"خسرتُ سنوات من عمري بسبب العسكرية"، بهذه العبارة يستذكر خليل درباس بحسرة سنوات دراسته في كلية الإعلام بجامعة دمشق، التي تعمّد إطالتها إلى ثماني سنوات بدلاً من أربع، على أمل الحصول على تأجيل من الخدمة العسكرية، تماماً كما فعل كثير من الطلاب الذين اختاروا تأخير تخرجهم هرباً من الالتحاق بجيش النظام المخلوع.
لطالما شكّلت الخدمة العسكرية في سوريا كابوساً ثقيلاً يلاحق الشباب، إذ كان واضحاً أن الالتحاق بجيش نظام الأسد يعني خيارين لا ثالث لهما: إمّا الموت أو الإصابة بعاهة دائمة على الجبهات، أو إهدار ما يقارب عشر سنوات من العمر في الخدمة، بسبب سياسة النظام التي أبقت الجنود والضباط في الخدمة القسرية ومنعت تسريحهم.
ومع سقوط نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، أعلنت القيادة الجديدة حل الجيش والمؤسسات الأمنية، وإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية، إلى جانب تفكيك جميع الفصائل العسكرية، والأطر “الثورية”، والسياسية، والمدنية، ودمجها ضمن مؤسسات الدولة.
"الدورة 102": عمر مفقود
في أيار 2018، أصدر النظام المخلوع أمراً إدارياً يقضي بتسريح "الدورة 102"، وهي الأقدم بين دورات الجيش، وشمل القرار كل من المجندين الإلزاميين والاحتياطيين.
كانت "الدورة 102" قد استُدعيت إلى الخدمة الإلزامية في أيار 2010، واحتُفظ بجميع أفرادها قسراً لثماني سنوات كاملة، لتصبح في منتصف عام 2018 أول دفعة يتم تسريحها منذ اندلاع الثورة السورية.
مختار قجي كان واحداً من هؤلاء الشبان، التحق بالجيش عام 2010 بعد أن أنهى دراسته في كلية التربية بجامعة حلب. حينها، بادر أهله إلى خطبته، على أمل أن يتم زواجه فور إنهاء خدمته العسكرية، التي كان من المفترض ألا تتجاوز سنة ونصف.
لم يكن يدري أن تلك الخدمة ستمتد لثماني سنوات من العذاب والمعاناة. خدم مختار في دير الزور، وهناك عاش حصاراً قاسياً فرضه تنظيم "داعش" داخل مطار المدينة، حيث قضى مع زملائه أياماً بلا طعام ولا ماء، بعدما تخلى عنهم النظام، مكتفياً بإلقاء فتات المؤن عبر الطائرات المروحية كل بضعة أيام.
حاول مختار مراراً الهروب من جيش نظام الأسد، لكن تشديد المراقبة ومنعه حتى من الحصول على إجازة، خاصة كونه ينحدر من مدينة إدلب، جعلا محاولاته تنتهي بالفشل.
يروي مختار قجي لموقع "تلفزيون سوريا" أن خطيبته فسخت الخطبة بعد ثلاث سنوات من التحاقه بالخدمة، بعدما فقدت الأمل في أن يعود، في ظل تصاعد المعارك عام 2013 واستنفار النظام لكامل قواته ومنع الإجازات.
وفي منتصف 2018، حين صدر قرار تسريح "الدورة 102"، لم يشعر مختار بأي فرح. علّق بمرارة "أي حياة سأعيشها بعدما بُترت قدمي. خسرت خطيبتي، وثماني سنوات من عمري، وفوق كل ذلك.. فقدت قدمي".
خدمة مؤجلة وحياة بالانتظار
خلال سنوات الثورة السورية، كانت كثير من العائلات ترفض تزويج بناتها لأي شاب مُؤجل للخدمة العسكرية أو ملتحق بها، إدراكاً منها أن مصير معظم هؤلاء الشبان إما القتل على جبهات المعارك، أو الإصابة بعاهات دائمة، أو قضاء سنوات طويلة في صفوف جيش نظام الأسد، بعيداً عن الزوجة والأبناء.
ومع تحسن الأوضاع الأمنية وإلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية عقب سقوط النظام المخلوع، تبدّلت أولويات الشباب من الهجرة والبحث عن ملاذ آمن، إلى العمل داخل البلاد، والزواج، وبناء حياة أسرية مستقرة.
في السابق، كانت الخدمة العسكرية عائقاً أساسياً أمام إتمام عقود الزواج؛ إذ كان أي شاب في سن الخدمة مطالباً بالحصول على وثيقة من شعبة التجنيد لتثبيت زواجه. أما من انتهت تأجيلته، فكان يعجز عن استخراج هذه الورقة خوفاً من الملاحقة الأمنية.
ولم يكن الوضع أسهل بالنسبة للعسكريين الملتحقين بالخدمة، حيث كانوا مجبرين على استصدار "رخصة زواج" من قياداتهم العسكرية كوثيقة أساسية لتثبيت العقد رسمياً.
وفي شباط 2019، أصدر رئيس النظام المخلوع مرسوماً عدّل بموجبه بعض مواد قانون الأحوال الشخصية، حيث نصت المادة 40 منه على أن العسكريين الملتحقين بالخدمة الإلزامية يمكنهم تثبيت زواجهم دون الحاجة إلى موافقة شعبة التجنيد، بينما بقي العسكريون المتطوعون مطالبين بالحصول على رخصة زواج من قياداتهم.
معتز البزرة، شاب من سكان منطقة اللوان في كفرسوسة بدمشق، بلغ الثلاثين من عمره دون أن يتمكن من الزواج، إذ كان يتعمد إطالة سنوات دراسته للحصول على تأجيل من الخدمة العسكرية، وبعد تخرجه من الجامعة في سن الخامسة والعشرين، بدأ يفكر بالزواج، لكن كل عائلة كان يتقدم لخطبة ابنتها ترفض طلبه فور علمها بأنه لم يؤدِ خدمته العسكرية بعد.
اضطر معتز للتسجيل في برنامج ماجستير إدارة الأعمال بغرض تأجيل الخدمة، وبقي في الدراسات العليا أربع سنوات كاملة، وكان يخطط لاحقاً للتسجيل في مرحلة الدكتوراه، إلا أن معدله لم يؤهله للقبول، ليجد نفسه مهدداً بالالتحاق بالجيش بعدما استنفد جميع فرص التأجيل.
أمام هذا الواقع، بدأ معتز يخطط للهروب خارج سوريا، بهدف تأمين فرصة عمل والزواج دون قيد أو تهديد، لكن سقوط النظام بدّل كل حساباته.
يقول معتز لموقع "تلفزيون سوريا" إن "الفرج جاء مع سقوط الأسد، حيث كنت على وشك دفع 5 آلاف دولار للمهرب كي أصل إلى تركيا، بينما الآن يمكنني أخيراً أن أضع خطة لحياة مستقرة والزواج دون أي عوائق أو خوف من الخدمة العسكرية".
التأجيل الدراسي: ملجأ الهاربين من التجنيد
عادةً ما تستمر سنوات الدراسة الجامعية في سوريا لأربع سنوات في معظم الكليات، وترتفع إلى خمس سنوات في كليات الهندسة والصيدلة، وتصل إلى ست سنوات في كليات الطب البشري.
ومع ذلك، عمد كثير من الطلاب إلى إطالة هذه الفترة عمداً، عبر الرسوب المتعمد، طمعاً في تأجيل الخدمة العسكرية والهروب من شبح الالتحاق بجيش النظام.
خليل درباس، 38 عاماً، من حي الصاخور في حلب، كان واحداً من هؤلاء الطلاب، التحق بكلية الإعلام في جامعة دمشق، وعندما وصل إلى سنته الجامعية الثالثة، كانت الثورة السورية قد اندلعت، ما دفع النظام إلى استنفار قواته وإطلاق حملات تفتيش واسعة لملاحقة المتخلفين عن الخدمة العسكرية.
وفي حديثه مع موقع "تلفزيون سوريا"، يقول درباس إنه "رغم تفوقي في أول سنتين، قررت الرسوب عمداً في السنة الثالثة، ثم أجّلت مشروع تخرجي في السنة الرابعة، لتطول سنوات دراستي إلى ثماني سنوات، بعدما كنت أخطط للتخرج خلال أربع سنوات والدخول إلى سوق العمل الإعلامي".
إلا أن هذا القرار كان له ثمن آخر؛ فبعد تعمد الرسوب، انخفض معدله النهائي إلى 65%، وهو ما حال دون قبوله في برنامج الماجستير بشكل نظامي. لذلك اضطر للتسجيل عبر نظام التعليم الموازي.
يضيف درباس "كان والدي موظفاً بسيطاً لا يتجاوز راتبه 15 ألف ليرة سورية عام 2013، ومع ذلك استدان من صديقه ليؤمّن لي رسوم التسجيل في الماجستير، التي بلغت آنذاك 110 آلاف ليرة، فقط ليجنيبني خطر السوق للخدمة الإلزامية".
لكن الأعباء المالية لم تترك للعائلة خياراً طويلاً؛ فبعد عامين من دراسة الماجستير، قرر درباس ترك الجامعة والسفر إلى تركيا بطريقة غير شرعية، بعدما عجز والده عن دفع المزيد من رسوم الدراسة.
في عام 2015، دفع مبلغ 30 ألف ليرة سورية لمهرّب مقابل تأمين عبوره إلى تركيا، ليبدأ هناك حياة اللجوء، بعدما خسر عشر سنوات من عمره في دراسة كان يمكنه إتمامها خلال أربع سنوات، لولا الهروب المستمر من شبح العسكرية.
ومع سقوط النظام المخلوع، لم يعد طلاب الجامعات مضطرين لإطالة سنوات دراستهم من أجل تأجيل الخدمة العسكرية. ويشير درباس إلى أن شقيقه الأصغر، الطالب في السنة الثانية بكلية الحقوق في جامعة حلب، غيّر خططه الدراسية بعد سقوط النظام، وبدلاً من التعمد في الرسوب كما كان يفكر سابقاً، قرر التركيز على دراسته وتجاوز السنوات الأربع بتفوق، بعدما زال الخطر الذي كان يدفعه للبحث عن تأجيل الخدمة بأي وسيلة.
موسى وأنس: عندما عاد الأمل إلى دمشق
لطالما كان الهروب من الخدمة العسكرية هدفاً رئيسياً لكثير من الشبان السوريين فور بلوغهم السن القانونية (18 عاماً)، خاصة لمن لم يكن يملك قدرة على تأجيل الخدمة أو دفع البدل النقدي. وكانت وجهة الغالبية البحث عن حياة أكثر أماناً خارج حدود البلاد.
لكن مع سقوط النظام، تبدّلت تلك الخطط وتغيرت الحسابات، كما حصل مع موسى طحان، الشاب البالغ من العمر 17 عاماً، والذي كان يستعد للسفر إلى ألمانيا هرباً من الخدمة العسكرية، قبل أن يتخذ قراراً بالبقاء في سوريا وبدء مشروع صغير كان يحلم به منذ سنوات.
عمل موسى لسنوات على بسطة لبيع "تماري الكعك" في حي القنوات بدمشق، معيلاً لأسرته بعد وفاة والده قبل أربع سنوات. يقول لموقع "تلفزيون سوريا" إنه "كنت أحلم بفتح مشروع صغير يؤمن لي مصدر دخل أفضل من العمل على البسطة، لكن فكرة الخدمة العسكرية كانت تقتل هذا الطموح، وكنت أسأل نفسي دوماً ما الفائدة من مشروع سأتركه قريباً للهروب من الجيش؟".
إلا أن سقوط النظام قلب الموازين، حيث لم يعد موسى مضطراً للمغادرة، فقرر تحقيق حلمه وافتتاح ورشة صغيرة لإنتاج الطحينة، بدلاً من الاكتفاء بشرائها كما كان يفعل خلال عمله على البسطة.
وبمبلغ بسيط لم يتجاوز 1300 دولار، اشترى موسى آلة طحن السمسم مقابل ألف دولار، واستأجر محلاً بـ200 دولار، وخصّص 100 دولار لشراء عبوات التعبئة، وبدأ الإنتاج، حيث تنتج آلته في اليوم 50 كيلوغراماً من الطحينة خلال ساعة واحدة، مستخدماً السمسم والقليل من الزيت النباتي فقط.
خلال شهرين، تمكن موسى من تسويق كميات من الطحينة لعدد من المحلات الصغيرة والبسطات، وقدمها بأسعار أقل من السوق لتشجيع الزبائن على التعامل معه.
يؤكد موسى بثقة "أعتقد أن معظم السوريين اليوم، بعد سقوط النظام، بدأوا يفكرون مثلي بإنشاء مشاريعهم الصغيرة داخل البلد، بعدما تلاشى كابوس الخدمة العسكرية".
لكن شبح الخدمة العسكرية لم يكن يطارد فقط الشباب الذين لم يلتحقوا بالجيش، بل لاحق حتى أولئك الذين أنهوا خدمتهم منذ سنوات، بعد أن بدأ النظام المخلوع زجّ المجندين السابقين في الخدمة الاحتياطية مع تصاعد المعارك.
أنس لقموش، 40 عاماً، كان قد أنهى خدمته العسكرية في 2009، وبدأ عمله في مجال صيانة الأدوات الكهربائية، قبل أن يتفاجأ عام 2017 بأنه مطلوب للخدمة الاحتياطية، ما أجبره على حصر عمله داخل منطقة جرمانا، خوفاً من الحواجز الأمنية التي كانت تلاحق المطلوبين.
في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، يقول أنس "لم أكن أجرؤ على مغادرة جرمانا خشية المرور عبر الحواجز، الأمر الذي حصر عملي وأثر على دخلي، لأن أغلب زبائني كانوا في أحياء دمشق. لكن مع زوال الأسد، تبدل كل شيء، وأصبحت أتنقل بحرية، بل وأخطط أخيراً لافتتاح ورشة صيانة في شارع الثورة كما حلمت طويلاً".