من صنعاء إلى الشام يهدمون ذاكرة الشعراء ويمحون بيوتهم

من صنعاء إلى الشام يهدمون ذاكرة الشعراء ويمحون بيوتهم

من صنعاء إلى الشام يهدمون ذاكرة الشعراء ويمحون بيوتهم
بيت الشاعر نزار قباني (إنترنت)

نقلت الأخبار التعيسة أن بيت الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني الواقع في حارة المنصور بمدينة صنعاء القديمة قد دمرته الأمطار الغزيرة والسيول! وأي ردة فعل على هذا ستكون أبلغ من التعجب!؟

البيت وبحسب ما قيل في ملفه المفتوح منذ زمن، كان هدفاً لوزارة الثقافة اليمنية، التي سعت ومنذ رحيل الشاعر عام 1999 إلى شرائه وتحويله لمتحف يحتوي التفاصيل الخاصة بالراحل، إضافة إلى جعله ملتقى يجمع مثقفي اليمن الذين يتفقون ورغم كل ما يفرقهم من تيارات سياسية وإيديولوجيات متصارعة، على تقدير البردوني ووضعه في منزلة المثقف الوطني!

وزارة الثقافة التي تتبع حكومة الحوثيين (سلطة الأمر الواقع) أصدرت بياناً حول الحادثة، وادعت أن تعنت الورثة والخلافات بينهم هو ما أوصل البيت إلى حالة الانهيار! لكن مثقفين من معارضيهم أنكروا رواية الوزارة، وأشاروا إلى أن الإهمال الحكومي واحد من أسباب دماره، مؤكدين أن الحوثيين لم ولن يهتموا بالإرث الثقافي العربي في اليمن، طالما أن عقول وأفئدة هؤلاء هناك، في قم وشيراز وطهران!

بيت البردوني متهدماً.jpg
بيت البردوني متهدماً

كتب البردوني ذات يوم قصيدة بعنوان "لص في منزل شاعر" عاب فيها على الزائر غير المتوقع اختياره للمكان الخطأ من أجل السرقة فقال:

"كالطيف، جئت بلا خطى

وبلا صدى، وبلا إشاره

أرأيت هذا البيت قزما،

لا يكلفك المهاره؟

فأتيته، ترجو الغنائم،

وهو أعرى من مغاره

ماذا وجدت سوى الفراغ

هرّة تثتم فاره

ولهاث صعلوك الحروف

يصوغ، من دمه العباره

يطفي التوقد باللظى

ينسى المرارة، بالمراره"

لكن، فات الشاعر الضرير، أن لصوص هذه الأيام في البلاد العربية، ليسوا من جامعي الذهب والأموال فقط، بل هم شبيحة، يسرقون العفش، والأغراض المطبخية، والأحذية القديمة، وحتى المداسات أمام الأبواب لا تسلم منهم!

أما أسياد هؤلاء، ممن يرعون هذه اللصوصية، فهم يريدون سرقة أمر مختلف، هو وجود الشاعر ذاته، وكذلك ذاكرة الناس عنه! ولهذا سيرحبون بأن تقوم الطبيعة ونوائبها بتدمير بيت "صعلوك الحروف"!

قصة بيت البردوني تُذكرنا نحن السوريين ببيت آخر، يخص شاعراً عزيزاً علينا هو نزار قباني. إذ بين كل حين وحين تخرج إلينا الأخبار من دمشق القديمة بتفصيل جديد يخص المكان الذي شبهه نزار بأنه "قارورة عطر"!

فمن الأخبار المتداولة عن نية مالكيه الحاليين (بيت نظام) بيعه، إلى أخبار مختلفة عن رعاية محافظة دمشق للبيت مع احترام ملكية أصحابه له، إلى التقارير التلفزيونية التي تنشرها قنوات شيعية عنه، وقد احتلت جدرانه صور الأسدين، الأب والابن، وحسن نصر الله والخميني والخامنئي، وصولاً إلى تغني د. ثائر زين الدين رئيس الهيئة العامة للكتاب في وزارة الثقافة ببيت نزار! وإعلانه متمنياً في مقالة نشرها قبل أيام إقامة متحف خاص بنزار قبّاني!

كل ما مضى يُظهر للمتابعين أن الإعلان المشدد على عدم وجود خطر حيال البيت/ الذاكرة، يُخفي إغماض عيون جميع هؤلاء عن المحاولات الإيرانية الدؤوبة والمستمرة، التي تهدف إلى تغليب الطابع الطائفي الشيعي على النسق الثقافي الخاص بمدينة دمشق القديمة! هذه المحاولات لم تعد مخفية، وتتخذ طابعاً إجرامياً حينما تتبع ذات الأسلوب وهو الحرق، ورغم ذلك لم يقم أحد من مقلب النظام بالتحقيق فيها وحولها، رغم ندرة أن يمر أسبوع دون ورود أخبار عن حرائق، تطول الأبنية السكنية والتجارية في عاصمة الأمويين!

الاستهداف الواضح للثقافة العربية لا يمكن إخفاؤه حينما نمر على السياسات الإيرانية في البلدان التي يتحكم فيها ضباع طهران!

فبدلاً من جعل المشهد الثقافي في المنطقة مبنياً على تجاور الثقافات وتثاقفها مع بعضها، يذهب رجال إيران إلى الدفع بمباضع المحو نحو قلب الجسد الثقافي العربي!

حين نحلم بالبيت الذي وُلِدنا فيه، وبينما نحن في أعماق الاسترخاء الأقصى، ننخرط في ذلك الدفء الأصلي، في تلك المادة لفردوسنا المادي

والمسألة هنا تذهب أبعد وأعمق من مجرد تنشيط "المستشاريات" الثقافية في هذه العاصمة أو تلك، إنها تبدأ من نشاط هذه الكيانات، وتتعجل دربها عبر "الحوزات" والحسينيات. ولا تنتهي حكماً بقيام وزارات الثقافة والتربية في هذه البلدان بتوقيع اتفاقيات شتى مع الطرف الإيراني، فضلاً عن استضافة الجامعات الفارسية لمئات من الطلاب، الذين لا يجدون من يدعم دارستهم في أوطانهم، فيجدون مبتغاهم في البعثات التي تتوزعها غير جامعة في المدن الإيرانية!

وبالعودة إلى نزار وإلى البردوني، لا أدري كيف يظن بعض الحمقى أنهم يستطيعون إزالة أثر فكرة شعرية راسخة، توافق عليها كلا الشاعرين دون اتفاق، ألا وهي معادلة البيت/ الأم!

فنزار الذي اشتاق لأمه وكتب لها قصيدة تشبه "ملحمة" لذاكرة التفاصيل في البيت، هي "خمس رسائل إلى أمي"، كان وبحسب قوله كلما عاد إلى منزله الذي باعته العائلة قبل رحيله بعقود، يبكي هذه الآثار واللمسات التي لم تَدْرُسْ، لا في الحياة المادية ولا في ذاكرته ووجدانه!

ومن هذه التفاصيل كان يخرج إلى رؤية أكبر حيال المدينة/ الوطن، فيقول مختتماً ألمه وهو يرسل العبرات إلى أمه:

 "دمشق. دمشق.

  يا شعراً.

  على حدقات أعيننا كتبناه.

  ويا طفلاً جميلاً

  من ضفائره صلبناه

  جثونا عند ركبته

 وذبنا في محبته

إلى أن في محبتنا قتلناه"

الفكرة ذاتها يكتبها البردوني، ويسردها في قصيدته "أمي

"هـدهـدت كـفـاك رأســي مـثلما

هـدهـد الـفجر ريـاحين الـرّوابي

كــم هـدتـني يـدم الـسمرا إلـى

حقلنا في (الغول) في (قاع الرحاب)

كـــم تـمـنّينا وكــم دلّـلـتني

تـحت صمت اللّيل والشهب الخوابي

كــم بـكـت عـيـناك لـمّا رأتـا

بـصري يـطفا ويطوي في الحجاب

وتـذكّـرت مـصـيري والـجوى

بـين جـنبيك جـراح فـي الـتهاب".

التلاصق الواضح في قصيدتي الشاعرين الذين يمثلان بلديهما في جزيرة العرب وبلاد الشام، بين سكنى البيت ولمسات أصابع الأم على الجلد الناعم للطفولة، ربما هو نزوعنا الأزلي إلى البحث عما يحمينا!

وبحسب غاستون باشلار فإننا "حين نحلم بالبيت الذي وُلِدنا فيه، وبينما نحن في أعماق الاسترخاء الأقصى، ننخرط في ذلك الدفء الأصلي، في تلك المادة لفردوسنا المادي. هذا هو المناخ الذي يعيش الإنسان المحمي في داخله. سوف نعود إلى الملامح الأمومية للبيت"!

فهل ثمة من يحمي ذاكرة الشعراء وبيوتهم، ومعها حيوات شعوبهم وآمالهم؟

 

مقالات مقترحة
حلب.. مخصصات البنزين تراجعت والأزمة تزداد تفاقماً
ازدحام أمام"الكازيات"في دير الزور بسبب تفاقم أزمة البنزين
ضباط النظام يستغلون أزمة الوقود ويبيعونه خارج المحطات بـ 1500
32 إصابة جديدة و14 حالة شفاء من فيروس كورونا في شمال غربي سوريا
3 وفيات و40 إصابة جديدة بفيروس كورونا بمناطق النظام
اختبار سريع يكشف الإصابة بفيروس كورونا خلال 90 دقيقة