تمنح الرياضة المدن ذاكرةً ثانية. يحتفظ الناس بنتيجة مباراة زمناً أطول من أعمار اللاعبين، ثم تتحول الهزيمة المتكررة إلى حكاية، والحكاية إلى قدر، والقدر إلى لعنة.
في مقاطعة مايو الإيرلندية حملت جماهير كرة القدم الغيلية قصة كاهن غاضب طوال خمسة وسبعين عاماً. وفي دمشق حمل نادي بردى جرحاً أكثر محلية: بطلٌ صعد إلى القمة مرتين متتاليتين، ثم ابتلعه قرار إداري، واختفى اسمه عشرين عاماً.
يحمل تعبير «لعنة بردى» هنا وظيفة أدبية؛ أما جذوره فتستند إلى مراسيم وقرارات وصور محفوظة في الأرشيف الرياضي السوري.
بدأت لعنة مايو في خريف 1951، عقب فوز فريق المقاطعة ببطولة عموم إيرلندا للمرة الثانية على التوالي. عاد اللاعبون من دبلن يحملون كأس سام ماغواير، وتحول طريق العودة إلى موكب طويل من الأعلام والأغاني.
تروي الحكاية الشعبية أن الحافلة مرّت بمدينة فوكسفورد بالتزامن مع جنازة، وأن صخب الاحتفال واصل طريقه قرب المشيعين. غضب الكاهن المرافق للجنازة، وأطلق نبوءته: سيبقى الكأس بعيداً عن مايو طوال حياة رجال فريق 1951.
عاشت الرواية في الذاكرة الشفوية، ثم اتسعت مع كل خسارة جديدة، وصارت جزءاً من هوية المقاطعة الرياضية. وتعرض أبحاث حديثة القصة بوصفها أسطورة نمت عبر التكرار، مع اختلاف الشهادات حول موقع الجنازة وصيغة كلمات الكاهن وتوقيت انتشار الرواية.
منحت النتائج تلك الأسطورة قوةً خارقة. وصلت مايو إلى النهائي إحدى عشرة مرة بعد 1951، وخسرت كل مرة حتى عام 2021. حمل نهائي 1996 ألماً خاصاً؛ اقترب الفريق من اللقب، ثم فرضت ميث التعادل في اللحظات الأخيرة، وجاءت مباراة الإعادة بخسارة جديدة.
تمتلك دمشق حكاية رياضية تصلح مرآةً محلية لهذه الأسطورة. تأسس نادي بردى سنة 1926، وحصل على ترخيصه الرسمي خلال السنوات الأولى من نشاطه، فحمل اسم النهر الذي صنع جغرافية دمشق وحياتها..
وفي نهائي 2016 أمام دبلن، سجل لاعبان من مايو هدفين في مرماهما خلال الشوط الأول، فتحولت مصادفة كروية نادرة إلى شاهد جديد في ملف اللعنة. توفي بادي برندرغاست، آخر أعضاء التشكيلة الفائزة عام 1951، في سبتمبر/أيلول 2021، بعد أسابيع من الخسارة الحادية عشرة في النهائي. ثم جاء يوم 26 يوليو/تموز 2026: فازت مايو على كيري بنتيجة 1–20 مقابل 1–17، وعاد الكأس بعد انتظار دام خمسة وسبعين عاماً.
وعلى الطرف الآخر من أوروبا، تمتلك دمشق حكاية رياضية تصلح مرآةً محلية لهذه الأسطورة. تأسس نادي بردى سنة 1926، وحصل على ترخيصه الرسمي خلال السنوات الأولى من نشاطه، فحمل اسم النهر الذي صنع جغرافية دمشق وحياتها.
ضمت قائمة المؤسسين أسماء من عائلات المدينة، بينها الأخوان نوري وحسين الإيبش، ومحمد سالم، وبشير البكري، ومسلم مشنوق، وواصف المهايني. أنشأ النادي ملعباً في شارع بغداد بمنطقة ديب الشيخ، واستضاف فرقاً عربية وأجنبية، وسافر إلى العراق في الثلاثينيات، فصار واجهةً رياضية واجتماعية للعاصمة.
تكشف صورة أرشيفية من عام 1956 مقدار حضور بردى في الحياة العامة: رئيس الوزراء خالد العظم يتوسط رئيس الفريق معروف موصلي ورئيس النادي لمعة قطنا، ويسلمهم كأس بطولة دمشق. تحمل الصورة معنى يتجاوز مراسم التتويج؛ فالنادي ظهر كمؤسسة أهلية تقف بين المجتمع والسياسة مع احتفاظها باسمها وإدارتها وذاكرتها.
وبعد انطلاق الدوري السوري، وصل بردى إلى ذروة مجده في موسمي 1968–1969 و1969–1970. أحرز اللقب الأول بفارق نقطة عن أهلي حلب، وكرر الإنجاز في الموسم التالي بالفارق نفسه. تصدر مهاجمه يوسف تميم قائمة الهدافين بعشرة أهداف في البطولة الأولى واثني عشر هدفاً في الثانية. جمع أحمد عليان بين صورة اللاعب المتوج في الموسم الأول وصورة المدرب البطل في الموسم الثاني.
هنا تبدأ «لعنة بردى». توقف الدوري في أواخر 1970، ثم دخلت الرياضة السورية مرحلة مركزية جديدة. أصدر الرئيس أحمد الخطيب ورئيس وزراءه حافظ الأسد المرسوم التشريعي رقم 38 في 18 فبراير/شباط 1971، فأنشأ الاتحاد الرياضي العام ومنحه سلطة التخطيط والإشراف ومنح تراخيص الأندية وإلغائها.
حمل نص المرسوم أهدافاً سياسية صريحة، منها تربية الشبيبة تربية قومية اشتراكية، وحماية الثورة، وبناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد. تحولت الأندية من جمعيات محلية ذات جذور اجتماعية إلى وحدات داخل تنظيم مركزي واسع.
وتقدم شهادة من الوسط الرياضي الحلبي مفتاحاً لفهم خوف السلطة من النادي الأهلي. حضر محافظ حلب البعثي مباراة في أواخر الستينيات، وشاهد اندفاع المشجعين خلف فريقهم، ثم أخبر رئيس النادي أن هذا الجمهور قادر على صنع ثورة في البلد.
تختصر العبارة نظرة الحكم إلى المدرج: تجمع بشري يملك اسماً وذاكرةً وشعاراً وقيادةً أهلية. ومع هذه النظرة اكتسب الدمج معنى أمنياً وسياسياً إلى جانب التنظيم الرياضي، وصار تقليص عدد الأندية طريقاً لتوسيع قبضة المركز على اللاعبين والإدارات والجماهير.
وفي 18 أغسطس/آب 1972 صدر قرار المكتب التنفيذي رقم 59 الخاص بدمج الأندية. دخل بردى، بطل الموسمين المتتاليين وشيخ الأندية الدمشقية، في كيان جديد جمعه مع أندية الفتيان والنداء وسورية والميدان تحت اسم «نادي الثورة».
ابتلع الاسم الجديد تاريخاً بدأ على ضفة النهر، وتوزع اللاعبون والإداريون والمنشآت داخل بنية أخرى. احتفظت الخزائن بصور الكؤوس، واحتفظت العائلات بأسماء اللاعبين، بينما خرج اسم بردى من المنافسات الرسمية طوال عشرين عاماً.
ويقول عشاق النادي أن حارس المبنى (المستخدم) الذي أقيل فوراً حينها، أطلق يديه إلى السماء ورمى كلمات من قلبه تخللها دعاء ومناجاة وغضب وسخط ويأس على الحال الذي آل إليه النادي الذي احتضنه واحتضن والده من قبله.
عاد النادي باسمه القديم سنة 1992. حملت العودة طابع ولادة متأخرة، إذ تغيّر الوسط الرياضي، وتبدلت خريطة الجماهير والموارد والملاعب. صعد بردى إلى دوري الدرجة الأولى في موسم 1995–1996، وأنهى الموسم في المركز الثالث عشر، ثم هبط إلى الدرجة الثانية واستقر بعيداً عن قمة الكرة السورية. هكذا تشكلت اللعنة المحلية: لقبان متتاليان، قرار حل، غياب عشرين عاماً، عودة باسم قديم داخل زمن جديد، ومسافة طويلة تفصل شيخ الأندية عن منصة البطولة.
تختلف آلية اللعنتين، وتلتقي صورتهما النفسية. لعنة مايو خرجت من حكاية جنازة وكاهن، ثم غذتها النهائيات الضائعة. لعنة بردى خرجت من وثيقة رسمية ودعاء رجل غاضب أقيل في لحظة سوداء لا ضوء فيها، ثم غذتها سنوات المحو والتراجع.
حافظت مايو على اسمها وألوانها وجمهورها طوال الانتظار، وحمل كل جيل حلم الجيل السابق. أما بردى فخسر الاستمرارية نفسها، وهي الثروة الأهم لأي نادٍ؛ فالفريق الذي يغيب عشرين عاماً يعود إلى ملعب تغيّر، وجمهور توزع، ومنافسين ورثوا المساحة والموهبة والتمويل.
تكشف القصتان قدرة الذاكرة والسلطة على تحويل الخسارة إلى قدر ممتد. في إيرلندا صاغت الجماعة أسطورةً تفسر ألم النهائيات الضائعة، وفي دمشق منح القرار الإداري الأسطورة جسداً واقعياً حين محا اسم نادي بردى وقطع صلته بمدينته وجمهوره.
حمل النادي اسم النهر الذي وهب دمشق ماءها، وملأ غوطتها بالبساتين والخير، ثم تشابه مصير الاثنين على نحو مؤلم حيث تراجع النادي حتى غاب عن مجده، وتراجع النهر حتى ضاق مجراه وجفّت أجزاء منه، فانحسرت معه صورة دمشق الخضراء. صار بردى، النادي والنهر، رمزاً لسلسلة واحدة من الفقد؛ نادٍ انفصل عن جمهوره، ونهر انفصل عن بساتينه، ومدينة خسرت جسورها بين الماضي والحاضر.
تمنح قصة بردى سؤالاً سورياً مفتوحاً، كيف تستعيد المدن مؤسساتها الأهلية بعد عقود من المركزية؟
تبدو خسارة مباراة جرحاً يلتئم في موسم تالٍ، أما محو الاسم وتجفيف الذاكرة والماء فيقطع السلسلة بين الأب والابن، وبين المدرج والحي، وبين دمشق وغوطتها، كأن جفاف بردى أنهى زمناً كاملاً من الخصب، وكأن أفول النادي حمل الصدى الرياضي لذلك الجفاف.
أنهت مايو انتظارها في صيف 2026، ورفعت الكأس وسط دموع أجيال كاملة. وتمنح قصة بردى سؤالاً سورياً مفتوحاً، كيف تستعيد المدن مؤسساتها الأهلية بعد عقود من المركزية؟ تبدأ الإجابة من الأرشيف؛ من صورة خالد العظم والكأس، ومن أسماء المؤسسين، ومن لقبين متتاليين، ومن الاعتراف بأن النادي يمثل ذاكرة مكان قبل أن يمثل جدول نتائج. عندئذ تتحول «لعنة بردى» من قدر إلى درس: الاسم الذي يستعيد حكايته يفتح طريقه نحو المستقبل.
اللغة الآرامية في الجامعات السورية
هل سيتم نقل ضريح عماد الدين النسيمي في حلب؟
كيف تبني سوريا ثقافة تحمي الإنسان؟
من فوكسفورد إلى شارع بغداد.. لعنة "مايو" ولعنة "شيخ الأندية"
جرمانا.. "أرض الرجال" و جارة الفيحاء