من تحطيم الحلم إلى تحطيم الإنسان

تاريخ النشر: 21.09.2021 | 06:14 دمشق

في منتصف القرن الماضي، حصل الاستقلال الوطني لمعظم الدول العربية، استقلال دفع بالمؤسسات العسكرية حينها لتتصدر الواجهة السياسية في هذه الدول، ولتمسك بمقاليد السلطة، مرتكزة على ركيزتين أساسيتين، الأولى: هي شعارات الأيديولوجيا القومية التي هيمنت على الخطاب السياسي، والثانية: هي اشتقاق من الأولى، وأقصد قضية تحرير فلسطين، على اعتبار أن المشروع القومي العربي، لا يمكن تحققه قبل تحرير فلسطين، واعتبر مفكرو ومنظرو هذه الأيديولوجيا، أن الغايات الأساسية الأخرى كالتحرر الوطني، وبناء السيادة الوطنية والدولة الحديثة، لا يمكن الوصول إليها إلا عبر المشروع القومي.

كان من أهم نتائج المشروع القومي، وهيمنة الأيديولوجيا القومية، أن كُرِّس الاستبداد كصيغة أساسية لعلاقة السلطات العربية بشعوبها، وأن نُنحّي جانباً مشروع الدولة الحديثة، التي يرتكز أساساً على المواطنة، والقانون والديمقراطية.

جاءت هزيمة حزيران 1967م الصادمة، لتضع المشروع القومي أمام مفارقة كبرى، لم ترد الأنظمة المهزومة أن تجيب عن أسئلتها، ولا أن تحلل أسبابها الحقيقية، وأدارت ظهرها نهائياً لمسؤوليتها في بناء السيادة الوطنية بمعناها الحقيقي، وبناء الدولة الحديثة، مردّدة مقولتها أن الهزيمة ليست إلا دليلاً لا يقبل النقاش على صوابية نهجها السياسي، وموغلة أكثر في تهويل التحديات والمؤامرات، وأن ما حدث كله لم يكن إلا تآمر دولي كبير، يهدف للنيل من مشروعها.

أوصلنا تنكّر حكامنا لحقائق الهزيمة، واعتبار إسقاط سلطتهم غاية المؤامرة، وهدف الأعداء الطامعين، إلى التوغل بعيداً في الاستبداد والقمع، والذى بدوره أوصلنا إلى دول لا علاقة لها بالدولة الحديثة، دول مستبدة، متوحشة، مافياوية تقيم علاقتها مع الخارج والداخل، بدلالة وجودها في السلطة فقط.

كانت الهزائم التي تتالت في القرن الماضي نتيجة حتمية لسياسة النظم الحاكمة، ومؤسساتها الفاشلة، لكن رغم الهزائم المتتالية، والقمع السافر، والمتوحش لم تصل الشعوب للاستسلام الكامل، وبدت هزيمتها عصية، فلم تفلح هزيمة حزيران في إضعاف حضور القضية الفلسطينية في الشارع العربي، وأصبحت الثورة الفلسطينية رمزاً له حضوره العميق في وجدان شعوب كثيرة في العالم، ولم تستطع أربعة عقود من التطبيع المصري مع إسرائيل أن تغير من موقف الشارع المصري من قضية فلسطين، وكذلك في الأردن، ولم تفلح عقود من الاستبداد والتجويع والتجهيل، والتفرقة في منع هذه الشعوب من الثورة ضد طغاتها، ومن الحلم بدولة حديثة عمادها المواطنة والحرية.

اليوم، ما يتم الاشتغال عليه لتكرّيسه كخطوة نهائية قبل هيمنة "المرحلة الإسرائيلية" على كامل المنطقة وشعوبها، هو هزيمة هذه الشعوب هزيمة كاملة لا رجعة عنها، هزيمة تخرجها إلى الأبد من دائرة الحلم، والبحث عن السيادة، وامتلاك القرار.

إذاً، ما يقرب من قرن كامل من الزمن ونحن محكومون ومنهوبون ومستعبدون، إذ سرق حكامنا كل حياتنا، ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا... بحجة أن المعركة الأهم ستكون لتحرير فلسطين أولاً، وبعدها سيلتفتون إلى ما تبقى من مشكلات التنمية والتطور، وباسم فلسطين، ومقاومة الهيمنة الأميركية والمؤامرة الدولية انهارت بلداننا، ونهب اقتصادنا، امتلأت أوطاننا بالسجون، وتشردت عشرات الملايين في أصقاع الأرض بحثا عن لقمة الخبز، وأُجبرتْ كفاءاتُنا، وعلماؤنا، ومهندسونا، وكوادرنا على الهجرة.

اليوم، وبعد ما يقرب من قرن، نستيقظ على حقيقة أنّنا أصبحنا شعوبا مهمشة ومجوّعة، ومنهوبة، ومفخّخة بعشرات الألغام. شعوب تنخر فيها الطائفية، والعشائرية، والعصبيات المتطرفة المتخلفة القابلة للانفجار عندما يريدون.

اليوم، نستيقظ على حقيقة أن حكامنا الذين لم يفعلوا شيئاً، سوى ترسيخ وجود إسرائيل، يحاولون استبدال حلم الدولة القادرة، وحلم السيادة وتحرير المحتل من الأرض، ومحاربة إسرائيل بحلم آخر، حلم لا يتعدى رغيف الخبز.

في القرن الماضي كانت هزائمنا المتتالية تطول أحلامنا، أو قضايانا الكبرى إن جازت التسمية، ورغم كثرة هزائمنا وفداحتها، بقينا كشعوب نحفظ هذه القضايا في وجداننا، ونضعها في أولوياتنا. تحمّلنا عسف الحكام، ونهبهم لنا، واستباحتهم لحقوقنا بحجة أن الأولوية لهذه القضايا، وأن ما بعد تحققها سيكون لنا شأن آخر، لكننا نكتشف اليوم أن هزائمنا أكبر، وأكثر فداحة، هزائم تهدد وجودنا كشعوب وكأوطان.

كنا نعتبر هزيمة حزيران أكبر هزائمنا، وأنها أسست لكل الهزائم التي تلتها، لكننا اليوم أمام هزائم أخطر، وكما تجاهلنا عمق دلالات تلك الهزيمة، ها نحن نتجاهل دلالات هزائمنا الحالية.

لم نفهم كيف يؤسس منظر مواطنين لبنانيين، يرشون الأرز على الجنود الإسرائيليين، الذين كانوا يجتاحون لبنان 1982م لمرحلة جديدة.

لم نفهم مدى الخراب الحاصل فينا، عندما يرش مواطنون سوريون الأرزّ على الجنود الأتراك الداخلين إلى سوريا.

ولم ندرك حتى اللحظة، ماذا يعني خروج المقهورين، والمحاصرين، والجوعى ليرقصوا في الشوارع، احتفالاً ببقاء قاتلهم ومدمر وطنهم في موقع السلطة.

هل رأيتم مشهد الانتصار الإلهي الجديد، والاحتفال الكبير الذي أقامه محور "المقاومة والممانعة"؟ والذي أقام الدنيا ولم يقعدها لمشهد عشرات الصهاريج التي تنقل مادة المازوت، المخبأ من سوريا إلى لبنان في مسرحية سمجة وغبية، ولم يكن غريباً أيضا أن يضاف مشهد هذه الصهاريج إلى سجل الانتصارات الإلهية، التي تفيض على رؤوسنا منذ عقود نحن الشعوب التي منَّ الله عليها بالعيش في ظل قادة هذا الحلف، الممتد من أول متاهة الوهم إلى آخر حدود الخديعة.

غداً قد يتحفنا هذا الحلف بنصر إلهي آخر، ونرى ربطات من الخبز توزع على مواطنين جوعى، سوريين أو لبنانيين أو عراقيين أو يمنيين أو إيرانيين، وأن يخرج علينا ذو عمامة ليعلن انتصاره التاريخي الإلهي على أميركا، وإسرائيل، والغرب والدليل هو الخبز الموزع، وقد نرى أحدهم يدوس على علم أميركا، وهو يوزع أرغفة خبز على طوابير الجائعين، صارخاً بانتصار إلهي آخر.

لقد استطاعوا بعد قرن من الكذب، والمتاجرة بشعارات الوهم، أن يمسكوا بكل تفاصيل حياتنا، اليوم، يريدوننا شعوبا تستجدي لقمة خبزها، تحلم ببعض الدفء وبعض الضوء، ولا تهتم لحريتها ونهضتها وتقدمها.

اليوم، نحن نهزم كبشر، نهزم في داخلنا، في جوهر معنى علاقتنا بالبشرية في قرنها الحادي والعشرين.

اليوم نحن نهزم بما تبقى فينا، في معنى إنسانيتنا، وفي معنى وجودنا، وفي علاقتنا بالحياة.