مواطنو لونا الشبل

تاريخ النشر: 17.07.2021 | 05:34 دمشق

لم يعد مهماً تصيد تصريحات المسؤولين السوريين حول أوضاع البلاد والعباد فهم لا يقيمون وزناً للبشر الذين يحكمونهم، وكذلك للبلاد التي يديرون شؤونها وخرابها.

السوريون ومنذ أن تسلّم البعث دفة الحكم لا يلتفتون إلى تصريحات مسؤوليهم فهم يميلون إلى فهمها بشكل معكوس فإن يتحدث ناطق عسكري عن نصر محقق فهذا يعني لهم أن هزيمة حصلت، وأن أمراً يدبر في الخفاء ضدهم، وعلى هذه الشاكلة يتم التعامل مع سائر أمور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ازدادت الهوة بين الناس والطبقة الحاكمة بعد الثورة، وجمهور الموالاة بالتحديد تأخر في إدراك الكذب الممنهج لمن كان يرى فيهم حماته خصوصاً بعد إعلان النصر وتبخر وعود العيش الرغيد ومكافأة الصمود في وجه الإرهاب والعصابات المسلحة التي دمرت البلد، وكانت النتيجة مزيداً من الإفقار والاستلاب والاستبداد.

النظام في رحلة بحثه عن تمويلات جديدة لاقتصاده المتهاوي مدّ يده إلى جيوب من وقفوا بحانبه من تجار وأمراء حرب

أما الأكثر صعوبة للموالين فهو الاعتراف القاسي بأنهم خدعوا، وأنهم كانوا شركاء ليس في القتل وحده كفعل وحشي بل في التدليس ونشره عن أحوال الوطن الذي أحبوه، وخرجوا على شاشاته الوطنية مرددين شعارات الصمود، وعناوين الشبع النفسي الذي سرعان ما تحول إلى صور للجوع وطوابير انتظار لرغيف الخبز وعلبة المتة وسيجارة الحمراء الطويلة والغاز والمازوت، وزاد من الطين بلة أن النظام في رحلة بحثه عن تمويلات جديدة لاقتصاده المتهاوي مدّ يده إلى جيوب من وقفوا بحانبه من تجار وأمراء حرب، وانقلب على أكبر داعميه واستبدل بهم وجوها أخرى فرضتها طبيعة الصراعات في البيت الأسدي ومافيات الفساد والعقوبات الدولية والمحاور المتنافسة على ثروات السوريين.

بالأمس صرخ رئيس وزراء النظام أن ما حصل من رفع للأسعار لم يكن سوى تحريك للأسعار، وهذا بالضبط ما يفعله النظام منذ خمسين عاماً من اللعب بالألفاظ منذ أن صارت الهزائم انتصاراً، والصمت هو ضبطاً للنفس واختياراً للزمان والمكان المناسبين، والغلاء والجوع ضريبة للصمود والتصدي، واستدعاء المحتلين معاهدات للصداقة الاستراتيجية، ولذا لم يعد مجدياً أن يفكر السوري الموالي بموقف يتعارض مع ما دافع عنه طيلة عشر سنوات على الأقل كي يثبت صوابية وقوفه الأرعن ضد إرادة الأغلبية التي لم تكن تريد أكثر من بعض الكرامة والحرية.

فماذا يعني مثلاً أن تصرح لونا الشبل مستشارة القصر الإعلامية بأن (الشعب السوري لديه القدرة على التحمل والصبر وأما الأشخاص الذين يندبون ليل نهار على الفيسبوك فليسوا سوى حفنة عملاء وأغبياء لا قيمة لهم).. وماذا يعني أنها لم تصرح بعد أن نفت وسائل الإعلام الموالية صحة هذا الخبر؟

سيان إن صرحت أم لا فهي قالت أسوأ من هذا الكلام بحق السوريين، واتهمتهم بالخيانة وعمالة الدول الداعمة وبتدمير البلاد وإفقارها، ولكنها اليوم من تقصد بالذين (يندبون على الفيسبوك) أليسوا جمهور الموالاة.. أليسوا جمهور لونا الشبل الصامد في وجه المؤامرة الكونية؟

قالت الشبل حسب التصريح: (إن واقع وظروف البلد هكذا.. والذي لا تعجبه هذه الظروف فليرحل)..

ثم ألم يتضمن تصريح المستشارة مفردات طالما رددتها أبواق النظام عندما يتطرق حديثهم إلى وصف معارضي الأسد؟ مثل ليرحلوا ويبقوا في أماكن لجوئهم وهجرتهم.. قالت الشبل حسب التصريح: (إن واقع وظروف البلد هكذا.. والذي لا تعجبه هذه الظروف فليرحل).. أليست هذه مصطلحات مسؤولي النظام من رأسه إلى أخمص قدميه.. أليست مصطلحات جمهور لونا الشبل المقاوم الصامد؟.

من أجل هذا كله يجب أن لا يعترض جمهور الموالاة على الغلاء وتبريرات النظام، وأن لا يرى في الإهانات سوى أنها من باب (الموانة) فالشركاء قد يخرجون عن اللياقة في خطاب بعضهم بعضا، والظرف الراهن قد يفقد البعض روح الدبلوماسية كساسة البلاد الخراب من زعران الحرب الذين اعتادوا لغة العصا والقمع في خطاب جمهورهم، وأحياناً قد تختلط عليهم الأمور فيظنون أن المعركة لم تنته بعد، وما (خلصت) كما يحبون أن يلقوها في وجه المعارضين لإغاظتهم.. هؤلاء مواطنوك أيتها المستشارة.