لطالما ارتبطت المرحلة الجامعية لدى الشباب السوري، خلال سنوات الثورة، بفكرة "التأجيل" للخدمة الإلزامية، أو بصعوبة تأمين تكاليف الحياة الجامعية ومتطلبات الدراسة، والحاجة إلى العمل إلى جانب الدراسة أملاً في سدّ الاحتياجات بالحدّ الأدنى، من دون الاضطرار إلى ترك الجامعة وخسارة الشهادة.
لكن أقسى كوابيس الطلاب وأشدّ مخاوفهم كانت احتمال اعتقال أحدهم بسبب مشاركته في المظاهرات خلال السنوات الأولى من الثورة، أو نتيجة لنشاطه في العمل الإنساني، أو بسبب كلمة عابرة في جلسة مع الزملاء، أو حتى "تقرير كيديّ".
استطاع الطلاب السوريون، في مختلف المناطق، متابعة دراستهم بدرجات متفاوتة من التفوق والالتزام؛ ففي حين كان طلاب الشمال السوري في مناطق المعارضة يعانون القصف بالبراميل والقذائف، كان طلاب مناطق النظام السابق يعيشون هواجس الالتحاق بالخدمة العسكرية وقلق "الدراسة الأمنية"، ففي حين ظل القاسم المشترك بين جميع الطلاب هو صعوبة المعيشة وارتفاع تكاليف التعليم الجامعي.
هروب إلى المكتبات والمراكز الدراسية
ما يزال انقطاع الكهرباء لأكثر من نصف اليوم يشكل عائقاً أمام الطلبة، يدفعهم إلى التنقل بأغراضهم وكتبهم من مكان إلى آخر لملاحقة الكهرباء وإنجاز مشاريعهم الدراسية ومحاضراتهم الجامعية.
عبد الله مرعي، طالب في السنة الرابعة بكلية الهندسة المعلوماتية، يحمل يومياً مخططاته وحاسوبه المحمول وأوراقه، قاطعاً المسافة من مدينة قطنا حيث تنقطع الكهرباء شبه كلياً، إلى المقصف الرئيسي في حرم المدينة الجامعية بدمشق.
يجلس عبد الله مع مجموعة من أصدقائه إلى طاولة واحدة لإنجاز المشاريع الفصلية وتسليمها قبل الموعد النهائي، ويقول لموقع تلفزيون سوريا: "نأتي من أماكن بعيدة ونعاني من مشقة الطريق فقط للحصول على الكهرباء وإنهاء المشاريع، ونضطر لدفع نحو 40 ألف ليرة أجور مواصلات، فضلاً عن تكلفة الجلوس في المقصف. لا أستطيع العمل مع الدراسة بسبب الضغط الكبير، وخصوصاً في السنتين الأخيرتين من دراسة الهندسة".
أما ريم ديب، وهي طالبة دراسات عليا في كلية الطب البشري بجامعة دمشق، تخصص طب الأطفال، فقد اختارت المكتبة المركزية في المدينة الجامعية للحصول على الكهرباء للدراسة على جهاز "التابليت" الذي وفّر عليها شراء الورقيات.
ورغم انقطاع الكهرباء في الوحدات السكنية، إلا أن المكتبة المركزية تُعدّ "بقعة ضوء" كما يصفها الطلاب، إذ تتوفر فيها الكهرباء بشكل دائم. تقول ريم لموقع تلفزيون سوريا: "المكتبة المركزية هي الخيار الأفضل لغالبية الطلاب، ما زاد الضغط عليها والازدحام فيها، لا سيما أن الجلوس فيها مجاني، والكهرباء لا تنقطع".
أما الطالب أحمد جاري، فلجأ إلى المراكز الدراسية المأجورة التي توفّر مساحات دراسة مجهّزة بالكهرباء والإنترنت، وتتوزع في أحياء دمشق الحيوية كالمزة والبرامكة وشارع بغداد وباب توما. وتُعد هذه المراكز مشاريع رائجة تعتمد على استثمار الطلبة وتقديم بيئة دراسية مدفوعة تضمن لهم التركيز.
ويُحتسب الجلوس في هذه المراكز بنظام الساعة، مع عروض خاصة خلال فترات الامتحانات، وتراوح كلفة الساعة بين 4 و8 آلاف ليرة. يقول أحمد: "اعتدت الدراسة في هذه المراكز، وعلى الرغم من أنني أدفع 6 آلاف ليرة للساعة، إلا أن ذلك أوفر من الجلوس في المقاهي، حيث يُطلب مني تجديد الطلب كل ساعتين. لا خيار آخر أمامنا حتى نتخرج!".
تكاليف باهظة تثقل كاهل الطلاب والأهالي
سعى موقع تلفزيون سوريا، من خلال لقاءات مع طلاب في المدينة الجامعية وكليات العلوم والهندسة بمنطقة البرامكة، إلى رصد الاحتياجات والمصاريف الجامعية اللازمة للاستمرار حتى التخرج.
وبحسب عينة عشوائية، تتراوح تكاليف الحياة الجامعية بين 150 و300 دولار شهرياً، وتشمل المواصلات، والمواد الدراسية، والمحاضرات، والكتب.
وتختلف المصاريف حسب مكان السكن، وإذا ما كان الطالب مقيماً في المدينة الجامعية أم لا. كما تحتاج الكليات التطبيقية إلى مصاريف أكبر من الكليات النظرية. وتبرز المواصلات كأحد أكبر الأعباء التي ازدادت بعد سقوط النظام بسبب غياب "المحروقات المدعومة".
رزان الحاج علي، طالبة في كلية الهندسة المدنية، تضطر إلى دفع 30 ألف ليرة يومياً للتنقل من القلمون إلى الجامعة في البرامكة، ما يعني حاجتها إلى نحو 150 ألف ليرة أسبوعياً. وتقول: "أضطر أحياناً للتغيب عن الجامعة، رغم أن الالتزام بالدوام أساسي في الهندسة المدنية، لكن تكاليف المواصلات خلال الأشهر الماضية فرضت علينا الغياب. المصروف الشهري يتجاوز مليونين ونصف ليرة سورية".
وأكدت الدكتورة لين ونوس، من قسم التصميم المعماري في كلية الهندسة المعمارية، أن الأساتذة تعاملوا مع غياب الطلاب باحتواء وتفهّم. وقالت لموقع تلفزيون سوريا: "تغيب عدد كبير من الطلاب عن العملي في بداية الفصل بسبب صعوبة المواصلات، فراعينا ذلك بجلسات تعويضية وعدم التشدد بالحضور، حسب خصوصية كل مقرر. لاحقاً تم تأمين باصات لمعظم المناطق، لكن التكلفة ما تزال مرتفعة".
ومع تراجع قدرة الأسر على تلبية احتياجات أبنائهم الجامعيين، اضطر كثير من الطلاب إلى العمل إلى جانب الدراسة. وتشير طبيعة الأعمال التي يقبل بها بعضهم إلى انكسار مادي يفرض عليهم تجاوز الأَنَفة أمام الواقع القاسي؛ فليس غريباً رؤية طالب يعمل كنادل، أو "صبي أراكيل"، أو في مطبخ مطعم، أو حتى يجلس أمام "بسطة" ملابس مستعملة.
لور بركات، طالبة سنة أولى في كلية الإعلام، تعيد سنتها الأولى وتعيش حالياً في الوحدة الرابعة بالمدينة الجامعية. تعمل في "نوفيتيه" المدينة الجامعية بنظام "نصف دوام" من العاشرة صباحاً حتى الخامسة عصراً، مقابل راتب أسبوعي يغطي احتياجاتها الأساسية.
تقول لور لموقع تلفزيون سوريا: "لا يستطيع الأهل إرسال المال إلينا بشكل دائم، ونحتاج إلى العمل رغم صعوبة التوفيق بين توقيت العمل والدوام الجامعي. نأمل، على أقل تقدير، أن يراعي الأساتذة ظروفنا".
كما يضطر الطالب (م.ز) إلى العمل كمدرّس في مدرسة خاصة، مقابل راتب شهري يصل إلى 130 دولاراً، وبمعدل 17 حصة أسبوعياً، إلى جانب دراسته في كلية الرياضيات بجامعة دمشق. وقد تمكن من العودة إلى الحياة الجامعية بعد خسارته عامين من دراسته بسبب السجن، بعد أن جُرّم بـ "التعامل بغير الليرة السورية"، واضطرت عائلته إلى دفع نحو ستة آلاف دولار خلال فترة سجنه.
يقول لموقع تلفزيون سوريا: "لم يكن الأمر سهلاً، لا سيما أنني خرجت محطّم الآمال وعازماً على الهروب من البلد، رغم أنني وحيد! لكن إرادة الحياة أقوى من مظالم نظام الأسد. نأمل فقط أن يراعوا أوضاعنا هذا العام، بمنحنا دورة تكميلية أو فرصة الترفّع الإداري".
في المقابل، تؤكد الدكتورة لين ونوس أن الأساتذة تلقّوا توصيات من إدارة الجامعة بمراعاة ظروف الطلاب وتقديم التسهيلات الممكنة لضمان استمرار العملية التعليمية. وتقول: "سرنا وفق الخطة التدريسية لهذا العام، وحاولنا تخفيف الضغط النفسي الذي يعانيه الطلاب بسبب ضيق الوقت، من خلال تأجيل مواعيد التسليم، وإعادة الامتحانات العملية للمتغيبين، وتقديم محاضرات تعويضية".
ويتحايل الطلاب على تكاليف شراء المحاضرات الورقية من خلال الاعتماد على الملفات الإلكترونية المتبادلة عبر مجموعات "تليغرام"، أو عبر "توارث" المحاضرات الورقية من طلاب السنوات الأعلى، بكلفة أقل من شرائها جديدة. وتصل كلفة الاشتراك بالمحاضرات المطبوعة من مكتبات نفق الآداب أو البرامكة إلى 140 ألف ليرة للفصل الواحد، وذلك بحسب عدد المواد وكمية المحاضرات والتخصص.
أما تكاليف التنقل بين المحافظات فهي عبء إضافي، إذ تحتاج سيدرا إدريس إلى 160 ألف ليرة كلفة الرحلة إلى الحسكة، في حين تدفع كوثر أبو سعيفان 40 ألف ليرة في كل مرة تنوي فيها السفر إلى درعا لرؤية أهلها.
كيف تبدو الحياة في المدينة الجامعية؟
يشير الطلاب في المدينة الجامعية إلى تحسن طفيف في الخدمات داخل الوحدات السكنية مؤخراً، وقد أجمع من التقاهم موقع تلفزيون سوريا على شعورهم بالخلاص من "الواسطات" والمحسوبيات التي كانت سائدة في زمن النظام المخلوع. إذ كانت الأولوية في "غرف المكاتب" الواسعة المزوّدة بشرفة ومطبخ، تُمنح لأبناء الضباط والمحسوبين على حزب البعث واتحاد الطلبة. وكان بعض القاطنين في هذه الغرف يحتكرون مياه "الفيجة"، ويمنعون غيرهم من تعبئة المياه عند ضخها ليلاً.
تقول كوثر أبو سعيفان، من الوحدة السكنية الخامسة: "مشكلات كثيرة اختفت بعد التخلص من سطوة عناصر كتائب البعث وتوصيات الضباط. ما حدا اليوم أحسن من حدا، الجميع طلاب فقط!".
ورغم تهالك الأبنية والغرف، إلا أن بعض الألفة بين الطلاب وتحسن الأوضاع الأمنية جعلا الحياة محتملة، بما يسمح بإنجاز الدراسة ضمن حدود المعقول. الكهرباء تنقطع في المدينة الجامعية بمعدل 8 ساعات فقط، بدءاً من منتصف الليل، مع توفرها بقية اليوم.
وتحدثت مريم فواز عن تحسن ملموس في الانضباط الأخلاقي داخل المدينة الجامعية، وهو ما كان مفقوداً جزئياً في عهد النظام. تقول: "في السابق، كانت هناك بعض التجاوزات داخل الحرم الجامعي، أما الآن فهي من الماضي. المشرفون يجرون جولات تفقدية بين الحين والآخر".
لكن ذلك لا يعني أن الحياة في المدينة الجامعية باتت مثالية، فالدخول إلى الوحدات السكنية يعطي انطباعاً يشبه دخول فرع أمني أو سجن كبير؛ هذا ما يشعر به الزوار فكيف بالساكنين؟ يتفق جميع الطلاب على سوء الحالة النفسية في بيئة صاخبة دائمة، تفتقر إلى الخصوصية والسكينة. ولا تبدو المدينة الجامعية منعزلة أو قائمة بذاتها كما يظن بعضهم، بل هي جزء أصيل من مدينة مثقلة بهموم أبنائها.
يقول محمد هجو، الطالب في كلية الكيمياء: "المدينة الجامعية بحاجة إلى ترميم كامل، أو ربما إلى مكان جديد نقضي فيه سنوات الدراسة من دون أن يُشعرنا بالضيق أو يذكرنا بالبؤس. لكن لا خيار أمامنا! تبدو الحياة هنا باهتة، لكننا نتمسك بالأمل بأن تكون السنوات القادمة أفضل حالاً".








