مع استعادة الجمهور لذكرى أيام التحرير، وتتالي صور تقدّم قوات ردع العدوان صوب المناطق السورية، تحضر في تعليقات العموم على الخيار الذي غيّر وجه سوريا أقوال تشير إلى أن الحل العسكري للأزمة السورية، وبعد أن استبعده العالم كله في مختلف المؤتمرات وجلسات التفاوض، أثبت أنه السبيل الوحيد لإزالة الطغمة المجرمة التي حكمت البلاد بالحديد والنار. وبناءً على نجاعة المسار الذي سُطّر في يوم السابع من كانون الأول لعام 2024، يقول المتحمسون إن الحل الوحيد الناجع لاستعادة وحدة البلاد لا بد أن يكون عسكريًا أيضًا!
ومع ورود الفكرة أمام المحللين، لا بد أن تبرز التجارب التاريخية التي يمكن مقاربتها من أجل التفكير بسلامة هذا الخيار في الوقت الراهن، وفي مقدمتها تجربة توحيد ألمانيا التي قادها المستشار "الحديدي" أوتو فون بسمارك.
في سوريا ما بعد السقوط، وبغضّ النظر عن التقييم الميداني لقدرة المركز على فرض إرادته عبر المواجهة العسكرية، فإنه هو نفسه لا يريد فرض تسوية بالقوة.
من الصعب اليوم، في لحظة ما بعد السقوط، التفكير بسوريا ككيان يمكن إعادة تجميعه بمنطق يشبه ما حدث في القرن التاسع عشر. في ذلك الزمن كان يُسمح لقوة مركزية، متماسكة ومتصاعدة، أن تشنّ حروبًا مدروسة ضد جيرانها، وتصوغ بعدها ترتيبًا سياسيًا جديدًا يفرض وحدة الإمبراطورية الألمانية الحديثة. كان السياق الدولي يقتضي أن يكون "الحديد والدم" أدوات تأسيس، وأن تكون الحروب جزءًا طبيعيًا من بناء الدول الكبرى.
أما في سوريا، فإن مثل هذا الخيار ليس متاحًا، لا من الناحية الواقعية، ولا من الناحية الأخلاقية، ولا حتى من ناحية ما يسمح به الميدان، وما تقبله المجتمعات المتضررة، وما تتيحه شبكات النفوذ الممتدة في الداخل والخارج.
لقد خرجت سوريا من زمن النظام البائد لا كجغرافيا متماسكة تنتظر إعادة اللّمّ، بل كمساحة اجتماعية وسياسية متشظية على مستويات متعددة: مناطق، قوى محلية، سلطات أمر واقع، حضور إقليمي كثيف، ذاكرات جريحة، ونُظُم معيشية متباينة. حين ننظر إلى المشهد كما هو، ندرك أن أدوات بسمارك لا تصلح للقرن الحادي والعشرين؛ وأن الاتكاء على خيار القوة ليس مجرد استدعاء لحلّ قديم، بل هو تجاهل لعمق الانقسام وتعقيده.
فلا وجود أولًا لمركز قادر يعادل ما انطلق منه المشروع البسماركي، والمقصود هنا هو الدولة البروسية التي امتلكت جيشًا منضبطًا، وإدارة فعّالة، وقاعدة اجتماعية واضحة، وتفوّقًا اقتصاديًا مقارنة ببقية الدويلات الألمانية.
أما في سوريا ما بعد السقوط، وبغضّ النظر عن التقييم الميداني لقدرة المركز على فرض إرادته عبر المواجهة العسكرية، فإنه هو نفسه لا يريد فرض تسوية بالقوة.
كما أن القوى الأخرى الموجودة على الأرض—سواء كانت محلية، أو مناطقية، أو سياسية—لا تملك الشرعية ولا القوة الكافية ولا القبول الوطني الواسع. والأهم أنها ليست مراكز صلبة بقدر ما هي سلطات هشّة، مرتبطة بشروط نشأتها، ومقيّدة بتوازنات الأمن والاقتصاد والدعم الخارجي.
هذا الوضع لا يقود صانع القرار إلى التماس إمساك بزمام الأمور عبر الصيغ التي عرفتها البلاد في الخمسينيات والستينيات، أو تلك التي فرضها النظام لاحقًا بقوة الأجهزة، بل يدفعه نحو قراءة وقائع ولادة زمن سياسي جديد تحتاج فيه البلاد إلى تضافر القوى في الداخل نحو هدف استعادة عافيتها، وإلى تحييد اللاعبين الإقليميين والدوليين المتعددين. ففي زمن بسمارك كان هناك لاعب خارجي أساسي واحد يجب تحييده أو هزيمته، وهو فرنسا. أما اليوم فإن أحد أهم أسباب استبعاد الخيار العنفي هو كثرة القوى الإقليمية المنخرطة في الشأن السوري، حيث ثمة شبكة من الدول المؤثرة، لكل منها ارتباطاتها وتحالفاتها ورهاناتها داخل الجغرافيا السورية.
توحيد البلاد بالقوة في بيئة كهذه يعني إشعال سلسلة من النزاعات المتداخلة، لا حسمها. بل سيحوّل أي مشروع مركزي إلى ساحة صدام إقليمي مفتوح، يعرقل التوحيد بدل أن ينجزه.
إن سوريا تحتاج إلى مقاربة تشبه هذه النماذج التي تجمع بين الاعتراف بالتنوّع، والبحث عن مساحات مشتركة، وبناء مؤسسات تسمح بالحياة المشتركة بعيدًا عن الهيمنة.
وبالإضافة إلى ذلك، يجب النظر إلى التحولات الاجتماعية التي شهدها السوريون، وبروز الوعي المحلي كأداة فاعلة. فسوريا التي نراها اليوم ليست تلك التي عرفها الناس قبل عقود؛ إذ نشأت بفعل المقاومة المدنية، وبفعل الصراع السياسي، وبفعل التجارب المحلية في الإدارة والخدمات، مجتمعات تمتلك إحساسًا عميقًا بحقها في إدارة ذاتها، وفي الدفاع عن مصالحها المباشرة، وفي المطالبة بصوتها الخاص في أي صياغة وطنية. هذا الوعي الجديد لا يمكن سحقه أو تجاوزه، لأن المجتمعات نفسها لم تعد تقبل الصيغ القديمة، ولا بنى الإخضاع التي راكمها النظام. إن محاولة إعادة فرض سلطة مركزية حديدية ستنتج رفضًا شاملًا، وربما دورات جديدة من العنف.
ويبقى في نهاية تحليل أسباب استحالة التوجّه نحو خيارات القوة أن الكلفة الأخلاقية والسياسية لتجديد الحرب ستكون فادحة، بعد أن انكشفت هشاشة النسيج الاجتماعي السوري بما يكفي، وفُتحت الجروح الداخلية إلى درجة تجعل أي صدام جديد خطرًا على ما تبقى من الروابط.
إن التوحيد بالقوة لا يؤدي إلى وحدة وطنية، بل إلى غلبة وقتية، ثم إلى انفجار مؤجّل. وقد أثبتت التجارب العالمية أن القوة لا تصنع دولة، وأن الدولة التي تُبنى بالعنف تظل محكومة بالعنف.
ويبقى السؤال الملح حاضرًا: إذا كان الخيار البسماركي غير ممكن، فما هو المتاح؟
يبقى ما نجحت به تجارب أخرى في أوروبا والعالم: الحوار، والتفاوض، وصياغة عقد اجتماعي جديد يأخذ الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
في التجربة البريطانية، لم تُبنَ المملكة المتحدة عبر حرب ساحقة، بل عبر اتحاد تدريجي حافظ على خصوصيات الممالك. وفي التجربة الإيطالية، لم يكن السيف وحده أداة الوحدة، بل السياسة والصفقات والبحث عن نقطة توازن بين الشمال والجنوب.
إن سوريا تحتاج إلى مقاربة تشبه هذه النماذج التي تجمع بين الاعتراف بالتنوّع، والبحث عن مساحات مشتركة، وبناء مؤسسات تسمح بالحياة المشتركة بعيدًا عن الهيمنة.
استعادة سوريا لوحدتها ليست حدثًا عسكريًا ولا سياسيًا لحظيًا، بل هي مشروع طويل يعترف بأن البلاد خرجت من الاستبداد إلى واقع جديد لا يسمح بعودة النموذج القديم.
لقد انتهى زمن "منطق بسمارك"، ولم يعد ممكنًا، لا من ناحية القوة، ولا من ناحية المجتمع، ولا من ناحية العالم. وما تبقّى أمام السوريين هو الطريق الأصعب والأطول، لكنه الأكثر واقعية وأقل كلفة: "الحوار" بوصفه أداة تأسيس، لا خيارًا اضطراريًا.
حوار يضمن وحدة البلاد من خلال المصالحة بين مكوناتها، لا عبر إخضاع أحدها للآخر. وحوار يبني وطنًا قابلًا للحياة، لا مجرد دولة قابلة للسيطرة.
التعيينات الثقافية في المرحلة الانتقالية.. سؤال الكفاءة أم سؤال الدولة؟
السويداء: أزمة الثقة وهم الاستقلال ومأزق الدولة المؤجّل
التسامح بعد سقوط الدكتاتورية.. بين العدالة وإعادة تدوير الجريمة
حين تحكمنا الكاميرا.. الدولة بوصفها مشهداً وهوية بصرية
من "منطق بسمارك" إلى "منطق الحوار".. حدود القوة وإمكانات التفاهم في توحيد سوريا