موت بطيء وواقع معيشي منهار.. نظام الأسد يدفع حلب إلى حافة الهاوية

تاريخ النشر: 17.09.2021 | 06:42 دمشق

حلب - ثائر المحمد

"خان العسل.. من خانها"، و"عين العصافير.. الموت البطيء"، بهذه الكلمات عنون الإعلامي الموالي لنظام الأسد، شادي حلوة، اثنين من تسجيلاته المصورة التي نشرها على قناته في يوتيوب، ضمن سلسلة بدأها في الثاني من شهر أيلول الجاري، للحديث عن الواقع الخدمي والمعيشي المتردي في مدينة حلب، رغم مرور 5 سنوات على دخول النظام إليها بعد معارك مع فصائل المعارضة.

ينشر شادي حلوة شريطاً مصوراً كل يومين أو ثلاثة أيام، ويتحدث كل واحد من هذه الفيديوهات عن منطقة أو حي معين في مدينة حلب، تختلف الوجوه وتتعدد الشكاوى ويكثر النقد في كلٍ منها، لكن القاسم المشترك بينها، هو البؤس والقهر الظاهر على ملامح السكان، والموت البطيء الذي يتغلغل في أحياء المدينة، ليقتل أهلها كمداً وحسرة على الواقع المرّ المحيط بهم.

حي الفردوس.. لا قدرة على التحمّل

يقول شادي حلوة، إن دوافعه من نشر الفيديوهات التي تظهر الواقع الصعب في مدينة حلب، هو حرصه على سكان مدينته، بعد أن هُمشّوا ورُفضت مطالبهم وصُمّت الآذان عن سماع أصواتهم المنادية بالنظر إلى حالهم، وإنقاذهم من الموت الذي يتخطف أرواحهم بمختلف الطرق.

بدأ "حلوة" يرفع صوته، ويزيد من انتقاده للوضع في حلب منذ نحو شهرين، ويوجه أصابع الاتهام في كل مرة لرئيس مجلس المدينة، أو المحافظ، أو من يصفهم بالمسؤولين في المدينة، دون أن يتطرق تصريحاً أو تلميحاً لقيادة النظام، الممثلة بـ"بشار الأسد" أو رئيس حكومته.

بصرف النظر عن دوافع "حلوة"، ما يهم سكان مدينة حلب، هو إيصال صوتهم، ونقل الواقع الكئيب للمدينة، حتى لو كان الناقل أحد "أبواق" النظام، وواحداً من "المطبلين" له، ولجرائمه بحق السوريين.

الفيديو الأول من السلسلة المذكورة، صوّر في حي الفردوس بمدينة حلب، تبدو فيه شوارع الحي مظلمة، ووجوه أهلها عابسة متأثرة بقهر الواقع ومرارته.

تهافت المدنيون للظهور أمام عدسة الكاميرا، رفعوا أصواتهم، وعبّروا عن سوء حالهم، وانتقدوا المحافظ والمسؤولين، على أمل إحداث تغيير، تبدو احتمالية حدوثه معدومة.

واشتكى أحدهم من نقص مادة الخبز، وتساءل، كيف يمكن لثلاث ربطات من الخبز يومياً، أن تكفي أسرته المؤلفة من 10 أشخاص، بينما اشتكى الغالبية من عدم وصول التيار الكهربائي إلى المدينة حتى الآن، وكذلك المياه، إذ يعتمد الجميع على المولدات الكهربائية "الأمبيرات"، وصهاريج المياه لتلبية احتياجاتهم.

أحد الأشخاص يلبس زياً عسكرياً، وقف أمام عدسة الكاميرا وقال: "الوضع ما عاد يحتمل، حرام وعيب بعد خمس سنوات ما في كهربا"، فيما قالت إحدى الحاضرات إن زوجها عسكري، ومنذ خمس سنوات لم تتحسن الأوضاع في مدينة حلب إطلاقاً، وتتواصل الانتقادات لتشمل سعر أسطوانة الغاز، البالغ 65 ألف ليرة سورية (غير مدعومة).

عين العصافير.. الموت البطيء

في فيديو آخر نشره "حلوة" في 7 من أيلول الجاري، سلط الضوء على واقع بلدة "عين العصافير" على أطراف مدينة حلب، وكان معظم ما رصدته عدسة الكاميرا، هي أكوام القمامة، ومياه الصرف الصحي.

 

Picture3.png

 

بحسب الأهالي، يرحّل نظام الأسد القمامة من مختلف أحياء مدينة حلب، إلى المكّب الموجود في عين العصافير، والغريب وفقاً لهم، أنه يتركها بالقرب من منازل المدنيين، بعد حرقها، ما تسبب بانتشار الأمراض، وموت أحد الأشخاص بعد إصابته بمرض الربو.

مرض الربو تفشى بين معظم المدنيين، ولم يسلم منه حتى الأطفال، ويعود السبب إلى الدخان والروائح الناجمة عن مكب القمامة، ورغم إرسال عدة برقيات لمحافظ حلب، لمعالجة الأزمة وإيجاد حل لها، إلا أن الأمر بقي على ما هو عليه.

 

Picture5.png

 

وتؤكد إحدى نساء البلدة، خلال الحديث أمام الكاميرا، أن بعض الأهالي يضطرون للهرب من البلدة بشكل كامل في الليل، بسبب الروائح والدخان الذي أضر كثيراً بالأطفال، مضيفة أن الحبوب والأمراض الجلدية أصابت كثيرا منهم.

 

Picture4.png

 

المشكلة الأكثر خطورة بالنسبة لقاطني البلدة، هو اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الآبار المخصصة للشرب، ورغم ذلك لم تتحرك دوائر ومجالس النظام، ولم تجد حلاً بديلاً، على اعتبار أن مياه الشركة لا تصل إلى البلدة منذ سنوات، ويصل سعر برميل المياه إلى 2000 ليرة سورية.

خان العسل وانعدام مقومات الحياة

أعلنت وكالة أنباء نظام الأسد "سانا" سيطرة قوات النظام على بلدة خان العسل غربي حلب، في 11 من شباط من عام 2020، وحينذاك هللت واحتفلت وسائل إعلام الأسد بما وصفته نصراً على "الإرهابيين"، ورفع عناصر النظام صورة "بشار الأسد" على مبنى آيل للسقوط، ما يعكس حقيقة الانتصار المزعوم.

الفيديو الثالث من سلسلة "شادي حلوة"، انتشر في 10 من أيلول الجاري، وكان مخصصاً لبلدة خان العسل، للاطلاع على واقعها، وحال من يسكن فيها بعد نحو عام ونصف من سيطرة النظام عليها.

ويظهر في بداية الفيديو ركام سيارة "حلوة" التي استهدفتها فصائل المعارضة خلال المعارك قبل عام ونصف، ويقول "حلوة" إن السيارة ما زالت في مكانها حتى الآن، وهو ما يدل على الحال المأساوي في خان العسل، بسبب الإهمال و"التطنيش" من جانب مسؤولي النظام.

 

Picture7.png

 

معظم المنازل في البلدة مدمرة، ويشير الأهالي إلى عدم وصول التيار الكهربائي إلى البلدة حتى الآن، كذلك المياه، فضلاً عن ضعف المواصلات، مضيفين أن وعود النظام "كلها حكي بحكي".

ولا يوجد في البلدة أي مدرسة تصلح لاستقبال الطلاب، ولا يوجد فيها أي فرن، فيما يبلغ سعر صهريج المياه الصالحة للشرب 40 ألف ليرة سورية.
 

Picture8.png

 

وأما الفيديو الرابع، فقد تطرق إلى حي السكري في مدينة حلب، كانت أكياس القمامة تملأ الشوارع، والمنازل معظمها مدمرة، في حين يقول أحدهم، إن كثيرا من الأبنية السكنية انهارت في الحي بسبب تعرضها للقصف سابقاً، في حين لا تزال بعض الأسطح معلقة، ويمكن أن تنهار في أي لحظة وتُعرض الأهالي للخطر، دون اتخاذ أي إجراءات من قبل النظام.

ولا تبدو شكاوى السكان في السكري مختلفة عن تلك التي طرحها الأهالي في بقية الأحياء، حيث ذكروا أن الحي محروم من الكهرباء والماء، ولا يحظى بأي اهتمام على المستوى الخدمي.

إعلاميو النظام في حلب يشتكون

لم يكن "شادي حلوة" وحده من بدأ بالتحدث عن سوء الوضع المعيشي والأمني والاقتصادي في مدينة حلب، إذ لحق به كل من الإعلامي "صهيب المصري"، والإعلامية "كنانة علوش".

وظهرت الإعلامية الموالية للنظام "علوش" في شهر آب الماضي، في بث مباشر عبر صفحتها الشخصية على فيس بوك، قالت فيه إنها تعرضت قبل شهرين لحادثة اقتحام وسرقة منزلها، وقام اللصوص على إثرها بسرقة ما وصفته بـ "شقا عمرها"، آخذين كل ما خف وزنه وغلا ثمنه، على حد تعبيرها.

ورغم أنها استطاعت الحصول على جميع معلومات العصابة المقتحمة مع أرقام هواتفهم وصورهم الشخصية وعناوين سكنهم وطريقة سرقة المنزل، لكن قوى الأمن التابعة للنظام، لم تبادر لاعتقال أفراد العصابة.

ووفقاً لعلوش فإن "الجهات المعنية" لم تتعامل مع المعلومات المقدمة من قبلها بجدية، حيث إن السارق ما يزال طليقاً، لافتة إلى أن هذه "الجهات" أغلقت الضبط واكتفت بتحويل أحد المقربين من "رئيس العصابة" إلى القضاء.

وشددت على أن الوضع في حلب يزداد سوءاً مع وجود عصابات مسلحة ومرتزقة تمارس حوادث الاعتداء والقتل والسرقة، وسط تفاقم الوضع الأمني في المحافظة بشكل كبير.

وكان الإعلامي "صهيب المصري" قد ذكر قبل أيام أن مشاهد التشبيح في حلب باتت أشبه بمسلسل "وادي الذئاب"، موضحاً أن بعض الشبيحة يعتقدون أنهم فوق القانون والبعض الآخر يعتقد أن أمواله تخوله فعل ما يشاء.

ووصف "المصري" الوضع في حلب بأنه "خطير طالما تسعى فئة من الناس إلى إسكات الصحافيين"، وذلك بعد أن تعرض للإهانة وسيل من الشتائم، على يد من وصفه بـ "الشبيح" مع أربعة من مرافقيه.

حلب على حافة الهاوية

اضطر عدد من التجار والصناعيين في مدينة حلب، إلى إغلاق معاملهم، بسبب التضييق عليهم من قبل الميليشيات التابعة للنظام، وفرضها ضرائب ورسوم عليهم باستمرار، في حين اضطر آخرون لبيع منازلهم وعقاراتهم استعداداً للسفر خارج البلاد، نتيجة تدهور الوضع في المدينة.

وقال الباحث الاقتصادي، خالد تركاوي، إن نظام الأسد لديه تصور معين عن تجار مدينة حلب، يتمثل بأنهم براغماتيون تجاه فائدتهم البحتة، بمعنى أن يستفيدوا منه، دون أن يفيدوه، لذلك فإن النظام يحقد بشكل كبير على المدينة.

وأشار "تركاوي" في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن تجار حلب حاولوا في وقت سابق التكتل بوجه مؤسسة الجمارك، وتوصلوا معها لاتفاق ينص على عدم دخول الجمارك إلى أسواق ومحال المدينة إلا بمرافقة وعلم غرفة التجارة وعدم الحجز على ممتلكات التجار أو استدعائهم إلى دمشق، لكن الأمر لم يطبق، وبات كل تاجر منهم يسعى للخروج من سوريا، خاصة مع وجود تسهيلات من مصر لاستقبال السوريين.

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، أن إهمال حلب ناتج عن استفادة أزلام النظام من المدينة، وأموال التجار الموجودين فيها، لذلك هناك من يستفيد من الوضع الحالي، ويعمل على "ابتزاز حلب ومصّ دمها".

وذكر "شعبو" لموقع تلفزيون سوريا أن وضع الكهرباء، والوضع الاقتصادي والأمني أفضل نسبياً في مختلف المحافظات السورية مقارنة بمدينة حلب، موضحاً أن المدينة الصناعية في حلب تحولت إلى بؤرة فساد، حيث يتم فرض إتاوات على المواد الأولية المستوردة إليها، وفرض إتاوات أيضاً على البضائع الجاهزة للتصدير.

وتصبح هذه التكاليف بالتالي عبئاً على المُنتج، وبحسب "شعبو" فإن نظام الأسد يعتبر حلب "البقرة الحلوب"، لذلك لا يريد تسوية الأوضاع فيها، مؤكداً أن ميليشيا "حزب الله" اللبناني والنظام نفسه يستفيدون من هجرة الأهالي خارج حلب، حيث باتت هذه الميليشيات تعمل في مجال التهريب، مقابل مبالغ كبيرة تصل إلى 3000 دولار على الشخص الواحد.
وينطبق واقع مدينة حلب، على مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة النظام والميليشيات التابعة له، فالأهالي يصارعون أيضاً للبقاء على قيد الحياة، أوجاعهم لا تُرى، وأصواتهم لا تُسمع، ومناشداتهم لا تصل، وإن وصلت لا تُلبى، فمن أوصلهم إلى هذا الحال، حتماً لن يكون المنقذ لهم.