عادت مشاهد الازدحام أمام عدد من محطات الوقود في سوريا، الثلاثاء، مع صعوبة الحصول على البنزين في دمشق وحمص واللاذقية، في حين بدت الصورة مختلفة في إدلب التي حافظت على توفر المادة من دون طوابير تذكر، وفق رصد أجراه موقع تلفزيون سوريا ومعلومات جمعها مراسلوه من عدة محافظات.
وأرجعت الشركة السورية للمشتقات النفطية "سادكوب" ازدحام الثلاثاء إلى عطل فني طارئ أصاب مضخة نقل البنزين عبر خط بانياس - حمص، وأدى إلى توقف الضخ وتأخر وصول الكميات المخصصة للتوزيع، قبل أن تعلن إصلاح العطل واستئناف الضخ مساء اليوم.
لكن الرصد الميداني يظهر أن مشكلة الحصول على البنزين لم تبدأ مع عطل الثلاثاء وحده؛ إذ سجلت عدة محافظات خلال الأيام السابقة تفاوتاً في مواعيد وصول التوريدات وساعات عمل المحطات وسرعة نفاد الكميات، ضمن موجة من الاختناقات التي تعود بصورة متقطعة منذ نهاية حزيران الماضي.
سادكوب: عطل فني وتأمين بديل بالصهاريج
وقالت "سادكوب" إن توقف المضخة على خط بانياس - حمص تسبب بتأخر وصول البنزين، وإنها فعّلت فور حدوث العطل خطة بديلة لنقل المادة مباشرة من بانياس بواسطة الصهاريج.
وبدأت الصهاريج، بحسب الشركة، بالوصول تباعاً إلى دمشق وبقية المحافظات مساء الثلاثاء، بالتزامن مع إصلاح المضخة وإعادة تشغيلها واستئناف الضخ عبر الخط.
وأكدت الشركة أن الإمدادات مستمرة، مشيرة إلى تفريغ نحو 73 ألف متر مكعب من المشتقات النفطية خلال يومي الإثنين والثلاثاء، في حين توجد ناقلتان إضافيتان بانتظار التفريغ.
وأعلنت كذلك العمل على تجهيز مضخات احتياطية لخط النقل، وزيادة السعات التخزينية وإنشاء خزانات إضافية، بهدف الحد من تأثير الأعطال المشابهة مستقبلاً على عمليات التوزيع.
دمشق.. المحطة تفتح ثم تنفد الكميات
في دمشق، تظهر المشكلة بشكل رئيسي في عدم استقرار ساعات توفر البنزين في عدد من المحطات.
وقال أحمد، وهو صاحب سيارة أجرة في العاصمة، لموقع تلفزيون سوريا، إن بعض العاملين في المحطات يؤكدون وصول البنزين وتوفره، إلا أن عملية التعبئة قد تستمر لساعتين تقريباً قبل توقف المحطة مجدداً بعد نفاد الكمية المتاحة.
وأضاف أن عدداً من المحطات بدأ التعبئة بصورة مفاجئة قرابة الساعة الثانية والنصف بعد منتصف ليل الإثنين، واستقبل السيارات، قبل أن يعود السائقون صباح الثلاثاء إلى مواجهة صعوبة في العثور على محطة يتوفر فيها البنزين.
ويرى أحمد أن المشكلة بالنسبة إلى السائقين ليست في معرفة السعر أو مكان المحطة فقط، بل في غياب جدول واضح يمكن الاعتماد عليه لمعرفة متى تصل الكميات وكم ستستمر المحطة بالعمل قبل نفادها.
وهذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها دمشق اختناقات من هذا النوع. ففي بداية تموز أظهر رصد سابق لموقع تلفزيون سوريا توقف عدد من المحطات الخاصة عن البيع مقابل ضغط كبير على المحطات العاملة، ووصل انتظار بعض السائقين حينها إلى ساعات.
حمص.. البنزين "يظهر ويختفي"
وفي حمص، تشير المعلومات التي جمعها موقع تلفزيون سوريا إلى توفر المازوت بصورة أفضل، في حين يتفاوت توفر البنزين بين محطة وأخرى وبين ساعة وأخرى.
وتتراوح فترات الانتظار أمام المحطات التي تتوفر فيها المادة بين نصف ساعة وساعة في عدد من مناطق المدينة والريف، في حين تتوقف بعض المحطات عن التعبئة بعد نفاد الكميات الواصلة إليها.
وتداول سكان حمص خلال الأيام الماضية شكاوى مماثلة بشأن تقلص عدد المحطات التي يتوفر لديها البنزين في بعض الأوقات، ما يؤدي إلى انتقال الضغط سريعاً إلى المحطات التي تصلها طلبية جديدة.
وتكتسب حمص أهمية خاصة في منظومة الإمداد، نظراً إلى مرور البنزين المنقول من بانياس عبر خط بانياس - حمص، وهو الخط الذي قالت "سادكوب" إن العطل الفني أصاب إحدى مضخاته الثلاثاء.
اللاذقية.. المشكلة في توقيت وصول المادة
وفي اللاذقية، تبدو المشكلة أقرب إلى تأخر التوريدات وعدم انتظامها منها إلى انقطاع البنزين بصورة كاملة.
وبحسب رصد مراسل تلفزيون سوريا، يصل البنزين يومياً إلى محطات في المحافظة، لكن الكميات لا تبقى متوفرة على مدار اليوم، إذ تبدأ بعض المحطات البيع عند وصول التوريد ثم تنفد المادة، ما يدفع السائقين إلى البحث عن محطة أخرى وصلت إليها كمية جديدة.
وأفادت معلومات محلية بأن توفر البنزين يكون أفضل خلال الفترة المسائية والليلية، في حين تقل الخيارات أمام السائقين خلال ساعات النهار.
وفي مقابل عدم استقرار توفر المادة في المحطات، رصد مراسل تلفزيون سوريا استمرار بيع البنزين في بعض البسطات والسوق الموازية بأسعار أعلى، وصلت وفق إفادات محلية إلى نحو 18-20 ألف ليرة لليتر.
ويطرح هذا التفاوت سؤالاً حول كيفية استمرار توفر البنزين خارج قنوات التوزيع النظامية في وقت تنفد فيه المادة من بعض المحطات، وهو ملف يحتاج إلى توضيح من الجهات المسؤولة عن الرقابة والتوزيع.
إدلب خارج المشهد
على الطرف الآخر، لم تسجل محافظة إدلب أزمة مماثلة حتى الآن، إذ لا تظهر طوابير أمام محطات الوقود ويستمر البنزين بالتوفر في معظمها.
وقال أحمد عمايري، صاحب "كازية الثقة" شمال غربي إدلب، لموقع تلفزيون سوريا، إن البنزين المتداول في المحافظة مستورد من أوروبا، وإن استئناف استيراده عبر معبر باب الهوى أسهم في تأمين حاجة السوق ومنع ظهور اختناقات مشابهة للمحافظات الأخرى.
وأضاف عمايري أن سعر البنزين الأوروبي في إدلب قريب من السعر المتداول في بقية المناطق السورية.
وأدى اختلاف وضع السوق إلى توجه بعض السكان القادمين من مناطق قريبة في محافظتي حلب واللاذقية إلى محطات في إدلب لتعبئة مركباتهم، ولا سيما المحطات الواقعة بالقرب من الطرق الواصلة بين المحافظات.
وتكشف حالة إدلب عن اختلاف في مصدر الإمداد ومسار التوريد مقارنة بالمحافظات التي تعتمد على منظومة بانياس - حمص في وصول البنزين.
شحنات تصل.. فلماذا تتكرر الاختناقات؟
تأتي الاختناقات رغم استمرار وصول شحنات الوقود بحراً إلى سوريا. ففي 30 تموز، وصلت إلى مصب بانياس ناقلة تحمل 37 ألفاً و646 طناً مترياً من البنزين، وقالت وزارة الطاقة حينها إن الشحنة تأتي ضمن خطة لتعزيز المخزون وضمان انتظام تدفق المادة إلى المحافظات.
وفي 11 تموز، أعلنت الوزارة إرسال 407 طلبيات بنزين بنحو 9.768 ملايين ليتر إلى محطات الوقود في المحافظات، بعد موجة سابقة من الازدحام، وقالت حينها إن تكثيف التوزيع أدى إلى تراجع الطوابير في معظم المناطق.
لكن "سادكوب" نفسها أقرت في نهاية تموز بأن الاختناقات لا ترتبط بعامل واحد، وعزتها إلى تزامن اضطرابات الملاحة والنقل البحري وارتفاع تكاليف الاستيراد مع تحديات تشغيلية خلال إعادة تأهيل البنية التحتية وارتفاع غير اعتيادي في الطلب ببعض المناطق.
وهذا يعني أن العطل الذي أصاب خط بانياس - حمص الثلاثاء يفسر الموجة الآنية الجديدة من الازدحام، لكنه يأتي فوق منظومة توزيع كانت قد تعرضت أصلاً لضغوط متكررة خلال الأسابيع السابقة.
عمرة مصفاة بانياس تزيد الأسئلة
وتتزامن هذه التطورات مع أعمال العمرة الشاملة لمصفاة بانياس، التي تستهدف صيانة وتحديث الوحدات الإنتاجية ورفع كفاءتها وإعادتها إلى طاقتها التصميمية.
وكانت الشركة السورية للبترول قد بدأت قبل أشهر التحضير لأعمال الصيانة الكبرى، وقالت في أيار إن الخطة تهدف إلى رفع الكفاءة التشغيلية وتعزيز إنتاج المشتقات النفطية.
وتعتمد الجهات المعنية خلال فترة الصيانة على الإمدادات الواصلة إلى مصب بانياس للحفاظ على استقرار السوق، إلا أن تفاصيل تأثير العمرة الحالية في حجم الإنتاج المحلي والكميات التي يجري تعويضها بالاستيراد لم تعلن بصورة مفصلة.
وتواصل موقع تلفزيون سوريا مع الشركة السورية للبترول منذ أكثر من أسبوعين للحصول على معلومات عن برنامج العمرة، وحجم الكميات التي تستقبلها المصفاة لضمان عدم حدوث اختناقات أو انعكاس أعمال الصيانة على السوق، إلا أنه لم يتلق إجابات عن هذه التساؤلات حتى الآن، واقتصر رد الشركة على أن الملف قيد المتابعة لحين استكمال البيانات.
ضغوط خارجية على مصادر الإمداد
وإلى جانب الأعطال الفنية ومشكلات التوريد والتوزيع داخل سوريا، يبرز عامل خارجي يمكن أن يزيد الضغوط على سوق المحروقات، يرتبط بمستقبل واردات النفط الروسي التي أصبحت خلال الفترة الماضية أحد المصادر الرئيسية لتغطية حاجة البلاد من الخام.
وكشفت وكالة "رويترز"، في 4 آب الجاري، أن دمشق أبدت استعدادها لتقليص وارداتها من النفط الروسي بصورة كبيرة ضمن مباحثاتها مع الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن الشحنات الروسية إلى سوريا ارتفعت خلال العام الحالي بنحو 75 في المئة، لتصل إلى قرابة 60 ألف برميل يومياً، ما جعل روسيا المورد الرئيسي للخام إلى البلاد.
ونقلت الوكالة عن مصدر سوري أن مسؤولين أميركيين أبلغوا دمشق بأن وقف شراء النفط الروسي من شأنه تحسين فرص رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في حين قالت الحكومة السورية، بحسب المصدر، إن رفع التصنيف سيساعدها على بناء شبكة إمداد أكثر تنوعاً. ولم تحدد المصادر جدولاً زمنياً لخفض الواردات أو المصادر البديلة التي ستعوض الكميات الروسية.
ويزيد ذلك حساسية سوق المحروقات السورية تجاه أي اضطراب خارجي، إذ حذر مختصون من أن تعويض كميات الخام الروسي لا يمكن أن يتم سريعاً من دون مخاطر نقص الوقود أو ارتفاع تكاليف الاستيراد، ولا سيما في ظل استمرار حاجة سوريا إلى كميات مستوردة لتغطية الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
وسبق أن أنهت وزارة الخزانة الأميركية الإعفاء المؤقت الذي كان يسمح بشراء شحنات من النفط الروسي المنقول بحراً رغم العقوبات، في خطوة ضيقت هامش التعامل التجاري والمالي مع هذه الشحنات. كما وسعت موسكو في تموز القيود على صادرات الديزل في ظل ضغوط تواجهها سوق الوقود الروسية، وهو عامل إضافي يمكن أن يؤثر في الدول المعتمدة على الاستيراد من روسيا.
وبذلك، لا تبدو الاختناقات المتكررة في سوق البنزين مرتبطة بعامل واحد؛ فإلى جانب الأعطال وتأخر التوزيع وأعمال الصيانة، تواجه سوريا تحدياً أوسع يتمثل في إعادة تنويع مصادر استيراد النفط والمشتقات في حال تراجع الإمدادات الروسية أو توقفها مستقبلاً، وتأمين بدائل قادرة على الوصول بانتظام ومن دون زيادة كبيرة في الكلفة.
أزمة تتكرر بأسباب مختلفة
وكانت موجة واسعة من ازدحام محطات الوقود قد بدأت في نهاية حزيران ومطلع تموز، بعد خفض أسعار البنزين. وآنذاك، أوضح وزير الطاقة محمد البشير أن الأزمة نتجت عن عدة عوامل، بينها استبعاد شحنة بنزين غير مطابقة للمواصفات، وتأجيل مواطنين تعبئة مركباتهم انتظاراً للأسعار الجديدة، ثم ارتفاع الطلب بصورة مفاجئة بعد تطبيق التخفيض.
كما كشف مصدر في وزارة الطاقة لموقع تلفزيون سوريا حينها أن بعض أصحاب المحطات الخاصة توقفوا عن طلب كميات جديدة مع ترقب خفض الأسعار خشية الخسارة في مخزونهم، ما أدى لاحقاً إلى تراكم الطلبات والضغط على شركات النقل والتوزيع.
وبعد نحو شهر، عادت "سادكوب" لتتحدث عن اضطرابات في النقل البحري وسلاسل التوريد ومشكلات في البنية التشغيلية، قبل أن يظهر الثلاثاء عامل جديد تمثل في تعطل مضخة خط بانياس - حمص.
وتوضح هذه الوقائع أن المشكلة لا تبدو نقصاً موحداً في البنزين على مستوى سوريا؛ فبينما تعاني محافظات من تأخر وصول الطلبات أو سرعة نفادها، تحافظ إدلب على توفر مستقر نسبياً عبر مصدر إمداد مختلف.
وفي المقابل، يبقى التحدي الأساسي في المحافظات المرتبطة بمنظومة التوزيع المركزية هو قدرة البنية التحتية على تحويل الشحنات الواصلة والمخزون المتاح إلى تدفق مستقر يمكن للمواطن الاعتماد عليه في المحطة، من دون أن يتحول تأخر صهريج أو تعطل مضخة إلى طوابير تمتد سريعاً بين المدن.
