من قصة أرضية إلى رواية "قمر".. مصطفى المفتي يعبر الحكايات

تاريخ النشر: 17.06.2022 | 09:49 دمشق

آخر تحديث: 17.06.2022 | 09:55 دمشق

شاءت الأقدار أن تُعَبّد قصة قصيرة طريقَ رواية خبيئة حمل أوراقَها الكاتبُ والقاص "مصطفى المفتي" في حلّه وترحاله، لتأخذ في نهاية المطاف مكانها بين إصدارات أدب شباب سوريا ما بعد الثورة.

فمنذ عام ونيّف، لم يكن في باله أن يستلّ إحدى قصص مجموعته اليتيمة آنذاك "تحت خطّ البشر" ليشارك من خلالها بمسابقة أعلنت عنها إحدى دور النشر، فكُتب لها أن تفوز على مئات الحكايات المشارِكة، ولتكون جائزة هذا الفوز طباعة الرواية التي سمّاها "قمر".

أحداث رواية "قمر" التي جاءت في 155 صفحة من القطع الوسط،  تبدأ من أحياء مدينة دير الزور السورية، التي ولد فيها الكاتب ونشأ في حواريها وبين أبنائها، وتشرّب من أعرافها وتقاليدها وفراتها. هي حكاية "يزن"، الشاب الذي لا يختلف كثيراً عن مصطفى، بل ولعله ذاته، أو هكذا يريد أن يوحي لنا.

".. لم أكن من المصلين، أحبُ الله كثيراً، وأثق أن توفيقي من الله، ومن دعاء أمي. لكني أحب فيروز أيضاً، وأحب الموسيقى والسفر بين ألحانها، أكثر ما يشدني هي حلقات الشيخ (الشعراوي) وحديثه عن الله، وعن المحبة التي زرعها الله في قلوبنا لبعضنا لكننا لم نُحسن استخدامها، أكره الذين ينطقون كلمة حرام أكثر من كلمة حلال، والذين يسترون أفعالهم بغطاء الدين، لا تستهويني (صيحات الموضة) أو أخبار الفنانين لكني أُقدس الصوت واللون العراقي في الغناء، العراقيون يُعبّرون عن مشاعِرهم بكل ما أوتوا من قوة، عن الحب، الحزن، الاشتياق، الفراق والقرب، يشعرون من أعماقهم".

يصف الكاتب في مستهل روايته بيئة المدينة الشرقية وتفاصيل حياتها اليومية التي تنعكس على تكوين "يزن"، الوحيد لأسرته، منذ طفولته. ثم يعبر فوق التفاصيل والأحداث بسردية بسيطة، جزلة، سلسلة، ليصل بنا إلى "سارة"، تلك الفتاة التي عشقها يزن منذ مقاعد الصف الأولى وليستمر ذلك العشق المخبوء في داخله نتيجة خجله وانطوائه، وصولاً إلى ربيع شبابه الذي شاء أن يتزامن مع ربيع الثورة في سوريا.

وكمعظم روايات العقد الأخير، جاءت أحداث "قمر" لترصد في جانب كبير منها حالات الحرب والتدمير والخراب والاعتقال والموت والنزوح واللجوء وآثارها على السوريين عموماً، وعلى الشباب بصورة خاصة من خلال يزن وسارة وحكاية حبهما التي أينعت وبدأت تأخذ أبعادها المُزهرة خلال سنوات الدراسة الجامعية، وقبل أن تتحول إلى الوجه الآخر بسبب الفراق الذي فرضته نفس عادات وأعراف المدينة التي قضيا على ضفاف فراتها أجمل أيام العشق، وما تلاه من أحداث مريرة أخرى.

"الليل يأتي على أشكالٍ كثيرة، فيأتي أحياناً قصيراً وممتعا حين نكون عاشقين، ويأتي طويلاً ومملا حينما نكون بانتظار من عشقناهم ،ويأتي أيضاً طويلاً ومتعبا على من سهر ليله بقرب من يحب، يحرس أنفاسه وقطرات عرق تصب من جبينه، وقليلاً يأتي قصيراً ويرحل مسرعاً لمن أنهكه التعب، لكنه عندي أبى الرحيل، الليل عندي بألف عام، والشمس التي كنتُ أنتظر شروقها رحلت فوق سريري، أما القمر الذي كان يضيئ شيئاً من ليلي فقد انشق وأُطفِئ نوره، ولم يبق لي سوى جسداً اِكتمل بالخامسة والعشرين ومات بالسابعة والعشرين عاماً".

تستمر المأساة مع اعتقال يزن في بدايات الثورة السورية بتهمة ملفّقة كحال مختلف المعتقلين داخل أقبية النظام الأسدي، فيقضي سنة كاملة خلف قضبان الزنازين ثم يخرج فلا يجد حيّه الذي كان يعرفه، ولا يجد فيه أهله ولا سكانه.  

"أمي قتلها جيش بلدي الذي يدافع عنها ضد من قتلوا أبي، وأبي قتله الشعب الذي أنتفض ضد القتل والظلم، وأنا اعتقلتُ لأني رفضت الوقوف ضد من اعتقلني، والكثيرون نالوا حريتهم عندما وقفوا ضد الحريات".

تتوالى بعد ذلك الأحداث التي تسردها الرواية لتصبح أقرب إلى السرد التوثيقي لتفاصيل واجهها يزن/ الراوي/ الكاتب، والتي تعكس ما واجهه ويواجهه السوريون من مختلف أشكال البؤس والوجع، منذ اللحظة الأولى التي هُجّروا فيها وعانوا من ويلات اللجوء.

"لم أتخيل يوماً أن تصبح رؤية وطني حلماً، لكن عندما تكون غريباً في وطنك تصبح هجرتك عن وطنك ملجأً تلوذ به من غربتك".

أحداث وتفاصيل كثيرة تطغى عليها لغة العاطفة ، وقصص مستقاة من الواقع، عاشها السوريون بصورة أو بأخرى خلال فترة ما قبل الحرب وما تلاها وصولاً إلى هذا اليوم، ولعلك واحد من بين الذين عاشوا تلك القصص أو إحداها. كل ذلك قبل أن تُختَم الرواية بنهاية غير متوقعة.

"لا تكن مثل سويقة "بامبو"، أين ما ألقوكَ تنبت.. اجعل لنفسك وطناً وجذوراً، يعيش فيكَ كما تعيش فيهِ. وإن أُجبرتَ يوماً على هجرتهِ، ألقِ بذورك على حدوده ليُخرج نبتاً يزين أسواره بدلاً من سياجٍ يخنقكَ حين العودة".

من خلال هذه الرواية، يمكننا القول إنها بداية طيبة لنتاجات أدبية إبداعية قادمة، تبشّر بولادة روائي سوري جديد.

القصة.. الطريق إلى الرواية

ويجدر بنا أن نشير إلى قصة "يوتيوبر"، إحدى قصص مجموعة "تحت خطّ البشر"، والتي فازت بالجائزة الأولى في مسابقة دار نشر "ببلومانيا" المصرية، تلك الجائزة التي تمثلت بطباعة رواية "قمر" وظهورها إلى النور. وفيما يلي نصها:

"من قال إنّ الصّور لا رائحةَ لها؟ انظر إلى صورتك وأنت صغير.. ستشمُّ رائحتك القديمة، وسينبتُ الريحان في دروب ذاكرتك لثوان قليلة، أما صورتك وأنت شاب قوي، ستفوح منها رائحة عزة النفس التي ولدت معك وستنتشي فرحاً وأنت تقلب ذكرياتك فيها، أما إن شاهدت نفسك بلباسٍ يغزوه الغبار وحُطام الأبنية ملطخاً بدماء إخوتك، فلن ينبعث منها سوى رائحة ذلٍ وقهر وهوان، ستحاول جاهداً تمزيق هذه الذكريات ولن تستطيع، فهي حيةٌ فيك ما دمت حياً.

قبل أيام وأثناء تصفح كريم للإنترنت، وقعَ نظره على مقطع متداول لأحد الأشخاص وهو يأكل ديكاً كاملاً لوحدهِ مع الأرز الموجود في الطبق، كرهانٍ مع زميلٍ لهُ، كان يأكل بنهمٍ وجشع وبشكلٍ مقزّز، متناسياً أنَّ هناك عوائل لم تذق طعم اللحم منذ شهور، استدار كريمٌ إلى زوجته وسألها: هل تذكرين طعم الدجاج؟  ضحكَ بهمس حين ابتسمت زوجتهُ، أغلقَ هاتفه وأسند رأسه إلى وسادتهِ لينام.

لاحقاً، وفي ذلك الصّباح خرج كريم من المخيم الذي يؤويه وعائلته إلى ساحة المدينة المجاورة لعلّ الله يرسل له رزقاً، كان يرفض الذهاب إلى المنظمات لِما فيها من ذلٍّ ومهانة، ويكتفي بما يسوقه الله من رزقٍ يجنيه بذراعه وعرق جبينه.

حين عودته، دخلَ خيمتهُ ينفضُ برعشاتٍ أثر البرد الذي أكل جسده منذ الصباح، وبيده يحمل كيساً فيه بعض الخبز، نظر إلى طفليهِ.. كان أحدهما يحمل تفاحةً ينظر إليها بحيرةٍ لا يدري كيف يأكلها، أما الآخر فكان يحمل لعبةً جديدة وكان ما يزال رضيعاً.

التَفتَ حوله باحثاً عن زوجتهِ، شاهد أحد الأطفال يركض فرحاً وبيده لعبةً كالتي بيد طفله، أوقفهُ وسأله: لِمَ أنت في الخارج؟ البرد قارس، أين كنت؟ ومن أعطاك هذه اللعبة؟

ردّ الطفل والفرحة ظاهرة في عينيه: قد ذهبت للحصول عليها.. إنهم هناك يحملون ألعاباً كثيرة يوزعونها على الأطفال.

في تلك الأثناء شاهد زوجتهُ قادمة كانت الابتسامة تتربع على عرش وجهها البائس، ابتسم حين رآها.. لم يغازلها كعادتهِ.. ولم يُعكّر عليها ابتسامتها، لكنه نظر إليها بطريقةٍ لم تكن قد اعتادت عليها، أخرجت من جيبها بطاقةً بقيمة عشرة آلاف أي ما يعادل ثلاثة دولارات، ليشتروا بها من متجرٍ محدد، ثم قالت: غداً وأنت قادم أحضر لنا ما تراه مناسباً.

سألها باستغراب: من أين حصلتِ عليها؟

قالت إنَّ شابّين يجولان الخِيام ويسألون الناس أسئلةً، إن أجابوا بشكلٍ صحيح فسيحصلون على بطاقةٍ كهذه.

 

5b9a3f610c4247abbcf7b1052a679961.jpg

 

لم يتفوه بأيِّ كلمةٍ، خرج من الخيمة باحثاً عن الشابّين لمعرفة ما وراءهما، شاهد تجمهراً من بعيد فقصده، وقف جانباً دون أي كلام، شاهد النساء والرجال يلتفون حول أحدهم يريدون أن يحصلوا على مقابلة ليربحوا تلك البطاقة، لم تكن تصرفات الشاب معهم تمتّ للإنسانية وكانت تفتقرُ لكلِّ أشكال الاحترام، وفي زاوية أخرى رأى الآخر وكان يحمل بيده مسجل فيديو، يحاول إبعاد الناس بالصراخِ تارةً وبدفعهم تارة أخرى ليبدأ بتصوير مشهدٍ جديد.

تذكر الشاب فور رؤيته، هو صاحب الرهان، بالأمس خسرَ كرامتهُ وهو يأكلُ كحيوانٍ هائج، واليوم يتجول بين الخيامِ يشتري بأبخس الطُرق والأثمان "كرامةً قد دفعنا ثمنها غالياً، فقط ليرفع اسمه على حساب أسمائنا".

عاد إلى خيمته مسرعاً وأخذ البطاقة من زوجته وقال: لِمَ شاركتِ بهذه القباحة، يريدون أن يجعلوا من أنفسهم أبطالاً على حساب كرامتنا، وهم لا يرجون منفعةً،  ولا يبغون وجه الله بذلك.

قالت: لم أكن وحدي ولم أخسر كرامتي، كانوا يسألون أسئلةً سهلة فأردّتُ أن أشارك، ما الضير في ذلك؟

لم يجبها وخرج مسرعاً إليهم واقتحم تجمهرهم وقال: أنا أريدُ أن أشارك في برنامجكم ولكن بشرط، أنا أسأل وأنت تجيب، ضحك الشاب وقال له إنّها جديدةٌ عليّ لكني سأفعل.

وقف الشاب أمام الكاميرا بعد أن سألهُ عن اسمه وقال:

معنا الأستاذ كريم سيكون هو من يسأل وأنا بدوري سأجيب عليهِ.

نظر كريم في عيني الشاب وقال: في وضعنا هذا وضمن هذه الحرب والظروف التي مررنا بها، برأيك ما هو أغلى شيء تبقى عندنا وعلينا الحفاظ عليه؟

ابتسم الشاب ثم قال بلهجة منتصر "الكرامة ".

فردّ عليه كريم بكل سخرية: مبارك لقد ربحت معنا، خذ هذه البطاقة فيها عشرة آلاف واشتري لنفسك كرامةً تقي بها ما تبقى من ماء وجهك.

 إن أردت وجه الله في تصرفك فلا تُحرج الناس أمام كاميرتك هذه، أم أنك تريد التفاخر بما تصنع وتجعل من نفسك بطلاً، فإنك والله لن تنالها على حساب كرامتنا".

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار