاتلين كـ"مبادرة شخصية".
كما أنه من المرجح للسلطات السورية أن تتبنى أساليب وتكتيكات القوات الموالية لإيران التي نفذت غارات بمسيرات وصواريخ استهدفت القواعد الأميركية في سوريا والعراق، وذلك سعياً منها لإخراج الولايات المتحدة من المنطقة. فخلال هذا العام وقعت عدة حوادث لسقوط مسيرات فوق القواعد العسكرية الروسية الموجودة في سوريا، مما يعني بأن الهجوم الدموي الذي استهدف قاعدة حميميم في أيار قد لا يكون الأخير من نوعه.
قدم الشرع نفسه على أنه قائد براغماتي، ولهذا لا يوجد أي مبرر لنتوقع من دمشق أن تسرع في إنهاء تعاونها مع روسيا في أقرب وقت ممكن، إلا أن موسكو ستجد صعوبة أكبر في المحافظة على وجودها بسوريا.
المصدر: The Moscow Times