موازنة حكومة الأسد: عجز على عجز وزيادة رواتب بلا رصيد

30 أيلول 2020
إسطنبول - خاص

أقر "المجلس الأعلى للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي"، التابع لرئاسة مجلس وزراء حكومة النظام، الاعتمادات الأولية لمشروع الموازنة العامة للدولة، وتوجهات الإنفاق في جميع الوزارات، للسنة المالية 2021، في الشقين الاستثماري والجاري، وبلغ مبلغ الاعتمادات الأولية 8500 مليار ليرة سورية، مقارنة بـ 4000 مليار ليرة لموازنة العام 2020.

وقالت حكومة النظام، في بيان لها، إن اعتمادات الدعم الاجتماعي بلغت 3500 مليار ليرة، موزعة على دعم الدقيق التمويني، والمشتقات النفطية، والصندوق الحكومي للمعونة الاجتماعية، وصندوق دعم الإنتاج الزراعي، دون أن يشمل ذلك الدعم المقدم للقطاع الكهربائي.

وأوضح البيان أن هناك كتلة مالية احتياطية، تخصص للإنفاق الاستثماري لمواجهة أي متغيرات في مختلف القطاعات، بحسب البيان.

وبحسب البيان، فإن مشروع الموازنة يشمل تأمين 70 ألف فرصة عمل، في القطاعين الإداري والاقتصادي، ويركز على دعم وتحفيز القطاع الخاص الزراعي والصناعي والسياحي، بما يحقق تنمية هذه القطاعات إضافة إلى زيادة الاعتمادات الخاصة بالضمان الصحي.

وأكد رئيس مجلس وزراء حكومة النظام، حسين عرنوس، أن حكومته "لن تتخلى عن الدعم الاجتماعي، الذي يحظى بالأولوية إلى جانب دعم الإنتاج الزراعي والصناعي والمشروعات الصغيرة والمتوسطة".

 

 

مبالغة وتضخيم

وعلى الرغم من ارتفاع مبلغ موازنة العام المقبل عن العام الحالي بأكثر من الضعف بالليرة السورية، إلا أن المبلغ يقل بنحو 40 % بالعملة الصعبة، فبحسب سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار وفقاً لسعر المصرف المركزي، فإن مبلغ الاعتمادات الأولية الذي رصده المجلس للموازنة العامة في 2021 بلغ نحو 6.8 مليارات دولار، في حين بلغت ميزانية العام 2020، بحسب سعر الصرف حينها، نحو 9.2 مليارات دولار.

وتعد الأرقام التي أعلنتها حكومة النظام في موازنتها للعام 2021 الأضخم في تاريخ البلاد، وقد يهدف النظام من إعلانه لهذه الميزانية إثارة الآمال لدى السوريين على تحسن قد يطرأ على الأوضاع الاقتصادية، خاصة مع الإعلان عن تأمين 70 ألف فرصة عمل في مختلف المجالات، بالإضافة لدعم الزراعة والصناعة والسياحة.

لكن الواقع مغاير لما وضعته الحكومة على الورق، فمع الشلل في مفاصل الإنتاج والاستثمار في مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية، تُطرح كثير من الأسئلة حول قدرة النظام على تأمين هذه المبالغ، في ظل واردات حكومية شبه متوقفة من مختلف القطاعات الاقتصادية والتجارية والزراعية.

ويرجّح خبراء اقتصاديون أن يلجأ النظام إلى طباعة النقود لتمويل الموازنة، يغرق فيها السوق، ويموّل منها زيادة الرواتب التي تحدّث عنها نواب برلمانه، دون اعتبار للتضخم والآثار والتداعيات الخطيرة على الاقتصاد السوري المدمر أصلاً.

يرى الدكتور عبد الناصر الجاسم، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة ماردين التركية، في حديث مع "تلفزيون سوريا" أن "الموازنة ليست مجرد رقم أو كشف حساب كما هو شائع، بل هي وثيقة مهمة جداً تقدمها الحكومة للشعب، ولها مضمون اقتصادي وسياسي واجتماعي"، موضحاً أن "الأرقام المبوبة في ميزانية أي حكومة هي بيان يعتمد على توقع الإيرادات والنفقات، يُعرض على السلطة التشريعية لإجازة تنفيذه".

وأضاف الجاسم أن "هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها النظام أرقام ضخمة في الميزانية العامة للدولة، ودائماً هناك مشكلة حقيقية وتضليل وتزوير من حكومة نظام الأسد، فالأرقام الهائلة الواردة في بيان الميزانية لا تعدو أكثر من حبر على ورق"، مشيراً إلى أن ميزانية حكومة النظام، والتي قال إنها ازدادت بمقدار أكثر من النصف عن ميزانية العام الماضي، لم تحمل أي إشارة لتبدل سعر الصرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية أو التضخم الحاصل في البلاد، بل في الواقع انخفضت بمقدار 45 %.

وذكر الجاسم أن "عادة الإيرادات مكونة من الضرائب والرسوم وعوائد أملاك الدولة والخدمات التي تقدمها، فضلاً عن إيرادات أخرى من الثروات والنفط، والتمويل الاستثنائي مثل الاقتراض الداخلي والخارجي، لكن في الواقع، المعطيات الحالية في الوضع الاقتصادي السوري لا تنبئ بإمكانية تنفيذ إيرادات هذه الميزانية بأي شكل من الأشكال".

 

زيادة رواتب بلا رصيد

ويرى محللون اقتصاديون، أن وضع الأسد يده على أموال كبار رجال الأعمال وعلى رأسهم رامي مخلوف، قد يكون بديلاً يسمح بتأمين ميزانية العام المقبل، أو قد يعمد النظام لتكرار سناريوهات سابقة في إنهاء خدمات كانت تقدم بالمجان، مثل السلع المدعومة، أو ضخ أوراق نقدية جديدة في السوق، وهي خطوة استخدمها الأسد سابقاً، ووفرت له أموالاً طائلة ساعدته في ضائقته الاقتصادية، التي تسببت بخسارة العملة السورية لأكثر من 300 % منذ نهاية العام 2019.

يقول الدكتور عبد الناصر الجاسم إن "العجز في ميزانية النظام كبير جداً، ومتراكم من ميزانيات سابقة، ولا يمكن تعويضه بهذه الطريقة التشبيحية، وهي وضع اليد على أموال رجال الأعمال، وحتى لو كان ذلك صحيحاً، فلا تكفي هذه الأموال لتغذية البلاد التي تعاني من فقدان لأبرز مواردها من نفط وزراعة، فضلاً عن العقوبات الغربية".

ويؤكد الدكتور الجاسم أن حكومة النظام طبعت كميات كبيرة من العملة السورية في روسيا، قبل عامين، دون أن يكون لها أي رصيد أو قيمة، ومن غير المستبعد أن يكرر النظام هذا السيناريو، خاصة لتمويل زيادة رواتب موظفي القطاع العام، والتي ستكون "زيادة بلا رصيد".

وأوضح الجاسم أن هذا الموضوع ينعكس بالدرجة الأولى على عدم استقرار المستوى العام لأسعار السلع الغذائية والتموينية الأساسية وغيرها، والتوجه نحو ارتفاعها أكثر وأكثر، في ظل ضائقة اقتصادية خانقة يعاني منها السوريون بالفعل، حيث عجلة الاقتصاد والأعمال متوقفة بنسبة 75 %، وتقتصر فقط على بعض القطاعات البسيطة التي تسيطر عليها قوى خارجة عن القانون.

وذكر الجاسم أن ميزانية العام 2013 نوقشت في مجلس الشعب التابع للنظام مطلع العام الماضي، موضحاً أنه "من السهل أن يطلق النظام رقماً كبيراً للموازنة، لكن السؤال كيف ستنفذ وما هي الرقابة على هذا التنفيذ"، مؤكداً أن النظام "لا يوجد لديه أي رقابة على تنفيذ الميزانيات منذ سنوات، ولا تعدو كونها تسيير أعمال الوزارات والمديريات وخططها بشكل ورقي دون أي فعل حقيقي".

 

وعود حكومية وانتقادات برلمانية

وكان رئيس حكومة النظام المشكلة حديثاً، حسين عرنوس، تلا، الأحد الماضي، بياناً تضّمن خطط حكومته بشأن ما وصفه بـ "تحسين مستوى المعيشة وخفض الأسعار وتأمين مستلزمات المواطنين"، مستعرضاً محاولات ومساعي حكومته لتوفير "الغاز والبنزين ومشتقات التدفئة، وتأمين  الدواء بأسعار مناسبة مع تشديد الرقابة على سوق الدواء لمنع الاحتكار"، في حين انتقد نواب برلمان النظام بيان الحكومة، معتبرين أن البيان "إنشائي وناقص ولم يتطرق إلى الأزمات الحالية".

وطالب بعض النواب، بجدول زمني لتنفيذ العناوين التي طرحها البيان، وضرورة إيجاد حلول سريعة لتحسين الدخل والواقع المعيشي.

وقال النائب جمال القادري إن بيان حكومة عرنوس "يتشابه بنسبة 80 % مقارنة مع بيانات الحكومات السابقة"، لافتاً إلى أن البيان "اتسم بالإنشاء والسرد، وغابت عنه الأرقام التي تعد الأساس في تتبع برامج الحكومة".

أما النائب أيمن بلال فتساءل عن "الحلول الإسعافية والسريعة لتحسين الواقع المعيشي للمواطن، وخصوصاً فيما يتعلق بالأسعار والرواتب والكهرباء والمشتقات النفطية على أقل تقدير، للحد من تفاقم هذه المشاكل".

ويعاني النظام من أزمة اقتصادية خانقة، حيث انخفضت قيمة الليرة السورية إلى مستويات قياسية في الأسابيع القليلة الماضية، مما زاد من الأعباء التي تواجه السوريين في المناطق تحت سيطرة النظام، مثل نقص المواد الأساسية كالخبز والمحروقات، وارتفاع كبير في أسعار المواد التموينية والغذائية الرئيسية.

وكان "برنامج الأغذية العالمي" التابع للأمم المتحدة، حذّر من أن نحو 2.2 مليون سوري قد ينضمون إلى قائمة السوريين الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي بسبب الحرب التي يشنها نظام الأسد على الشعب السوري.

وأشار البرنامج إلى أن 9.3 ملايين سوري يعانون أساساً من انعدام الأمن الغذائي في سوريا، وحذر البرنامج في تغريدة له على تويتر من أنه "من دون مساعدة عاجلة، قد ينزلق 2.2 مليون شخص إضافي نحو الجوع والفقر".

ونهاية العام 2019 كان 7.9 ملايين سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بحسب البرنامج، الذي قدّر نهاية نيسان الماضي ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 107 في المئة خلال عام واحد، من جراء تداعيات الأزمة الاقتصادية، وتفشي فيروس "كورونا"، الذي فاقم الوضع الاقتصادي سوءاً.

ويعيش معظم السوريين تحت خط الفقر بسبب الأزمات المتلاحقة بسبب الحرب التي يشنها نظام الأسد على الشعب السوري، ومنذ عام 2019 تسارع الانهيار الاقتصادي بسب العقوبات الغربية لا سيما الأميركية على النظام.

 

اقرأ أيضاً: سوريا تخسر مواردها الاقتصادية لصالح الشركات الروسية

مقالات مقترحة
تفكيك "أقفاص الدور" أمام أفران ابن العميد بدمشق (صور)
شرطة النظام: اعتقلنا صاحب مقولة "والله لنرجعها لـ 2011" في درعا
"أفران ابن العميد".. ما حقيقة أقفاص دور الخبز في دمشق؟
52 إصابة وثلاث وفيات في مناطق سيطرة الأسد
301 إصابة جديدة بفيروس كورونا في شمال غربي سوريا
طلاب إدلب يستقبلون العام الدراسي في ظل الفقر وكورونا وقلة الدعم