لا نستطيع اعتبار ما يلقيه النّقاد والأدباء يمينةً ويسرةً عبر منصاتهم الالكترونية وصفحاتهم على وسائل التّواصل الاجتماعي، نقداً، بل هو شيءٌ مثيرٌ للرّيبة، بعيد عن المعايير البديهية للنقد الأدبيّ والفنيّ، حيث نجد من أدبيات النّقد أن يلتزم النّاقد بعدم إعطاء أحكام قيمة ولا يطلق رأياً وفق ذائقته الشّخصيّة.
في الفترة الأخيرة قرأت نماذج من نصوص نقدية – اعتبرتُها كذلك لأن كتابها أكاديميون وأدباء فقط- أولها نقدٌ ألحق بالشّاعرات -جميعهن- فهنّ لا يملكن الشّعبية التي يملكها الشّعراء بدءاً من العصر الجاهلي وصولاً للشّعراء المعاصرين الذين يملكون جمهوراً فيسبوكياً عريضاً، واستشهد أحد المصفقين لهذا الطّرح بقول للفرزدق قاله في امرأة قالت الشّعر: "إذا صاحت الدّجاجة صياح الدّيك فلتذبح"
كاتبٌ آخر كان يعيب على الأديب انتماءه لطائفة معينة وكأنّها تهمة، وكان يجزم أن الدّين والإبداع الفني والأدبي لا يلتقيان، والأغرب من هذين المثالين أن أحدهم كان ينتقد نزار قباني ويشتمه ويشتم شعره لسبب أنّه سكير ومدخن ويرتاد الكباريهات.
مثل هذه النّصوص النّقدية تثير سؤالاً مهماً، وهو: ألا نستطيع تناول التّجارب الأدبيّة بحياديّة، وببساطة دون تعقيدات أكاديمية وبنفس الوقت ودون خطاب شعبوي؟
فإذا ما أمسكنا النّص بمعزلٍ عن مؤلفه نكون في الطريق لنظرية (موت المؤلف) للنّاقد رولان بارت، فنحن نستطيع فهم النص الإبداعي بعيداً عن الظّروف الخارجيّة المحيطة ووفقاً للقيم المتأصلة في النص.
فوفقاً لبارت المؤلف ما أن ينتهي من كتابة العمل، حتى ينتهي دوره ويبدأ القارئ بقراءة النّص، "إن ابتعاد المؤلف ليس حدثاً تاريخيّاً أو فعلاً كتابيّاً فقط، إنه يحوّل النّص الحديث من أدناه لأعلاه"[1]، ويرى بارت أن موت الكاتب هو الثّمن الذي يتطلبه ولادة القارئ.
وهذا الطّرح ليس حكراً على بارت بل نادى به الشّكلانيون الرّوس أيضاً، فلا ينبغي قراءة النص قراءةً إيديولوجية ولا ضرورة لإسقاط السيرة الذّاتية للكاتب.
كذلك نجد أن مالارميه الشّاعر الفرنسيّ كان أوّل مَنْ رأى وتنبّأ بضرورة وضع اللّغة نفسها مكان الكاتب، الذي يعتبر نفسه مالكًا لها. فاللغة بالنسبة إليه هي التي تتكلّم وليس المؤلّف، ودعا مالارميه إلى غياب الشّاعر ليقرأ الشعر نفسه وهذا والله الأصل في الشّعر فكم من أشعارٍ يتداولها النّاس وهم لا يعرفون اسم شاعرها، أو أن الزمن غيّب اسمه وحفظ نتاجه.
وفي هذا السّياق لا نستطيع إغفال جهود دي سوسير في تشكيل وعي جديد للغة ذاتها، حيث يجد أن المعنى يأتي من العلاقات في اللغة، دال ومدلول، لسوسير دورٌ في نشأة النّظريات البنيويّة التي تناقش النص كبنية معزولة، فالناقد يناقش البنى الداخلية للنص ويعزله عن بيئته الخارجية والظروف المتعلقة به ويعزله عن كاتبه وذاتيته أيضاً.
***
أما "فوكو" فيجد في مقالته "ما المؤلف" أنّ المؤلف لا يملك تأثيراً في كلّ الخطابات، فالنّصوص الأدبية من قصصٍ وحكاياتٍ وملاحم شعرية، لا يشكل عدم معرفة مؤلفها أي مشكلة في تلقيها وتداولها.
ومن الضروري هنا التأكيد على أنّ بارت لا ينكر دور المؤلَّف في عمليات الإبداع فهو لا يعني أن يزيل المؤلّف بشكل كامل، ولكن بدلًا من هذا هو يطالب القارئ بقراءة النصوص بحرّيّة ليحصل على القيمة الحقيقيّة للنصوص من خلال إنتاج المعنى عبر اللّغة المشحونة بالأفكار والعواطف.
فأحياناً عندما يعرف القارئ اسم مؤلَّف لنصّ، يذهب بعيداً بتحليلاته للعمل الأدبي، فيحلل الثيمات النّصّيّة من خلال ما يعرفه عن سيرة الكاتب، وبالتالي فإنّ النصّ سيفقد الكثير من معانيه ونضارته وانفتاحه على التجديد، وتصبح حينها عمليّة القراءة عمليّة استهلاكيّة بدلاً من كونها إنتاجيّة، لذا كان من الضروري أن تؤسّس مسافة بين ما يقوله النّص حقيقةً، وبين القراءة الأيديولوجية، التي من الممكن أن تضلل القارئ وتمنعه من الوصول لتفسيرات قيمة ومتنوّعة للنصّ.
وهناك نقطة هامة جداً في فكرة "موت المؤلَّف" فهي بالإضافة لمنح القارئ فرصة قراءة العمل من دون اعتبارات قصديّة، تعتبر مطلباً للكثير من الكتّاب – خاصة من ينتمي منهم للمجتمعات المغلقة أو المحافظة- فهم يريدون عزل نصوصهم عن الأيديولوجيّا ليتجنّبوا محاسبة المؤسسات المجتمعية والدينية وبذلك يتشجعون على التعبير عن أفكارهم من دون قيود.
فالمؤلفون حقيقيون ويحاسبون دينياً واجتماعيّاً وسياسياً، وهناك حقوق ملكيّة فكريّة، وحقوق نشر وإعادة نشر وما إلى ذلك.
هذه الفكرة "موت المؤلف" لم تخلق من فراغ بل وجدت في مناخ من النهايات مثل "موت الاله" عند نيتشه -الذي عنى به تآكل الإيمان الدّيني بفعل التطور العلمي- و"نهاية التاريخ" عند فوكوياما، إذن لابد من استيعاب مفهوم موت المؤلف في الاشتغالات النّقدية وخاصة لمن لا ينتهج نهجاً واضحاً في النّقد والتّحليل، بدلاً من صنع آباءٍ للثقافة للشعر والفن مثل يابال و يوبال و توبال[2]، يُرجع إليهم الفضل ويرفع عنهم كلّ نقد، و ينهال حفدتهم بالتهم والشتائم على كلّ من يجرؤ على نقد أعمالهم، وفي الطرف الآخر نجد من يرمي سهام نقده في صدر الأدباء والأديبات (ممن لا حفدة لهم)، غير عابئٍ بشيدٍ إلا بلذةٍ تُخلق داخله بعد كل نقد لذةٍ لا يطفئوها إلا موت المؤلف.