icon
التغطية الحية

من ورش التصنيع إلى واجهات الصاغة.. ما أسباب ارتفاع تكاليف صياغة الذهب في سوريا؟

2026.08.07 | 12:59 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.09 | 12:18 دمشق

من ورش التصنيع إلى واجهات الصاغة.. ما أسباب ارتفاع تكاليف صياغة الذهب في سوريا؟ - غيتي
من ورش التصنيع إلى واجهات الصاغة.. ما أسباب ارتفاع تكاليف صياغة الذهب في سوريا؟
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تواجه مريم تحديات في شراء الذهب من سوريا بسبب ارتفاع أجور الصياغة، مما يقلل الفارق بين الذهب الجديد والمستعمل. تدعو مريم إلى وضع ضوابط لأجور الصياغة لتحقيق توازن بين حقوق الحرفيين وقدرة المشترين، خاصة في ظل استخدام الذهب كوسيلة لحفظ المدخرات.

- تتأثر أسعار الذهب في سوريا بعوامل مثل أجور الصياغة وسعر صرف الليرة، رغم تراجع الأسعار العالمية. العوامل المؤثرة تشمل التوترات الجيوسياسية، ومشتريات البنوك المركزية، وتوقعات أسعار الفائدة الأميركية.

- يواجه سوق الذهب السوري تحديات بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والتضخم، رغم الجهود التنظيمية لتعزيز الرقابة ومنع تداول الذهب المهرب. تركز الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة على ضمان مطابقة العيارات للمواصفات القياسية، مع قيود على تصدير المشغولات الذهبية.

كانت مريم تعتقد أن انخفاض أسعار الذهب هو الفرصة التي انتظرتها لشراء مصاغ خطوبتها، ولأنها تقيم في تركيا، قررت شراءه من سوريا، على أساس أن أجور الصياغة ستكون أقل.

لكن جولتها بين محال الذهب انتهت بمفاجأة لم تكن في الحسبان، إذ تصل أجور الصياغة في بعض الأطقم إلى نحو 10 في المئة من قيمتها، في حين بدت الأسعار متقاربة بين معظم المحال التي تواصلت معها.

وتقول مريم لموقع تلفزيون سوريا إنها حاولت البحث عن بدائل أقل كلفة، فسألت عن أطقم مستعملة كانت تُعد في السابق خياراً لتوفير أجور الصياغة، لكنها وجدت أن الفارق لم يعد كبيراً.

وتوضح الشابة أنها لا تعترض على تقاضي الصاغة أجوراً مقابل التصنيع والعمل، لكنها ترى أن قيمتها الحالية لا تتناسب مع وزن القطعة، ولا سيما أن هذا المبلغ لا يُسترد عند بيع الذهب لاحقاً، ما يجعله خسارة إضافية يتحملها المشتري.

وتدعو مريم إلى وضع ضوابط أو سقف لأجور الصياغة، بما يحقق توازناً بين حقوق الحرفيين وقدرة المشترين، في ظل لجوء كثير من السوريين إلى الذهب، ليس بوصفه زينة فحسب، وإنما وسيلة للحفاظ على قيمة مدخراتهم.

العوامل المؤثرة في السعر

رغم أن أسعار الذهب العالمية شهدت تراجعاً نسبياً بعد موجة الارتفاع القياسية التي بدأت خلال عام 2024 وبلغت ذروتها في 2025، فإن ذلك لم ينعكس بالضرورة على كلفة شراء المصاغ في سوريا.

وبالنسبة إلى المشترين، لم يعد ثمن الذهب وحده ما يحدد قيمة الفاتورة، إذ باتت أجور الصياغة تشكل جزءاً متزايداً من الكلفة، وهو ما يثير شكاوى عدد منهم.

وكان الذهب قد سجل مستويات تاريخية، مدفوعاً بمجموعة من العوامل، أبرزها تصاعد التوترات الجيوسياسية، وإقبال المستثمرين عليه باعتباره ملاذاً آمناً، إلى جانب زيادة مشتريات البنوك المركزية من المعدن الأصفر، وتراجع قيمة الدولار في بعض الفترات، فضلاً عن توقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية.

وفي عام 2026، شهدت الأسعار العالمية تصحيحاً بعد تلك الارتفاعات، متأثرة بتوقعات الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وتراجع الطلب الاستثماري، وعمليات جني الأرباح، إضافة إلى تحسن الإقبال على أصول استثمارية أخرى.

إلا أن هذا التراجع لم يدم طويلاً، إذ عادت الأسعار إلى الارتفاع مجدداً، مع ضعف الدولار وانخفاض عوائد السندات الأميركية، واستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتطورات الاقتصادية والجيوسياسية.

أما في السوق السورية، فلا يتحدد سعر الذهب وفق السعر العالمي وحده، بل يتأثر أيضاً بسعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، وآلية التسعير، وحجم العرض والطلب في السوق المحلية، فضلاً عن أجور الصياغة التي أصبحت تمثل عنصراً مؤثراً في الكلفة النهائية للمصاغ، حتى مع انخفاض سعر الذهب عالمياً.

وللوقوف على واقع سوق الذهب في سوريا، استطلع موقع تلفزيون سوريا آراء عدد من الصاغة العاملين في محافظات مختلفة، للحديث عن آلية تحديد أجور الصياغة، وحركة البيع والشراء، والتغيرات التي يشهدها السوق خلال الفترة الأخيرة.

أجور الصياغة.. كيف تُحدد؟

توضح إدارة "مجوهرات حنيفة"، التي تمتلك فروعاً في سوريا وتركيا، أن أجور الصياغة لا يحددها الصائغ الذي يبيع القطعة، وإنما الورش التي تتولى تصنيعها، إذ تختلف كلفة الإنتاج باختلاف نوع القطعة والوقت والجهد والمواد المستخدمة في صناعتها.

وتشير إلى أن القطع البسيطة، مثل السلاسل أو الأساور ذات التصاميم التقليدية، يمكن إنتاجها بكميات كبيرة خلال يوم عمل واحد، ما ينعكس على انخفاض أجور صياغتها.

في المقابل، تحتاج القطع ذات التصاميم المعقدة إلى مراحل تصنيع متعددة تشمل الصهر والسبك والسحب والنقش والتشطيب، إضافة إلى استخدام معدات متخصصة، مثل أجهزة الليزر والروديوم، ومواد مساعدة مرتفعة الكلفة، من بينها البورق، المعروف بين الصاغة باسم "البروجي"، وهو ما يرفع الكلفة النهائية للتصنيع.

وتضيف أن هذا النوع من المصوغات يحتاج أيضاً إلى قوالب خاصة ووقت أطول في الإنتاج، فضلاً عن عمليات إضافية مثل الحف والبرد والصقل والتلميع، وهي مراحل ينتج عنها فاقد في وزن الذهب، الأمر الذي يزيد كلفة تصنيع القطعة مقارنة بالمصوغات البسيطة.

وترى الإدارة أن ارتفاع أجور الصياغة خلال السنوات الأخيرة يعود إلى مجموعة من العوامل، من بينها ارتفاع أسعار المعدات والآلات والطاقة والمحروقات والمواد المستخدمة في التصنيع، إضافة إلى الضرائب والرسوم المفروضة على القطاع، فضلاً عن تأثير التضخم.

وتتفق إدارة "مجوهرات الرماح" في مدينة الدانا شمال غربي سوريا مع هذا الطرح، إذ تؤكد أن أجور الصياغة تحددها الورش وفق طبيعة كل قطعة وطريقة تصنيعها، مشيرة إلى أن أجور بعض المصوغات تُحدد وفق الوزن، في حين تُسعّر قطع أخرى بأجر ثابت، تبعاً لمدى تعقيد تصميمها.

وتعزو الإدارة ارتفاع أجور الصياغة إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة أجور اليد العاملة، وفاقد الذهب الناتج خلال مراحل التصنيع، إضافة إلى أن الموديلات الحديثة تتطلب وقتاً وجهداً وتقنيات تصنيع أكبر مقارنة بالتصاميم التقليدية، ما يرفع كلفتها.

في المقابل، تؤكد الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة في سوريا أن دورها يقتصر على الرقابة والتنظيم، ولا يمتد إلى تحديد أجور الصياغة بشكل مباشر.

وأوضحت الهيئة، في تصريح خاص لموقع تلفزيون سوريا، أنها شددت في تعاميمها الأخيرة على إلزام الصاغة بإدراج أجور الصياغة بشكل واضح في الفاتورة، إلى جانب مواصفات القطعة، بما يضمن شفافية عملية البيع أمام المستهلك.

وترى الهيئة أن أجور الصياغة ترتبط بتكاليف التصنيع المحلي، بما في ذلك أجور الحرفيين وتكاليف الطاقة والمواد المستخدمة في التصنيع، ولا تخضع لتسعيرة موحدة تحددها الجهات الرسمية.

الذهب التركي.. حضور متزايد في السوق السورية

لم يكن ارتفاع أجور الصياغة التحول الوحيد الذي رصدته الجولة الميدانية، إذ تكرر عرض مصوغات ذهبية تركية من عيار 22 على محال الصاغة، بالتزامن مع عودة عدد من السوريين من تركيا.

وأظهر ذلك تبايناً في آلية تعامل الصاغة مع هذا النوع من الذهب، في وقت يعتمد فيه السوق السوري أساساً على الذهب من عيار 21.

وأوضح بعض الصاغة أنهم يشترون "الذهب التركي" بعد فحصه والتأكد من عياره، في حين قال آخرون إنهم يرفضون شراء بعض القطع أو يشترطون فحصها أولاً، مشيرين إلى ورود حالات لقطع غير مطابقة للعيار المعلن.

وتؤكد إدارة "مجوهرات حنيفة" أن الذهب من عيار 22 المتداول في تركيا يتمتع، في الغالب، بسمعة جيدة من حيث دقة العيار، بفضل نظام رقابي تشرف عليه نقابات الصاغة.

وتحمل كل قطعة علامة المصنع أو الورشة التي أنتجتها، بما يسمح بتتبع مصدرها، وفي حال اكتشاف أي مخالفة في العيار، تُبلغ النقابة الصاغة بذلك، ما يؤدي إلى فقدان الورشة المخالفة ثقة السوق.

وتلفت الإدارة إلى أن الذهب التركي المعتمد في السوق التركية يحظى بقبول واسع من حيث الجودة، إلا أن بعض المحال السورية المتعاقدة مع ورش تركية قد تنتج مصوغات بمواصفات متفاوتة، وهو ما يدفع الصاغة إلى فحص القطع قبل شرائها أو إعادة بيعها، بغض النظر عن مصدرها.

وتضيف أن بعض الصاغة يستغلون عدم معرفة عدد من الزبائن القادمين من تركيا بآلية التسعير في السوق السورية، فيحاولون شراء مصوغاتهم بأقل من قيمتها الحقيقية، بحجة وجود شكوك بشأن العيار أو الحاجة إلى إعادة فحصه.

من جهتها، ترى إدارة "مجوهرات الرماح" أن الذهب من عيار 22 المتداول في تركيا يتمتع بجودة عالية ونقاء جيد، كما يتميز بقوة ومتانة في التصنيع، مشيرة إلى أن أجور الصياغة في تركيا قد تكون أقل بفارق محدود، نتيجة استخدام معدات وماكينات أكثر تطوراً في ورش التصنيع.

أما الهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، فتوضح أن التعامل في السوق السورية يعتمد أساساً على الذهب من عيار 21، في حين يظل الذهب من عيار 22 محدود التداول.

وأكدت الهيئة أن أي قطعة ذهبية تدخل إلى سوريا، سواء كانت قادمة من تركيا أو من أي دولة أخرى، تخضع للفحص والمعايرة، وفي حال ثبتت مطابقتها للعيار النظامي، يجري التعامل معها وشراؤها وفق قيمتها.

الرقابة.. تحديات وتنظيم

تشير إدارة "مجوهرات حنيفة" إلى أن سوق الذهب في سوريا شهد خلال الفترة الماضية خطوات تنظيمية جديدة، من بينها تعزيز دور هيئة المعادن ونقابة الصاغة في مراقبة العيارات وضبط المخالفات.

وترى الإدارة أن هذه الإجراءات أسهمت في تحسين الرقابة مقارنة بفترات سابقة، مع استمرار تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج والتضخم وتوافر اليد العاملة.

من جهتها، تشير إدارة "مجوهرات الرماح" إلى أن من أبرز التحديات التي تواجه قطاع الذهب في سوريا استمرار القيود المفروضة على تصدير المشغولات الذهبية إلى الأسواق الخارجية، وهو ما يحد من فرص توسع القطاع ووصول المنتجات السورية إلى الأسواق العالمية.

وتؤكد الهيئة أنها تكثف الرقابة على الأسواق من خلال جولات دورية تنفذها الضابطة المختصة، وتشمل سحب عينات من المصوغات وفحص عياراتها، للتأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية السورية.

وأضافت أن من أولوياتها أيضاً منع تداول الذهب المهرب أو غير الموسوم بالدمغة السورية الرسمية، إلى جانب منع عمليات بيع المصوغات الذهبية وشرائها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقصر تداولها على المحال المرخصة والخاضعة للرقابة.

وبينما يترقب المشترون انخفاضاً في كلفة اقتناء الذهب مع تراجع أسعاره عالمياً، تبدو فاتورة الشراء في السوق السورية محكومة بعوامل تتجاوز سعر المعدن نفسه، بدءاً من تكاليف التصنيع وأجور الصياغة، وصولاً إلى آليات الرقابة والتنظيم.