من تل الزعتر إلى اليرموك... القاتل دائماً واحد

2018.08.19 | 00:08 دمشق

+A
حجم الخط
-A

فرض تدمير مخيم اليرموك نفسه على أحياء الذكرى الـ 42 لتدمير مخيم تل الزعتر، تأكد تماماً ما كنا نعرفه من أن القاتل واحد حتى وإن اختلفت الأدوات والتحالفات مع نفس حملة الكذب وتزوير الحقائق، ورغم أن الذكرى الـ42 لتدمير تل الزعتر تزامنت مع تدمير اليرموك، وجعله غير قابل للحياة مع مشاركة فصائل فلسطينية في الجريمتين، إلا أننا شهدنا هذا العام تلعثم وخجل من حركة فتح وفصائل فلسطينية أخرى ممن كانوا ضحايا المجرزة الأولى، بينما تحولوا إلى شهود زور في المجزرة الثانية.

اجتاح جيش نظام الأسد لبنان بناء على ضوء أخضر – ليس برتقالي حتى - من أمريكا وإسرائيل، كما قال وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في مذكراته، وكما قال الأكاديمي والمفاوض الإسرائيلي ايتمار راينوفيتش الصديق الشخصي لرئيس الوزراء السابق إسحق رابين، علماً أن هذا الأخير كان سفيراً في واشنطن عند الاجتياح الأسدي للبنان.

الإمساك بالورقة اللبنانية عبر القضاء على المعارضين، من ثم الإمساك كذلك بالورقة الفلسطينية عبر القضاء على منظمة التحرير، كان جزءا من حزمة هدفت لإبرام تسوية للقضية الفلسطينية. سُمّيت آنذاك صفقة أو عملية جنيف غير أن العناد والصمود اللبناني الفلسطيني أفشل الخطة التي تورط بها نظام الأسد فقط من أجل تقوية سلطات قبضته الداخلية ونفوذه الإقليمي.

وكان الغرض إيقاع أكبر قدر من الضحايا، كما التدمير التام للمخيم في سياق خلق أنهار من الدماء بين أبناء الوطن الواحد في لبنان، كما بين اللبنانيين والفلسطينيين

من نافل القول طبعاً الإشارة إلى أن نظام الأسد لم يحصل على التفويض الشرعي الدستوري الديموقراطي اللازم من الشعب السوري، ولم يخضع للمساءلة أو الاستجواب أو المحاسبة في الشارع، في البرلمان، في الإعلام، وصناديق الاقتراع، عن التدخل في لبنان والسياسة الخارجية بشكل عام. هل كان ذلك لخدمة سوريا العظيمة أم سوريا الأسد.

أما فيما يتعلق بتفاصيل مجزرة الزعتر فقد قام جيش النظام بالجزء الأكبر فيها عبر القصف المباشر بالطائرات والصواريخ، وكان الغرض إيقاع أكبر قدر من الضحايا، كما التدمير التام للمخيم في سياق خلق أنهار من الدماء بين أبناء الوطن الواحد في لبنان، كما بين اللبنانيين والفلسطينيين.

للأسف شاركت آنذاك أيضاً فصائل تدعي أنها فلسطينية – القيادة العامة والصاعقة - في حصار وتجويع وتدمير المخيم، وهي فصائل كانت وما زالت هامشية، ولكن مستأجرة ومرتزقة وتعتبر نفسها جزءا لا يتجزأ من النظام، كما يتباهى أحمد جبريل دائماً، وكانت ثمة مشاركة طبعاً لمليشيات مسيحية وبنظرة إلى الوراء، فقد كانت أقرب إلى الحشود الشعبية التي أراد النظام توريطها أو استخدامها في حروبه وجرائمه تحت شعار تحالف الأقلية.

من حيث لا يدري لخّص زياد الرحباني مشهد تل الزعتر كاملا، عندما قال في مقابلة مع قناة الميادين الناطقة باسم الحشد الشعبي الإعلامي-تشرين أول أكتوبر 2012-، أنه شاهد بأم عينيه من على شرفة بيت العائلة عائلة فيروز وعاصي الرحباني، ميشيل سماحة وعاصم قانصو مع ضباط مخابرات من جيش النظام والجيش اللبناني ويراقبون بسرور القذائف الصاروخية، وهي تنهال على أهالي وسكان تل الزعتر .

للعلم فقد استشهد المدافعون المقاتلون عن المخيم بالكامل عند سقوطه، ومن ثم جرى قتل المدنيين العزّل عن سبق إصرار وترصد وبعد ذلك تدمير المخيم بالكامل.

في ذلك الوقت أيضاً تحدثت الآلة الإعلامية لنظام آل الأسد وحلفائه عن إعادة إعمار المخيم وعودة من نزحوا من أهله عند انتهاء الحرب، وهو ما لم يحدث طبعاً.

وصف الشهيد ياسر عرفات تل الزعتر بأنه ستالينغراد فلسطين بينما قال المرحوم جورج حبش إن نظام آل الأسد قتل من الفلسطينيين أكثر مما قتلت إسرائيل

وصف الشهيد ياسر عرفات تل الزعتر بأنه ستالينغراد فلسطين بينما قال المرحوم جورج حبش إن نظام آل الأسد قتل من الفلسطينيين أكثر مما قتلت إسرائيل، وأمر مماثل تقريباً قاله الشهيد جورج حاوي عن شهداء الحركة الوطنية اللبنانية، طبعاً في السياق السياسي، تم دوماً توصيف الحقائق كما هي حيث رغبة نظام الأسد الأب، في قتل وإنهاء التمثيل السياسي الفلسطيني الشرعي من أجل المتاجرة بالقضية الفلسطينية.

في الذكرى الـ 42 للمذبحة التي لا تسقط بالتقادم نجد أن المشهد نفسه تكرر في مخيم اليرموك، حيث نظام الأسد الابن يمارس القتل والتدمير في سوريا بحق السوريين والفلسطينيين بضوء أخضر جلي صريح من إدارة أوباما ثم إدارة ترامب، ضوء أخضر أو في الحد الأدنى برتقالي من الاحتلال الإسرائيلي.

تدمير اليرموك وباقي المخيمات كما – المدن البلدات السورية – تم عن سبق إصرار وترصد وجرى اتباع سياسة الأرض المحروقة في السياق الفلسطيني - السوري- للاقتناع أن هؤلاء لا مكان لهم فى الكيان الطائفي –سوريا المتجانسة والمفيدة- الذي أراده النظام في سوريا، وهو نفس ما أراده في لبنان.

الفصائل التي شاركت في حصار وتدمير اليرموك هي نفسها التي شاركت في حصار وتدمير تل الزعتر مع بعض التحديثات لمرتزقة جدد دائماً تصرفوا أيضا  كجزء من النظام في المعركة اليائسة لتفادى سقوطه الحتمي.

في اليرموك كذلك ورغم أن المخيم تدمر بنسبة 80 بالمئة وأصبح مكانا غير قابل للحياة، كما تقول الأمم المتحدة، إلا أن النظام وأبواقه يتحدثون يكذبون عن إعادة الإعمار

مشهد شرفة آل الرحباني في تل الزعتر تكرر بحذافيره تقريباً مع اليرموك في سوريا بشكل عام نفس التحالفات السياسية مع تحديثات في الإطار فقط، وهذا ما يمكن وصفه بتحالف الأقلية الذي عمل عليه نظام الأسد الأب والابن في سوريا ولبنان، وبينما تصرفت الفصائل الفلسطينية المفتقدة للشرعية جماهيرية كأقلية بالمعنى السياسي أو حتى الفكري الثقافي.

في اليرموك كذلك ورغم أن المخيم تدمر بنسبة 80 بالمئة وأصبح مكانا غير قابل للحياة، كما تقول الأمم المتحدة، إلا أن النظام وأبواقه يتحدثون يكذبون عن إعادة الإعمار، عودة اللاجئين غير أن المؤلم ربما يتمثل بتسويق السلطة منظمة التحرير وحتى حركة فتح ضحايا تل الزعتر مع هذه البروباغندا الجوبلزية الإجرامية.

في السياق الفلسطيني كانت ذكرى مجزرة مخيم الزعتر هذا العام لافتة وحافلة بالدلالات ، فقد سكت من قال عن حق وطوال عقود أن نظام آل الأسد ارتكب المجزرة دون أن يرفّ له جفن، وأنه تعمد قتل المدنيين العزل وتدمير المخيم في سياق سياسة واضحة صريحة، الأسوأ أنه هؤلاء باتوا حلفاء أو شهود زور للنظام في مجزرته الجديدة بحق مخيم اليرموك، وباتوا جزءا من آلته الدعائية عن تدمير داعش والإمبريالية والصهيونية - التي دعمت نظام الأسد طوال الوقت - كما عن مزاعم وأكاذيب إعادة الإعمار ، وحث وتشجيع اللاجئين للعودة للمخيم المدمر دون أي ضمانات جدية بإعادة الإعمار، ودون ضمانات أمنية بعدم الاعتقال أو التنكيل بهم من قبل الأجهزة الأمنية للنظام وأدواته من الفصائل.

عموماً ومن تل الزعتر وضبيه وحماة إلى اليرموك والغوطة والزبداني مروراً بالبداوي ونهر البارد وبرج البراجنة، ومن سعد صايل وحسن خالد إلى جورج حاوي وسمير قصير وحمزة الخطيب وإبراهيم قاشوش وغياث مطر ونيراز وسعيد وباسل الصفدى كان القاتل والمجرم دائماً واحد، حتى لو اختلفت وتعددت الأدوات، السيرورة التاريخية تثبت كذلك أن النظام فشل في فرض الهزيمة والاستسلام على السوريين الفلسطينيين واللبنانيين، وأن كل المجازر والجرائم لن تمنع سقوطه ووجوده كجملة اعتراضية في تاريخ سوريا العظيمة الممتد والعريق.