موازين الربح والخسارة الإسرائيلية تجاه سوريا

تاريخ النشر: 19.04.2021 | 05:09 دمشق

آخر تحديث: 19.04.2021 | 06:14 دمشق

استمرارا للقراءات الإسرائيلية في الذكرى السنوية العاشرة للثورة السورية، تداول الإسرائيليون فرضية مفادها أن الأسد أخطأ حين ظنّ أن ما حصل في تونس ومصر لن يتكرر عنده، وعدم تقديره باستعداد أبناء شعبه للمخاطرة، وكسر حاجز الخوف، وحين ضحك في خطابه أمام البرلمان، منتعشاً بهتافات التأييد المعدة سلفاً من جانب أعضائه.

ولفتت محافل إسرائيلية أن الأشهر الأولى من الثورة السورية أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن نظام الأسد يتزعزع، وكلما تسرّبت المزيد من مقاطع الفيديو التي تُظهر قتل المتظاهرين السلميين، تزايدت علامات الاستفهام حول قدرته على وقف موجة الاحتجاجات ضده، وفشل سياسة القبضة القوية التي تستخدمها قواته الأمنية، فالتظاهرات تزداد قوة، وتنتشر في مدن أخرى، والأسد لا يمتلك إلا خيار "مجزرة حماة"، وإلا فلن ينجو.

كل ذلك يعني، وفق التقييم الإسرائيلي في حينه، أن النظام السوري فقد شرعيته، ويصارع بما تبقى لديه من قوة من أجل حياته، وبقيت له قاعدة تأييد غير قليلة بين أبناء طائفته، ممن يخشون حمام دم متوقع في اليوم الذي سيلي الأسد، وفي الحالتين، فإن القتال على سوريا بلغ ذروته، ومن المتوقع أن يكون طويلاً وملطخاً بالدماء.

ثمة من رأى في المؤسسة الإسرائيلية أفضلية للوضع السوري القائم، فالانتباه السوري سينصبّ نحو الداخل، وسيتعاظم التخوف من حصول مواجهة مع إسرائيل، والأرض السورية هشة بما فيه الكفاية، حيث وقعت هجمات عسكرية، وتصفيات لأهداف ثمينة، دون ردّ، وأصبح الخيار المنطقي المتداول في إسرائيل أن سوريا ستعاني من عدم الاستقرار لوقت طويل.

التقدير الأمني الإسرائيلي وصل لما يشبه الإجماع أن استمرار الأمور في سوريا على هذا النحو، سيؤثر لفترة طويلة من انعدام الاستقرار، وستكون له آثار بعيدة المدى على الشرق الأوسط، وأمن إسرائيل

وأشار معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أن إسرائيل ستبدو متأثرة بكل السيناريوهات المتوقعة للثورة السورية، ففي ظل المتابعة الإسرائيلية الحثيثة لآخر التطورات الميدانية في سوريا، فإنها تبدو واثقة أن الأسد في خطر، لأن مفعول "الدومينو" بدأ يضرب بقوة نظام حكمه، بعد أن كسر الشعب حاجز الخوف، وخرج الناس للشوارع، وحطموا التماثيل الضخمة، وأضرموا النار في مباني المؤسسات الحكومية الرسمية.

التقدير الأمني الإسرائيلي وصل لما يشبه الإجماع أن استمرار الأمور في سوريا على هذا النحو، سيؤثر لفترة طويلة من انعدام الاستقرار، وستكون له آثار بعيدة المدى على الشرق الأوسط، وأمن إسرائيل، لكنه أخذ شكلين يبدوان متناقضين:

1. رغم أن إيران مستفيدة من تطورات المنطقة، فسقوط مبارك، وأحداث البحرين، والضغط الذي تعيشه السعودية، عمل على تعزيز محور طهران - دمشق، والأخيرة تعدُّ الحجر الرئيسي في المحور، وبالتالي فإن ضعف الأسد، فضلاً عن سقوطه، ضربة شديدة لإيران، وحزب الله.

2. لكن هذا الوضع الملتبس، أعطى "مساحة تنفس" لخصوم المعسكر الإيراني، وعلى رأسهم معسكر  "الاعتدال"، لكنه يوجد إغراءً لإيران للتخفيف عن سوريا بتسخين النزاع مع إسرائيل!

وفيما نظرت الأوساط الإسرائيلية بعين من الترقّب لمآلات الأوضاع في سوريا، فقد طرحت أسئلة استشرافية من قبيل: هل هي نهاية سلطة عائلة الأسد، أم نهاية "الخيار السوري" لإسرائيل، مع العلم أن القراءة الإسرائيلية لما يحصل في سوريا وضعت مجموعة فرضيات خاطئة وقع فيها النظام هناك، وهي:

1. رفضه التخلي عما يوصف بـ "المظلة الإيرانية".

2. عدم الرغبة السورية بإضعاف تأييده لحزب الله الذي يساعده في لبنان.

3. عدم السلام مع إسرائيل وهب له ذريعة إقامة "نظام طوارئ"، لقمع كل شرارة معارضة.

لذلك حاولت الأوساط الإسرائيلية بلورة تصورات أمنية محدثة إزاء الواقع السوري المستجد، بتشخيص خريطة المصالح الإسرائيلية بناءً على قراءات موضوعية، ومن خلال الجدال الداخلي الدائر في إسرائيل إزاء ما حدث في سوريا منذ مرحلة مبكرة، طرحت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ثلاثة تساؤلات رئيسية، وهي:

1. هل ما يجري في سوريا يشكل تهديداً حقيقياً على نظام الأسد.

2. وهل سقوط هذا النظام يمثل مصلحة إسرائيلية.

3. وماذا يجب على إسرائيل عمله إذا سقط النظام، أو تجاوز الأحداث؟

يتصدى للإجابة عن هذه الأسئلة القائمون على محافل التقدير الاستراتيجي ممثلة بمراكز الأبحاث التابعة لجهازي الاستخبارات العسكرية والموساد ووزارة الخارجية، ونخبة من المستشرقين المرتبطين بمؤسسة الحكم، لكن استمرار الأزمة السورية لمدة تزيد على العشرة أعوام، أثار استقطاباً واضحاً بين هذه الدوائر إزاء تقييم المصلحة في بقاء نظام الأسد أو سقوطه، ولم يبرز هذا الاستقطاب بناءً على خلفية أيديولوجية أو حزبية، بل على أسس موضوعية، عبر محاولة تلمس المصالح الإسرائيلية العليا في بقاء النظام أو سقوطه.

تمت مقاربة مآلات الثورة السورية بناء على تباين مهني تقليدي شبه دائم بين تقديرات الجيش، ممثلاً في شعبة الاستخبارات العسكرية، وبين جهاز الموساد:

‌أ. ففي حين أن معظم قادة الجيش يرون أن بقاء نظام الأسد يمثل مصلحة إسرائيلية.

‌ب. رأى الموساد أن البيئة الاستراتيجية لإسرائيل ستتحسن كثيراً إذا سقط نظام دمشق.

وضع المتخوفون الإسرائيليون من سقوط الأسد هذه المبررات:

1. الحدود بين إسرائيل وسوريا، على الأقل عند اندلاع الأزمة السورية، هي الأكثر هدوءاً مقارنة مع الحدود العربية الأخرى، رغم أنهما في حالة حرب من ناحية رسمية، وليس اعتباطاً أن تستقطب هضبة الجولان أعداداً كبيرة من المستوطنين اليهود.

2. عدم وضع النظام السوري مسألة تغيير ميزان القوى الاستراتيجي المائل لصالح إسرائيل على أجندته، لأن ما يعني النظام هو الحفاظ على حكمه، مع ما يعنيه هذا من حشد موارد سوريا لمتطلبات الأمن الداخلي التي تضمن استقرار الحكم، ومواجهة المعارضة، مما أسهم بتمكين إسرائيل من تطوير قدراتها الحربية.

3. يمثل النظام السوري نموذجاً للنظام الذي نجحت إسرائيل بمراكمة قوة الردع تجاهه بشكل واضح، بدليل عدم محاولته الرد على العدوانات الإسرائيلية بقصف المنشأة النووية أواخر 2007، وتصفية الموساد للمسؤولين عن البرنامج النووي السوري، وتصفية القائد العسكري لحزب الله عماد مغنية في 2008، وزاد من سلسلة الهجمات الإسرائيلية على سوريا منذ 2015-2021.

4. سقوط النظام القائم يعني المخاطرة الإسرائيلية بصعود الإسلاميين للحكم، فهم أكثر قوى المعارضة تنظيماً، ويسهم هذا السيناريو بتغيير البيئة الاستراتيجية لإسرائيل بشكل سلبي.

5. سيؤدي سقوط النظام أو إضعافه لحالة من عدم استقرار المنطقة، قد تفضي لحروب لا ترغب بها إسرائيل، مع الخشية أن يلجأ النظام السوري لتسخين الجبهة معها، أو يضغط على حزب الله للقيام بالمهمة ذاتها كمخرج أخير لتفادي السقوط.

6. اندلاع حرب أهلية في أثناء الثورة السورية، أو بعد سقوط النظام، يحمل في طياته خطر تشكل عصابات مسلحة، ستتجه للعمل المسلح ضدّ إسرائيل، وسيكون من الصعب جداً الضغط عليها عسكرياً لعدم وجود عنوان سلطوي واحد وجامع، كما هو الحال مع النظام الحالي.

7. تأسس نظام ديموقراطي في سوريا في أعقاب الأسد، سيضاعف الضغوط العالمية على إسرائيل للانسحاب من الجولان، كجزء من تسوية شاملة للصراع.

8. الخشية أن يؤدي سقوط نظام الأسد للتأثير سلباً على استقرار الأردن، أوثق حلفاء إسرائيل في المنطقة، مما يعتبر تهديداً وجودياً لها، لدور الأردن الحاسم بتأمين الحدود الطويلة.

انهيار النظام سيحدث تغيرات جوهرية بموازين القوى اللبنانية، وسيعزز مكانة الفريق القريب من الغرب، ويقلص هامش المناورة أمام حزب الله

أما المتحمسون الإسرائيليون لسقوط الأسد، فرأوا أن:

1. إسقاط النظام السوري يمثل ضربة قوية لمحور إيران، لأنها ستفقد موطئ قدم مهماً يسمح لها بالتواصل مع حلفائها، لأن موانئ سوريا ومطاراتها تستخدم في نقل السلاح الإيراني.

2. انهيار النظام سيحدث تغيرات جوهرية بموازين القوى اللبنانية، وسيعزز مكانة الفريق القريب من الغرب، ويقلص هامش المناورة أمام حزب الله، مما سيطرح مسألة سلاحه بقوة في الجدل الداخلي اللبناني، وهي مصلحة إسرائيلية من الطراز الأول.

3. رغم مخاطر الفوضى التي قد تنشب عقب سقوط النظام، فهذا الحدث يمثل تحولاً إيجابياً هائلاً في البيئة الاستراتيجية لإسرائيل، لأن هناك احتمالاً كبيراً بأن تتفكك الدولة السورية، وتصاب مؤسساتها بالشلل.

4. بغض النظر عمن سيخلف النظام، ومهما كان مدى خطره، فسيبقى في حساب الجدوى والكلف الإسرائيلية أقل خطراً من بقائه، وخروجه من أزمته، وشروعه في إعادة الترميم والبناء.

5. رغم أن النظام الحالي يتجنب التصادم المباشر مع إسرائيل، لكنه في المقابل معني ببقاء حالة الصراع معها، لأن بقاءه يصرف أنظار السوريين عن الاهتمام بالشأن الداخلي.

إن تقييم الدوائر الأمنية الإسرائيلية تجاه الأحداث السورية، قد لا يقدم رؤية صحيحة، لأنها انطلقت من اعتبارات أمنية استخبارية بحتة، لم تثبت صحتها أحيانا، رغم أنها حاولت استشراف تداعياتها، وإسقاطاتها المختلفة على بيئتها الاستراتيجية، ولذلك بات الإسرائيليون معنيين بتلافي مظاهر التخبط، وتأثير الصدمة عقب اندلاع الثورات العربية.