من يستهدف الجنود الأتراك في إدلب؟

تاريخ النشر: 08.09.2020 | 18:01 دمشق

آخر تحديث: 24.09.2020 | 13:39 دمشق

أنطاكيا - فراس فحام

سجل شهرا آب الماضي وأيلول الجاري ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الهجمات التي تشنها مجموعات مسلحة مجهولة التبعية على مسار الدوريات التركية – الروسية المشتركة ضمن طريق حلب – اللاذقية (M4).

الهجمات بدأت تتخذ طابعاً مختلفاً منذ الأسبوع الأخير من شهر آب/أغسطس الماضي، حيث باتت تتركز على القواعد العسكرية التركية في شمال غربي سوريا بشكل مباشر، ولم تعد تستهدف الدوريات المشتركة فقط عن طريق عبوات ناسفة أو صواريخ كاتيوشا.

وأعلنت وزارة الدفاع التركية في السابع من أيلول/ سبتمبر الجاري مقتل جندي إثر تعرضه مع مجموعته لإطلاق نار مباشر من مسلحين قرب قرية "معترم" شمال مدينة أريحا الواقعة على طريق (M4).

وفتحت الاستخبارات العسكرية التركية تحقيقاً بهدف تحديد هوية الجهات التي تستهدف الوجود العسكري التركي في شمال سوريا، إلا أنه لا نتائج معلنة حتى اللحظة.

استهداف القواعد والنقاط التركية في محافظة إدلب يمكن قراءته وبحسب المعطيات والأحداث وتركيبة المشهد المعقد وفق سيناريوهات ثلاثة:

 

هجمات انتقامية

انخرط الجيش التركي في محافظة إدلب بهدف تحقيق أهداف متعددة، تتمثل في إنهاء التنظيمات "الراديكالية" بما في ذلك إيجاد الحلول لملف المقاتلين الأجانب وصولاً لسحب ذرائع الهجوم على المحافظة، بالإضافة إلى منع خروقات قوات النظام لمنطقة خفض التصعيد، ويتم تحقيق هذه الأهداف بطرق متعددة منها بشكل مباشر ومنها عن طريق التعامل مع الوكلاء.

أبرز التشكيلات المتضررة من الوجود العسكري التركي في إدلب هو "حراس الدين" التابع لتنظيم القاعدة، والذي تعرض لهجمات من قبل الجهات العسكرية المسيطرة على محافظة إدلب، وإلى جانبه التشكيلات الأخرى التي كانت تتبع لغرفة عمليات "وحرض المؤمنين" المنحلة، ومن بينها فصيل "أنصار التوحيد".

تنظيم "حراس الدين" تحول إلى فلول مفككة بعد الهجمات التي تعرض لها في شهر حزيران/ يونيو، وتحاول هذه الفلول التخفي عن الأنظار والملاحقة خاصة أن من بينها مقاتلين أجانب، ومن غير المستبعد أن تكون تلك الفلول قد حمّلت تركيا المسؤولية عما جرى لها، وبالتالي بدأت تنفيذ عمليات انتقامية ضد الوجود العسكري التركي.

وكانت نقطة عسكرية تركية تقع في "سلة الزهور" غرب إدلب على طريق (M4) قد تعرضت لهجوم في الثامن والعشرين من آب/أغسطس أدى لجرح عدد من المقاتلين الأتراك وفصائل المعارضة السورية.

وبحسب ما أفادت مصادر عسكرية مطلعة لتلفزيون سوريا أن هجوم "سلة الزهور" حمل من حيث طريقته بصمات جهادية، إذ جرى استخدام سيارة ملغمة في ضرب النقطة، سبقها التمهيد الناري لتقدمها عن طريق مجموعة عسكرية قليلة العدد استخدمت الأسلحة الرشاشة والقاذفات المحمولة على الكتف، وهذا محاكاة لتكتيك مكرر من قبل الجهاديين يسمى "هجمات الإثخان".

اقرأ أيضاً: جماعة مجهولة جديدة تتبنى الهجوم على النقطة التركية غربي إدلب

وتعتبر منطقة "محمبل" التي تتبع لها قرية "سلة الزهور" من المعاقل السابقة المهمة لتنظيم "حراس الدين"، ويتمتع هذا التنظيم بنوع من الحاضنة الشعبية في تلك المنطقة.

وينظر من تبقى من المقاتلين الأجانب في شمال غربي سوريا بارتياب إلى الدور التركي، على اعتبار أن أنقرة مرتبطة بتفاهمات مع دول غربية بهذا الخصوص، كما أن كثيرا من القيادات الأجنبية السابقة في صفوف هيئة تحرير الشام أمثال "أبو شعيب المصري" و "أبو اليقظان المصري" تعيش مشاعر النقمة على الدور التركي وتعتبره أنه يهدف إلى "تصفية الجهاد وتسليم المهاجرين" بحسب وصفهم.

 

هيئة تحرير الشام تستثمر في عمليات الابتزاز

نفذت مجموعة مسلحة تستقل سيارة مدنية هجوماً بالأسلحة الرشاشة على تجمع للجنود الأتراك شمال مدينة أريحا بريف إدلب، وذلك في السابع من أيلول/ سبتمبر الجاري، الأمر الذي أدى لمقتل جندي تركي وإصابة آخرين.

وأفاد شهود عيان لموقع تلفزيون سوريا أن السيارة التي كان يستقلها المهاجمون نوعها مشابه للسيارات التي تستخدمها فصائل عديدة بما فيها المجموعات الجهادية وهي من نوع (هونداي سانتافي) تعمل بنظام الدفع الرباعي.

وأكد الشهود أن مواصفات بعض من كانوا يستقلون السيارة التي فتحت النار على الجنود الأتراك لا تشير إلى أنهم عناصر أجنبية، كما أن طريقة فرارهم واستخدام الطرقات الفرعية تدل على خبرتهم ودرايتهم في المنطقة.

تفاصيل الهجوم وعدم وجود رغبة لدى المهاجمين برفع التكاليف البشرية في صفوف الجنود الأتراك والاكتفاء برشقات من البنادق الآلية، يعيدنا بالذاكرة إلى بعض الهجمات المتفرقة التي نفذتها مجموعات تتبع لهيئة تحرير الشام عند بداية نشر نقاط المراقبة التركية في ريف حلب الغربي، قبل أن تتدخل قيادة الهيئة وتضبط تلك العناصر.

وتسعى هيئة تحرير الشام بشكل مستمر إلى توجيه رسائل بأنها الأقدر على ضبط الأوضاع الأمنية في محافظة إدلب، وذلك بهدف الرغبة في فرض نفسها كلاعب أساسي، وقد أشارت وقائع سابقة إلى أنها سهلت خروج خلايا من تنظيم داعش كانوا في سجونها من أجل أهداف محددة، قبل أن تعلن القضاء عليهم ضمن عملية استثمار سياسي هدفها إبراز جانب محاربة التنظيمات "المتطرفة".

ولا تقتصر الرسائل التي توجهها الهيئة على الجانب التركي، بل باتت قيادتها تخاطب صناع القرار الغربيين في عديد المناسبات، وقد تجلى ذلك مؤخراً في إلقاء القبض على الجهادي الفرنسي "عمر أومسين" مطلع شهر أيلول/ سبتمبر الجاري، بالإضافة إلى المقابلة التي أجراها القيادي البارز في الهيئة "عبد الرحيم عطون" مع صحيفة سويسرية ناطقة بالفرنسية، وأكد فيها أنهم مختلفون عن تنظيم داعش.

 

عمل استخباراتي وحرب روسية خفية

لا يمكن استبعاد العمل الاستخباراتي في قضية الهجمات التي تتعرض لها المواقع التركية، على اعتبار أن روسيا والنظام معنيون في إقلاق الراحة التركية في محافظة إدلب.

وتدفع روسيا بشكل دائم باتجاه الاشتراك مع تركيا في عملية ضبط الأمن والعمل المشترك على "محاربة الإرهاب" في إدلب، ومن غير المستبعد أن تسعى الاستخبارات الروسية بالتعاون مع وكلاء محليين لتدبير مثل هذه الهجمات بهدف إقناع تركيا بضرورة التنسيق والتعاون الاستخباراتي والعسكري بمحافظة إدلب.

وأعلن رئيس قاعدة حميميم الروسية في سوريا اللواء "ألكسندر غرينفيتش" في الحادي والثلاثين من آب/ أغسطس إجراء تدريبات مشتركة مع القوات التركية على عملية استهداف "المجموعات التخريبية التابعة للعصابات المسلحة"، وذلك بهدف ضمان أمن الدوريات المشتركة داخل محافظة إدلب.

لا شك أن الواقع الأمني المعقد في إدلب ونشاط جهات متعددة في هذا الملف يترك الباب مفتوحاً أمام كافة الاحتمالات حول الجهات التي تنفذ تلك الهجمات، وسيلقي المزيد من الضغوط على الجانب التركي من أجل تحسين الواقع الأمني وضمان عدم التشويش على تحركات أنقرة شمال غربي سوريا.