icon
التغطية الحية

من يملك مستقبل الطالب في السويداء.. الطريق أم الشهادة؟

2026.09.01 | 14:07 دمشق

آخر تحديث: 2026.09.01 | 14:12 دمشق

من يملك مستقبل الطالب في السويداء.. الطريق أم الشهادة؟
من يملك مستقبل الطالب في السويداء.. الطريق أم الشهادة؟
 تلفزيون سوريا - خاص
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يواجه آلاف الطلاب في السويداء صعوبة في الوصول إلى مراكز الامتحان بسبب الحواجز والطرق المغلقة، مما يعيق تقدمهم للامتحانات، حيث لم يتمكن سوى 130 طالباً من أصل 13 ألفاً من الوصول في اليوم الأول من الدورة الاستثنائية.

- نقل مراكز الامتحان إلى ريف السويداء الشمالي أضاف تحديات جديدة، مع منع "غرفة عمليات شهبا" نقل الطلاب، مما أدى إلى تأجيل الامتحانات وتأثير نفسي على الطلاب الذين فقدوا الأمل أو بحثوا عن بدائل تعليمية.

- الأزمة الحالية تمتد آثارها إلى المستقبل، مهددة بفجوات تعليمية لجيل كامل، رغم إعلان وزارة التربية عن إجراءات لضمان حق التعليم، إلا أن الحلول لم تكن كافية لمعالجة أوضاع الطلاب.

في السويداء، لم يعد السؤال بالنسبة إلى آلاف طلاب الشهادات متعلقاً بما يعرفونه أو بقدرتهم على اجتياز الامتحان فقط، وإنما بما إذا كانوا سيتمكنون من الوصول إلى المكان الذي يسمح لهم باختبار ذلك أصلاً.

فالدورة الامتحانية الاستثنائية، التي أُقرت لتعويض طلاب حُرموا من التقدم إلى امتحاناتهم في حزيران الماضي، أعادت المشكلة نفسها بعد أقل من ثلاثة أشهر: مراكز جاهزة، وبرامج امتحانية معلنة، في مقابل طرق مغلقة وحواجز تمنع أو تعرقل وصول معظم الطلاب.

وفي اليوم الأول للدورة، في 29 آب، لم يتجاوز عدد من وصلوا إلى المراكز نحو 130 طالباً، أي قرابة 1 في المئة من نحو 13 ألف طالب كان يُفترض أن تستوعبهم الدورة، في حين استمر تعذر وصول طلاب من داخل المحافظة في اليوم التالي.

لكن الرقم يكشف مشكلة تتجاوز نجاح الدورة أو فشلها، فهناك جهة تستطيع، بقوة الأمر الواقع والسلاح والحواجز، التحكم بحركة الطالب ومنعه من الوصول، لكنها لا تملك أن تمنحه شهادة معترفاً بها. وفي الجهة المقابلة، تبقى مؤسسات الدولة صاحبة الاختصاص في إصدار الشهادة التي يحتاج إليها الطالب لاستكمال تعليمه، بينما أظهرت التجربة عجزاً عن ضمان وصول معظم الطلاب إليها.

وبين القدرة على المنع وسلطة الاعتراف الرسمي، بات الطالب هو الطرف الذي يتحمل النتيجة كاملة.

دورة لتعويض حرمان سابق

لم تبدأ أزمة طلاب السويداء مع امتحانات آب، ففي أيار الماضي، قررت وزارة التربية إجراء امتحانات طلاب المحافظة في مراكز بدمشق وريفها، معللة القرار بالأوضاع السائدة في السويداء والحاجة إلى توفير بيئة امتحانية آمنة.

وفي حزيران، تعذر على أعداد كبيرة من الطلاب الوصول إلى المراكز في ريف دمشق وسط إغلاق طرق وعمليات منع وتهديد لوسائل النقل.

وفي 19 آب، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 163، الذي منح طلاب السويداء الذين لم يتقدموا إلى دورة 2026، أو لم يتمكنوا من تقديم جميع موادها، دورة استثنائية جديدة.

هذه المرة نُقلت المراكز إلى ريف السويداء الشمالي بدلاً من دمشق وريفها. وأعلنت المحافظة عشية الامتحانات تجهيز 27 مركزاً، قبل أن يقول مدير العلاقات الإعلامية في محافظة السويداء قتيبة عزام لموقع تلفزيون سوريا، في تحديث لاحق، إن عدد المراكز الجاهزة بلغ 30 مركزاً.

لكن نقل المراكز أقرب إلى الطلاب لم يحل المشكلة الأساسية: من يستطيع الوصول إليها؟

عندما يصبح الطريق أول أسئلة الامتحان

قبل انطلاق الدورة، أعلنت "غرفة عمليات شهبا" في 26 آب عزمها منع نقل الطلاب إلى المراكز الواقعة في الريف الشمالي، وحذرت سائقي وسائل النقل من مخالفة القرار، ملوحةً بحجز الآليات. وفي 28 آب، وثقت منصة "تأكد" إقامة حاجز عند دوار العنقود بهدف منع الطلاب من الخروج باتجاه مراكز الامتحان.

وتصف هيا، وهي طالبة من ريف السويداء، لموقع تلفزيون سوريا، مشهداً أوسع من حاجز واحد.

وتقول إن عمليات المنع شملت عدة طرق ونقاط تجمع، بينها دوار الملعب، حيث كان من المقرر تجمع حافلات لنقل الطلاب، ودوار العنقود، إضافة إلى ساحة شهبا وحاجز أم الزيتون.

وبحسب هيا، تعذر أيضاً خروج طلاب من مناطق مردك وصلخد، ولم تتمكن حافلة كان من المقرر أن تنقل طلاباً من نمرة من التحرك، في حين واجه المراقبون المجتمعون في ساحة شهبا صعوبة في المغادرة.

وتضيف أن سائقي حافلات تلقوا تهديدات بحجز مركباتهم في حال توجههم نحو حاجز أم الزيتون، ما دفع بعض الطلاب إلى التراجع قبل محاولة الوصول، في حين أُعيد آخرون بعد وصولهم إلى الحاجز.

وتقاطعت أجزاء من هذه الشهادة مع تقارير منشورة عن إقامة حواجز على الطرق المؤدية إلى المراكز، واضطرت الجهات المسؤولة في اليوم الأول إلى تأجيل بدء الامتحان حتى الساعة الحادية عشرة صباحاً بسبب تعثر حركة الطلاب.

في المقابل، نفى "الحرس الوطني" في بيان لاحق مسؤوليته عن منع الطلاب، واعتبر عدم توجههم إلى المراكز نتيجة "حراك شعبي" رافض لإجراء الامتحانات في المناطق الخاضعة للحكومة.

لكن هذا النفي جاء بعد بيان "غرفة عمليات شهبا" الصريح بمنع وسائل النقل، وبعد تسجيل وقائع ميدانية عن حواجز اعترضت حركة الطلاب.

ويبدو التباين واضحاً بين بيان "الحرس الوطني" وما جرى ميدانياً، إذ إن "غرفة عمليات شهبا"، التي أعلنت منع وسائل النقل، تُعد تشكيلاً محلياً ضمن مظلته العسكرية، ما يجعل النفي الإعلامي متعارضاً مع الإجراءات التي نُفذت على الأرض، بحسب ما أكدت مصادر محلية لتلفزيون سوريا.

الطريق يستطيع المنع.. لكنه لا يمنح شهادة

هنا تتجاوز القضية خلافاً على موقع مركز امتحاني، فالحاجز يستطيع إعادة الطالب إلى منزله، لكنه لا يستطيع أن يمنحه وثيقة بديلة تتيح له التقدم إلى الجامعة. والشهادة الثانوية المعترف بها ليست مجرد إثبات لإنهاء المرحلة المدرسية، بل تدخل مباشرة في نظام المفاضلات والقبول في الجامعات السورية، حتى إن الشهادات الثانوية الصادرة خارج سوريا لا يمكن استخدامها في المفاضلة من دون معادلتها رسمياً.

وكان عزام قد قال لموقع تلفزيون سوريا، قبل انطلاق الدورة، إنه لا توجد خطة تضمن وصول الطلاب في حال مُنعوا من العبور، رغم اكتمال تجهيز المراكز.

"لميس": المشكلة لن تظهر نتائجها الآن

ولا تقف آثار الأزمة عند خسارة مادة امتحانية أو دورة دراسية، تقول لميس، وهي معلمة في مدرسة بريف السويداء، لموقع تلفزيون سوريا إن تكرار تعطل المسار التعليمي دفع بعض الطلاب إلى فقدان الأمل بمتابعة الدراسة، في حين اتجه آخرون إلى البحث عن دورات مهنية أو خيارات تعليمية أخرى.

وتوضح أن البدائل نفسها ليست متاحة للجميع، إذ تحتاج الدراسة الخاصة أو بعض أشكال التعليم الإلكتروني إلى تكاليف لا تستطيع جميع الأسر تحملها، في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها المحافظة.

وتصف لميس حالات من الخوف والانهيار بين طلاب كانوا يستعدون للدورة الاستثنائية ثم وجدوا أنفسهم عاجزين عن الوصول إليها، مشيرةً إلى أن بعضهم شعر بأن سنة كاملة من الدراسة والتحضير انتهت من دون أن تتاح له فرصة اختبار ما تعلمه.

وترى أن التأثير الأخطر قد لا يظهر في أرقام هذا العام، بل بعد سنوات، عندما تتضح الفجوات التي يتركها الانقطاع المتكرر عن التعليم على جيل كامل من الطلاب.

وبحسب لميس، أُغلقت شعب للصف العاشر في بعض المناطق، ووجد طلاب أنهوا الصف التاسع أنفسهم أمام خيارات محدودة، بينها البقاء خارج المدرسة أو الالتحاق بمعاهد خاصة على نفقة عائلاتهم.

كما انعكست المخاوف الأمنية على موقف بعض الأسر نفسها، إذ تراجعت حماسة أهالٍ لتشجيع أبنائهم على الاستمرار في مسار تعليمي لا يعرفون إن كانوا سيتمكنون من إكماله أو الوصول إلى امتحاناته.

الغياب ليس دائماً قراراً

تضيف أزمة السويداء إشكالية أخرى إلى مفهوم "الغياب" عن الامتحان، ففي الظروف المعتادة، يبدو غياب الطالب عن الامتحان فعلاً فردياً يمكن التعامل معه وفق القواعد المعروفة. لكن ماذا عن طالب استيقظ في موعده، وحجز وسيلة نقل، وحاول الوصول، ثم أُعيد عند حاجز؟.

التعليمات التنفيذية للدورة الاستثنائية تعامل الامتحان وفق القواعد والشروط نفسها المطبقة في الشهادات العامة، لكن الأزمة الحالية تضع أمام النظام التعليمي حالات لا تشبه الغياب التقليدي، لأن بعض الطلاب لم يختاروا التخلف عن الامتحان وإنما تعذر وصولهم إليه بفعل ظروف خارجة عن إرادتهم.

وأعلنت وزارة التربية أنها ستواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حق الطلاب في التعليم والتقدم إلى الامتحانات، وأن "البدائل التعليمية" ستظل متاحة أمامهم، لكنها لم تعلن حتى صباح الثلاثاء 1 أيلول آلية محددة لمعالجة أوضاع الطلاب الذين فاتتهم مواد من الدورة الاستثنائية بسبب تعذر الوصول.

كما أعربت المنسقة المقيمة للأمم المتحدة في سوريا ماريان وارد عن القلق من تقارير منع الطلاب وفرض قيود على حركتهم، ودعت إلى تمكينهم من ممارسة حقهم في التعليم والوصول إلى الامتحانات من دون ضغوط أو عوائق.

من يملك مستقبل الطالب؟

بعد تجربتين امتحانيتين خلال عام واحد، لم يعد السؤال فقط عن الجهة التي أغلقت الطريق أو الجهة التي جهزت المراكز، بل عن الكيفية التي سيُعامل بها آلاف الطلاب الذين لم يخسروا امتحاناً بسبب رسوبهم فيه، وإنما لأنهم لم يستطيعوا الجلوس أمام ورقته.

فمن يسيطر على الطريق يستطيع تعطيل جزء من مستقبل الطالب، لكنه لا يستطيع بناء مستقبل بديل له. ومن يملك الشهادة يملك مفتاح الاعتراف بمساره التعليمي، لكن يبقى هذا المفتاح بلا قيمة إذا ظل الطالب عاجزاً عن الوصول إلى الباب.