icon
التغطية الحية

مهنة الموت والعيش معاً.. كيف يعيل نحت الشواهد عائلات دمشقية منذ قرن؟

2025.06.30 | 04:43 دمشق

آخر تحديث: 30.06.2025 | 07:12 دمشق

35
كيف يعيل نحت الشواهد عائلات دمشقية منذ قرن؟ - تلفزيون سوريا
دمشق - بسام الرحال
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- مهنة نقش شواهد القبور في دمشق تُعتبر جزءاً من التراث، حيث يعمل فيها نحاتون وخطاطون، وتُمارس في سوق السنانية، مما يوفر مصدر رزق للعديد من العائلات.
- يواجه العاملون تحديات اقتصادية بسبب تراجع الطلب وارتفاع تكاليف الرخام، حيث تتراوح تكلفة الشاهدة بين 300 و350 ألف ليرة سورية، مما يشكل عبئاً مالياً.
- شهدت المهنة تطورات تقنية باستخدام الحفر بالليزر، مع تفضيل الرخام المستورد من تركيا لتحمله العوامل الجوية، وتُستخدم الشواهد لتحديد القبور وتسهيل إجراءات الدفن.

في دمشق مهنة ليست بالحديثة تبعث على التفكر، وتدفع المتبصر بها إلى التفكير ملياً في جدلية الحياة والموت، وإعادة النظر في الكثير من القناعات السابقة حولهما، ليخرج المرء بقناعة جديدة تتلخص في أن الموت ربما يعني الحزن والفقد، لكنه في الوقت نفسه يمثل سبباً من أسباب الرزق واستمرار الحياة عند أناس آخرين، في ميزان إلهي غاية في الدقة.

هذا ما تقوله أصوات أزاميل نحاتي شواهد القبور للمارة في سوق السنانية بحي باب الجابية الدمشقي، بلغتها الخاصة تروي كل يوم قصة رحيل جديدة. فهناك أناس يرحلون، ومع رحيلهم تبدأ قصة آيات قرآنية وأسماء وعبارات وتواريخ وأرقام تُنحت مع كل إشراقة شمس على هذه الشواهد الرخامية، ليكتمل المشهد مع قطعة رخام لا تتجاوز مساحتها المتر المربع، تلخّص حياة أحدهم بين عام وُلد فيه وعام آخر يغادر فيه هذه الدنيا.

مهنة دمشقية تعود إلى أكثر من 100 عام، يعتاش منها نحاتون، وخطاطون، وعمال مع عائلاتهم وذويهم، اعتادوها أباً عن جد كما يقولون، وأصبحت تراثاً متوارثاً، ومصدراً لرزقهم.

مهنة تعود لأكثر من 100 عام

للوهلة الأولى، ربما يعتقد الزائر للمكان أن مهنة نقش شواهد القبور حديثة ككثير من المهن اليدوية، لكن الأمر لم يبدُ كذلك حين سألنا عن عمر هذه المهنة وسمعنا الجواب من القائمين عليها.

في هذا الصدد، يوضح النحات مرهف التقي، أحد هؤلاء النحاتين، بأنه ورث هذه المهنة عن والده وجده من قبله، وقال في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا: "عمر سوق السنانية بحي باب الجابية الذي نعمل فيه الآن يعود لأكثر من 100 عام، وهناك شواهد في مقبرة باب صغير المجاورة عمرها يفوق المئة وخمسين عاماً، وكان اسم المتوفى يُكتب سابقاً ضمن بيت من الشعر يقوم الخطاط بتأليفه خصيصاً للمتوفى".

وأضاف التقي: "هذه المهنة تشكّل مصدر رزق لي ولعائلتي، وهي حال بقية النحاتين في السوق، فكل محل من محال النحت يشكّل مصدر رزق لأربع أو خمس عائلات، ومعظمهم ممن يسكنون في بيوت مستأجرة وليس لهم دخل آخر أو مهنة أخرى، ونأمل أن يتم ترخيص هذه المحال، مع العلم أن جميع أصحابها مكلفون مالياً من قبل محافظة دمشق ويدفعون رسوماً سنوية تصل إلى مليون و300 ألف ليرة سورية".

الطلب يتراجع لضيق العيش

وحول سوق الطلب على هذه الشواهد، أوضح التقي أن موسم العمل خلال العام يتركز في الفترة التي تسبق الأعياد، بسبب رغبة بعض الأهالي في تجديد شواهد قبور ذويهم وأحبائهم.

وتابع: "مؤخراً، ونظراً لضيق العيش عند الكثير من الناس، ولا سيما خلال السنوات الأخيرة، فقد تراجع الطلب على شواهد القبور، ولم يعد هناك اهتمام بها كالسابق، وهناك من يؤجل موضوع نحت شواهد قبور ذويهم أو حتى ترميم المكسور أو المتضرر منها بسبب سوء وضعهم المادي وعدم قدرتهم على دفع الكلفة".

65

وأكمل التقي: "يتراوح سعر الشاهدة بين 100 و150 ألف ليرة سورية، وفقاً لحجمها، يُضاف إليها أجور النحت والخط لتتراوح الكلفة للمواطن بين 300 و350 ألف ليرة سورية، وقد يزيد المبلغ تبعاً لحجم الشاهدة والنقوش عليها. وبالنسبة لنا كأصحاب محال، نقوم كل خمسة أو ستة أشهر بشراء كميات من الرخام من معامل الرخام، تتراوح بين 10–15 متراً مربعاً، حيث يبلغ سعر المتر المربع من الرخام 300 ألف ليرة سورية، ونقوم بنقلها إلى المحال في سيارات أجرة وبكلفة تصل إلى 150 ألف ليرة سورية وسطياً".

المهنة انطلقت قديماً عبر ثلاثة نحاتين

تتقاطع إجابات النحاتين عند حقيقة أن هذه المهنة قديمة وبدأت قبل أكثر من 100 عام في مدينة دمشق، وقال النحات إياد الحلبي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا: "مهنة النحت على شواهد القبور بدأها عدد محدود من الأشخاص لا يتعدى الثلاثة نحاتين، ثم تعلّمها الأهالي القريبون من محالهم، وهؤلاء علّموها لأولادهم وأصبحت مهنة متوارثة من جيل إلى جيل حتى يومنا هذا. وبالمناسبة، توفي منذ سنوات نحات مسن عن عمر يناهز التسعين عاماً، وكان يقول إنه تعلّم المهنة من والده".

وتابع الحلبي: "وكما ترى، يعمل معي ابني اليافع كخطاط ونحات في آنٍ معاً، فمن المهم إتقان النحت والخط معاً. ويعمل لدي أيضاً عاملان آخران، وبالمقابل، هناك من يتقن النحت، وهناك من يتقن الخط على حدة".

الرخام التركي أصبح متوفراً بعد سقوط النظام

وأضاف الحلبي: "سعر الشاهدة وأجور الخط والنحت تتراوح بين 300 و700 ألف ليرة سورية تبعاً لمساحتها وعدد العبارات المكتوبة والمنحوتة عليها، فكلما زاد عدد الكلمات، تطلّب ذلك عملاً وجهداً أكبر، وبالتالي يرتفع الأجر. ويتنوع العمل بين نحت شواهد جديدة أو ترميم شواهد قديمة ضمن مدينة دمشق وخارجها أحياناً".

وأردف: "هناك مواطنون يطلبون ترميم شواهد قديمة قائمة على القبور، فنذهب إلى المقبرة ونرمم من جديد، فالعوامل الجوية تؤثر على العبارات المخطوطة والمنحوتة".

434

وحول نوعية الرخام المستخدمة حالياً وتلك الأقل تأثراً بالعوامل الجوية، أشار النحات الحلبي إلى أن هناك عدة أنواع من الرخام المستخدم في نقش شواهد القبور، مضيفاً: "هناك الرخام المصيافي والرحيباني، وهو متوفر في سوريا بسعر أقل من الرخام المرمرة المستورد حديثاً من تركيا، ولم يكن متاحاً ذلك قبل سقوط النظام البائد، وهو أكثر تحمّلاً للظروف الجوية من الرخام الوطني، فالأخير يحتاج إلى إعادة نقش وترميم كل خمس أو ست سنوات تقريباً، بينما صنف الرخام المرمرة يبقى كما هو لنحو 20 سنة، أما الشاهدة المصنوعة من الرخام الإيطالي فقد تتقوّس وتنحني بعد ست سنوات وتصبح بحاجة إلى إصلاح وترميم أو استبدال بسبب تأثير عوامل الطقس".

الحفر بالليزر دقيق لكنه لا يعمّر طويلاً

واختتم الحلبي حديثه لموقع تلفزيون سوريا قائلاً: "هناك من بدأ هذه المهنة بشكل آلي باستخدام ماكينة حفر تستخدم الليزر مع الماء في عملية نقش الشواهد، تماماً كطريقة الطباعة ثلاثية الأبعاد، وهي حالة واحدة فقط بمنطقة السلّيمة في ريف دمشق، وتمتاز بالسرعة والدقة في النقش. لكن طريقة الحفر على الرخام تتم بطريقة الجرف، أما النقش اليدوي فيتم بشكل حاد وغائر في الرخام، وبالتالي تدوم الكتابة والنقش لعمر أطول من النقش الآلي".

ما الغاية من وضع الشاهدة على القبر؟

تساءلنا خلال أحاديثنا مع عدد من المواطنين الدمشقيين عن وجهة نظرهم حول سبب إقدام الناس على وضع شواهد على قبور ذويهم في مقابر مدينة دمشق على وجه الخصوص، وهل ثمة غاية وفائدة، وهل يتعلق الأمر بدفن أكثر من شخص في قبر واحد على مر السنين؟

وفي هذا الصدد، أوضح عمار محمد حسن، وهو من سكان مدينة دمشق، أن هناك عدة فوائد وغايات من وضع شاهدة على قبر الميت في مقابر مدينة دمشق.

وتابع: "يتم شراء القبر عن طريق المحافظة من خلال مكتب دفن الموتى، وبعد إتمام عملية الشراء، يصبح القبر ملكية خاصة، إذ يمكن دفن أكثر من شخص فيه على مراحل، ووفق الشروط واللوائح الناظمة لهذه العملية، والمرتبطة بدرجة القرابة، وكذلك بالمدة الزمنية الكفيلة بفناء جسد الميت السابق حتى يتسنى دفن أحد الورثة في نفس القبر".

وأضاف عمار: "هناك رقم يوضع على الشاهدة كي يسهل تحديد مكانه لاحقاً من قبل مكتب دفن الموتى ليُصار إلى إجراءات حالات الدفن الجديدة، ولا يمكن السماح بفتح القبر إلا بموافقة أحد ورثة المتوفى، وكذلك بإشراف وموافقة مكتب دفن الموتى، وبعد انقضاء المدة الزمنية التي يفنى بها جسد الميت، إضافة إلى الاستعانة والاسترشاد بالتواريخ المنحوتة على الشاهدة لمعرفة عمر القبر ومن هم الأشخاص المدفونون فيه، فضلاً عن قيام الناس بزيارة قبور أقربائهم وذويهم وأصدقائهم وقراءة الآيات القرآنية والعبارات المنحوتة على شواهد قبورهم، والاتعاظ بمصيبة الموت من حين لآخر".