icon
التغطية الحية

من فبركة الفيديو إلى المساومة وتعطيل جهود البحث.. القصة الكاملة لقضية أوستن تايس

2025.08.16 | 10:14 دمشق

آخر تحديث: 2025.08.16 | 11:51 دمشق

أوستن تايس
فبرك نظام الأسد مسرحية مصورة في 2012 لإخفاء مسؤوليته وإلصاق اختطاف أوستن تايس بجماعات إسلامية متشددة
 تلفزيون سوريا - إسطنبول
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- كشفت "واشنطن بوست" عن تفاصيل اختطاف الصحفي أوستن تايس في سوريا عام 2012، مشيرة إلى دور نظام الأسد في احتجازه وفبركة فيديو لإخفاء مسؤوليته.
- تعامل نظام الأسد مع قضية تايس كورقة مساومة، ورغم محاولات الإدارات الأميركية المتعاقبة للإفراج عنه، لم يظهر تايس بين المعتقلين المفرج عنهم بعد سقوط النظام في 2024.
- في 2025، ادعى ضابط مخابرات سابق أن الأسد أمر بقتل تايس، لكن الرواية شُكك فيها، وتستمر الجهود الأميركية بالتعاون مع الحكومة السورية الجديدة للعثور عليه.

كشفت صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير موسع عن تفاصيل جديدة بشأن قضية الصحفي الأميركي أوستن تايس، المختطف في سوريا منذ عام 2012، مبرزة الدور المحوري الذي لعبه نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، في احتجازه وإخفاء مصيره، وإصراره على تعطيل كل الجهود الدولية التي سعت للكشف عن مكانه أو استعادته.

التحقيق، الذي استند إلى مقابلات مع أكثر من 70 شخصية بين مسؤولين ودبلوماسيين وأصدقاء وصحفيين، يقدم صورة شاملة بشأن قضية تايس ورحلته إلى سوريا، وظروف اعتقاله الأولى، ومحاولاته الفاشلة للهروب، مروراً بفبركة النظام لشريط مصور لإخفاء مسؤوليته، وصولاً إلى سنوات طويلة من المفاوضات السرية التي انتهت إلى طريق مسدود، وسط تعنت نظام الأسد ومراوغاته المستمرة.

رحلة محفوفة بالمخاطر إلى دمشق

قرر أوستن تايس، الصحفي والجندي السابق في قوات مشاة البحرية الأميركية، دخول سوريا، في أيار 2012، عبر الحدود التركية، حيث كان مدفوعاً برغبة قوية في توثيق الثورة السورية.

حينذاك، كتب تايس، عبر حسابه على منصة "إكس"، وهو يستعد للمغادرة إلى سوريا "إما أن يكون هذا ناجحاً للغاية أو كارثة كاملة، لا شيء يضمن النجاح".

تنقل تايس في الشمال السوري بمساعدة معارضين لنظام الأسد، ثم واصل رحلته الخطيرة نحو دمشق، متنكراً أحياناً بزي نساء محجبات لتجاوز الحواجز الأمنية.

وفي مدينة داريا بريف دمشق، عاش مع مقاتلي الجيش السوري الحر، واحتفل بعيد ميلاده في آب 2012 واصفاً تلك الليلة بأنها "أفضل عيد ميلاد في حياته"، لكنه لم يكن يعلم أنها آخر أيام حريته.

في 13 آب من العام ذاته، انقطعت أخبار أوستن تايس تماماً بعد أن التقط هاتفه الفضائي آخر إشارة له، ليبدأ فصلاً طويلاً من الغموض والمعاناة.

من فبركة فيديو الاختطاف إلى علي مملوك

وفق تقرير "واشنطن بوست"، أُوقف تايس عند حاجز أمني في العاصمة دمشق بعد أن وشى به سائق سيارة أجرة، ليتم تسليمه إلى ضابط مخابرات نظام الأسد البارز، بسام الحسن، والذي كُلف باستجوابه والتأكد إن كان مجرد صحفي أم جاسوس.

روايات منشقين عن مخابرات الأسد أكدت أنه احتُجز في سجن مؤقت قرب مكتب الحسن، حيث شهد ضباط على جلسات استجوابه.

وخلال تلك الفترة، رتّب نظام الأسد مسرحية مصورة لإخفاء مسؤوليته، عبر فيديو قصير، نُشر في أيلول 2012، أظهر تايس معصوب العينين وسط رجال ملثمين يهتفون "الله أكبر"، في محاولة لإلصاق اختطافه بجماعات إسلامية متشددة.

غير أن صحفيين أميركيين ودوليين كشفوا سريعاً زيف الفيديو، مشيرين إلى أنه محاولة فاشلة لتضليل العالم بشأن الجهة التي تحتجزه.

وتؤكد صحيفة "واشنطن بوست" أن تايس تمكن لفترة وجيزة من الهروب، لكنه وقع مجدداً في قبضة نظام الأسد حين لجأ بالخطأ إلى حي يقطنه كبار المسؤولين الأمنيين، بينهم رئيس مكتب الأمن القومي لنظام الأسد، علي مملوك، ليختفي بعدها داخل أقبية النظام.

مراوغات ووعود كاذبة

منذ اللحظة الأولى، تعامل نظام الأسد مع قضية تايس باعتبارها ورقة مساومة، وعلى الرغم من نفي دمشق المتكرر مسؤوليتها، إلا أن الوسطاء والدبلوماسيين كانوا يؤكدون أنه محتجز لدى الأجهزة الأمنية.

في مطلع 2013، نقل نائب وزير خارجية الأسد آنذاك، فيصل المقداد، للوسيط الأميركي، ريان كروكر، وعوداً بأن الإفراج سيكون قريباً، لكنه ماطل مراراً، وجاءت رسائل عبر وسطاء بأن إطلاق سراحه سيتم "الأسبوع المقبل"، إلا أن هذه الوعود تحولت إلى أعذار وتأجيلات لا تنتهي.

وفي أيلول 2012، أكدت السفيرة التشيكية في دمشق، إيفا فيليبي، أن تايس على قيد الحياة ومحتجز لدى قوات الأسد في ضواحي العاصمة، لكن النظام ظل ينكر، فيما كانت عائلة تايس تعيش على وقع الأمل والخيبة في آن واحد.

البحث يمتد عبر أربعة رؤساء

مع الزمن، تحولت قضية أوستن تايس إلى واحدة من أكثر الملفات تعقيداً أمام الإدارات الأميركية المتعاقبة، حيث حاول كل من باراك أوباما، ودونالد ترامب في ولايتيه الأولى والثانية، وجو بايدن دفع نظام الأسد للإفراج عنه.

وجرى تنظيم لقاءات سرية بين مسؤولين من وكالة المخابرات المركزية الأميركية ونظرائهم من نظام الأسد في عمان ومسقط ودمشق، كما استخدمت واشنطن وسطاء لبنانيين مقربين من الأسد، مثل سليمان فرنجية.

وفي إحدى المحاولات، عرضت الولايات المتحدة تسهيلات طبية لأسماء الأسد، زوجة بشار، التي كانت تعاني السرطان، كحافز لإطلاق سراحه. لكن الأسد ظل يكرر الرواية ذاتها: "لا نعرف عنه شيئاً".

ورغم عرض مكافأة أميركية قدرها 10 ملايين دولار مقابل أي معلومة، لم تُحرز أي نتيجة ملموسة، وظلت أجهزة الاستخبارات الأميركية حتى عام 2024 تقدّر أن تايس على قيد الحياة، قبل أن تغيّر موقفها بعد سقوط نظام الأسد، مع غياب أي دليل على وجوده في السجون المحررة.

انهيار نظام الأسد وصدمة العائلة

مع سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، تنفست عائلة تايس الصعداء، متأملة أن يظهر بين آلاف المعتقلين الذين أُفرج عنهم، غير أن الصدمة كانت قاسية: فلا أثر له، لا حياً ولا ميتاً.

وفي نيسان 2025، ظهر اسم ضابط المخابرات السابق، بسام الحسن، مجدداً حين زار السفارة الأميركية في بيروت، مدعياً أن الأسد أمره بقتل تايس في عام 2013، لكن المسؤولين الأميركيين والسوريين الجدد شككوا في روايته، معتبرين أنها قد تكون جزءاً من حملة تضليل، خاصة أن الحسن غادر لاحقاً إلى إيران.

ورغم إشارته إلى مكان محتمل لدفن جثمان تايس، لم تتمكن السلطات الأميركية من التنقيب بعد، بذريعة الحاجة لمعدات خاصة ومخاوف أمنية، لتظل الحقيقة طي الغموض.

مأساة لم تنتهِ

منذ اختطافه، لم تتوقف عائلة تايس عن البحث، والدته ديبرا وزعت منشورات في دمشق في محاولات يائسة للعثور عليه، وواجهت تجاهلاً متعمداً من سلطات الأسد. وبعد اطلاعها على وثائق سرية العام الماضي، عبّرت عن خيبة أملها العميقة، قائلة إن حكومتها لم تكن "مدافعة جيدة عن أوستن".

وتؤكد العائلة أن السنوات الطويلة من مماطلة الإدارات الأميركية المتعاقبة ونظام الأسد كانت بمثابة "مسرحية هزلية"، تركت مصير ابنها معلقاً بين الأمل واليأس.

وحالياً، تتعاون الحكومة السورية الجديدة مع الجهود الأميركية للعثور على تايس، حيث أكد مسؤول أمني سوري رفيع المستوى لـ "واشنطن بوست"، إن المحققين يتابعون خيطاً جديداً بناء على مقابلات أجريت أخيراً مع اثنين من مساعدي الحسن.