في ظل حكم نظام الأسد، اضطر آلاف السوريين للنزوح إلى الخارج هرباً من القمع والحرب والظروف المعيشية الصعبة. وبعد سنوات طويلة من التهجير في لبنان، بدأت مجموعات من المهجرين بالعودة من رحلات "العودة الطوعية"، بمساعدة مفوضية اللاجئين السوريين إلى مدنهم الأصلية في سوريا، حاملين معهم ذكريات الغربة وآمال إعادة بناء حياتهم من جديد.
قال المتطوع لدى الأصول الخارجية في جمعية رعاية الطفل خالد النهابي، إنهم استقبلوا المهجرين عند معبر العريضة وعددهم 45 عائلة بإجمالي 247 شخصًا، بالتعاون مع مكتب المفوضية في حمص، مشيرًا لموقع تلفزيون سوريا إلى أن النقل من لبنان إلى سوريا مجاني، وأن آخر نقطة لتوصيل العائدين إلى حمص وحماة هي كراج بولمان الشمالي.
تحديات العودة وتأمين المسكن
من بين هؤلاء، أبو محمود الذي التقى ابنه لأول مرة بعد 12 عامًا من التهجير في لبنان، وكان التواصل بينهما مقتصرًا على الإنترنت طوال هذه السنوات. وصف شعوره لموقع تلفزيون سوريا عند اللقاء بأنه شعور "لا يوصف"، مشيرًا إلى الفرق الكبير بين العيش في بلد حر والعودة إلى "حضن النظام المجرم". كان ابنه يقيم في طرابلس ضمن مأوى مؤجر، وهو اليوم يعود إلى منزل أهله في جورة الشياح.
دارين، أم لسبعة أبناء تحدثت عن رحلتهم من طرابلس منذ الساعة التاسعة صباحا ووقوفهم على الحدود إلى حين تسجيل أبنهائها واستكمال الأوراق الرسمية، مؤكدة أنهم في طريقهم إلى منزلها في بابا عمرو.
قالت دارين لموقع تلفزيون سوريا إن منزلها مدمر، وستستأجر منزلاً مؤقتًا حتى تتمكن من ترميم بيتها، معبرة عن شعورها بالفرح الكبير بعد 14 عاما من الغربة، حيث يزور أبناؤها سوريا لأول مرة.
إيهاب عاد مع عائلته وقال: "كفانا تعبًا وغربة، سنعود إلى منازلنا". وأضاف أنه كان يعمل في محل معجنات وشركة تنظيفات نهارًا وليلاً لتأمين لقمة العيش في طرابلس، وقد تواصل مع المفوضية عدة مرات حتى استطاع تأمين الحجز للعودة.
وأوضح إيهاب أنه سيزور أقاربه الذين سبقوه بالعودة إلى حمص، حتى يتمكن من تأمين مسكن له ولأسرته، وروى رحلة نزوحه حيث كان موظفا في المنشآت العسكرية قبل أن يضطر إلى الفرار عند طلبه للالتحاق بالفرع خوفا من بطش النظام المخلوع.
من بين العائدين أيضا، محمد إبراهيم من منطقة باب تدمر، والذي غادر سوريا طفلا في سن الثانية، ويبلغ اليوم 15 عاما. عبّر محمد عن سعادته بالعودة وعن حزنه لمفارقة أصدقائه في لبنان، كما يقول.
أم صالح من تلبيسة، غادرت منذ عام 2013 إلى لبنان، ولم يعد أبناؤها بعد بسبب عدم توفر مسكن لهم، وقد شاهدت صور منزلها المدمر وعادت اليوم آملة في ترميمه.
تقول أم صالح لموقع تلفزيون سوريا إنها رفضت عروضا سابقة للجوء إلى دول أوروبية، متمسكة بأمل العودة إلى وطنها، مشيرة إلى أن وضع البيوت حتى الآن غير معلوم بدقة.
أما حسناء فقالت إنها خرجت مع أبنائها صغارا من باب دريب بعد الحصار، وإن السنوات الأخيرة كانت صعبة بسبب الظروف المعيشية القاسية من مدارس وأمراض وغربة وإيجارات وحالة نفسية صعبة. وأضافت أنها تشعر بالحنين لشوارع حمص وحاراتها، متطلعة لاكتشاف حالة منزلها الذي ما زالت لا تعرف وضعه بعد.
أكثر من 70% من السوريين بحاجة إلى مساعدات إنسانية
لكن عودة هؤلاء اللاجئين لا تعني انتهاء المعاناة، بل تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا، في ظل تردي الأوضاع المعيشية وغياب البنية التحتية والخدمات.
في هذا السياق، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا أن أكثر من مليون لاجئ و1.9 مليون نازح عادوا إلى ديارهم منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، بينما لا يزال أكثر من 70% من السوريين بحاجة إلى مساعدات إنسانية، ما يجعل سوريا واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
ورغم انخفاض التمويل، تؤكد الأمم المتحدة أنها تبذل جهودًا متواصلة لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، خاصة للعائدين، الذين يواجهون تحديات يومية في السكن والطبابة والتعليم وحتى الغذاء.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السوريون إلى الدعم للبقاء على قيد الحياة، وإعادة بناء حياتهم بعد سنوات طويلة من الحرب والنزوح.

