icon
التغطية الحية

من بوغوتا إلى الجولان المحتل.. لماذا كسرت كولومبيا الإجماع الدولي؟

2026.08.12 | 17:07 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.13 | 13:03 دمشق

من بوغوتا إلى الجولان المحتل.. لماذا كسرت كولومبيا الإجماع الدولي؟
فهم قرار كولومبيا يتطلب النظر إلى التحول الأوسع الذي تشهده السياسة الخارجية منذ وصول الرئيس الجديد دي لا إسبربيلا إلى السلطة
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A

لم يحتج الرئيس الكولومبي الجديد، أبيلاردو دي لا إسبرييلا، أكثر من ثلاثة أيام في السلطة ليجعل بلاده ثاني دولة في العالم، بعد الولايات المتحدة، تعترف بسيادة إسرائيل على الجولان السوري، في خطوة كسرت الإجماع الدولي بشأن الهضبة المحتلة منذ العام 1967.

ورغم أن القرار الذي أعلنته الخارجية الكولومبية، أول أمس الإثنين، لا يغير من الوضع القانوني للجولان المحتل، ولا يمنح إسرائيل سيادة يعترف بها المجتمع الدولي، إلا أنه يوفر لها مكسباً سياسياً ورمزياً انتظرته منذ اعتراف الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال ولايته الأولى عام 2019، بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة السورية.

وقالت الخارجية الكولومبية إن القرار يستند إلى "عدم الاستقرار الإقليمي المستمر في الشرق الأوسط" و"الأهمية الاستراتيجية" للجولان المحتل بالنسبة إلى أمن إسرائيل، مؤكدة أن الاعتراف يأتي تنفيذاً لـ"التزام" اتفق عليه البلدان قبل يومين من الإعلان.

إلا أن القرار يحمل معنى أكبر من بيان الخارجية الكولومبية، فبعد أن بقي الاعتراف الأميركي بضم الجولان حالة منفردة منذ عام 2019، أصبحت إسرائيل تمتلك اليوم اعترافين رسميين بسيادتها على الجولان.

اعتراف لا يصنع سيادة

منذ احتلال إسرائيل لمعظم مساحة هضبة الجولان خلال حرب حزيران 1967، ثم فرض قوانينها وولايتها وإدارتها على المنطقة في عام 1981، رد مجلس الأمن الدولي، عبر القرار 497، الذي اعتبر بالإجماع أن الاحتلال الإسرائيلي "باطل ولاغ ومن دون أثر قانوني دولي"، بالإضافة إلى القرار 242 لعام 1967 الذي يؤكد مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب.

ولا يقتصر الأمر على مبدأ حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة، إذ تنص المادة 41 من مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول على عدم جواز الاعتراف بوضع إقليمي نشأ عن انتهاك جسيم لقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي باعتباره وضعاً مشروعاً.

ووفقاً لذلك، فإن اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، شأنه شأن اعتراف الولايات المتحدة عام 2019، لا يغير من الوضع القانوني، فالجولان ما يزال، وفق الأمم المتحدة والقواعد المعمول بها في القانون الدولي، أرضاً سورية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

من بيترو إلى دي لا إسبرييلا: انقلاب في السياسة الخارجية

لكن فهم القرار الكولومبي لا يقتصر على أبعاده القانونية، بل يتطلب النظر أيضاً إلى التحول الأوسع الذي تشهده السياسة الخارجية في بوغوتا منذ وصول الرئيس الجديد دي لا إسبربيلا إلى السلطة، الأسبوع الماضي.

فالرئيس اليميني الجديد، الذي يحمل الجنسيتين الكولومبية والأميركية، وصل إلى السلطة بعد أربعة أعوام من حكم غوستافو بيترو، أول رئيس يساري للبلاد، وفي ظل تقارب معلن مع إدارة ترامب وصعود أوسع لليمين في أجزاء من أميركا اللاتينية.

وفي خطاب تنصيبه، تعهد دي لا إسبرييلا بتغيير ملفات داخلية وخارجية عديدة، من الحرب على المخدرات والجماعات المسلحة إلى إعادة بناء التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة.

وجاءت إسرائيل في قلب هذا التحول منذ الأيام الأولى للرئيس الجديد، ففي حزيران الماضي، اتفق وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون سائر، مع نظيره الكولومبي المكلف على خارطة طريق لإعادة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية كاملة، وتعيين السفراء وإلغاء التأشيرات والعمل على نقل السفارة الكولومبية إلى القدس، في حين أعلن الرئيس الجديد رغبته في استعادة التعاون الأمني والعسكري والتكنولوجي مع إسرائيل.

ولا يقف تحول كولومبيا عند الجولان المحتل، فالحكومة الجديدة تتجه أيضاً إلى إنهاء إجراءات اتخذها بيترو في مواجهة إسرائيل، ومنها استئناف صادرات الفحم، وإعادة التعاون الأمني، والتراجع عن انخراط بوغوتا في المسار الذي تقوده جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن غزة، إضافة إلى مشروع نقل السفارة إلى القدس.

تحولات السياسة الكولومبية في الشرق الأوسط

في العام 1947، امتنعت كولومبيا عن التصويت لمصلحة قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنها اعترفت بدولة الاحتلال في شباط 1949، ثم أقامت معها علاقات دبلوماسية رسمية في تموز 1957.

وتطورت العلاقة بين الجانبين تدريجياً إلى شراكة سياسية واقتصادية وأمنية، شملت اتفاقات للتعاون الفني والثقافي منذ ستينيات القرن الماضي، ثم تعاوناً اقتصادياً وتجارياً، ومذكرات للتشاور السياسي، وصولاً إلى توقيع اتفاقية التجارة الحرة عام 2013.

لكن الجانب العسكري كان أكثر حساسية، حيث اعتمد الجيش الكولومبي لعقود على منظومات إسرائيلية، من مقاتلات "كفير" إلى بنادق "غاليل" التي حصلت كولومبيا على حقوق تصنيعها محلياً، إضافة إلى صواريخ وأنظمة استطلاع ومعدات أمنية، وعندما قطع بيترو العلاقات عام 2024، تحولت هذه التبعية العسكرية إلى إحدى أبرز القضايا المتعلقة بقدرة القوات المسلحة الكولومبية على صيانة منظوماتها واستبدالها.

ورغم العلاقات الوثيقة التي جمعت كولومبيا بإسرائيل، إلا أن بوغوتا لم تتبن تاريخياً جميع مواقفها في قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، ففي عام 2018، وفي الأيام الأخيرة من ولاية الرئيس خوان مانويل سانتوس، اعترفت كولومبيا بدولة فلسطين "دولة حرة ومستقلة وذات سيادة"، بعدما كانت آخر دولة في أميركا الجنوبية تتخذ هذه الخطوة.

وفي حزيران 2025، عززت كولومبيا هذا التوجه في عهد الرئيس غوستافو بيترو، بتعيين أول سفير لها لدى دولة فلسطين، ضمن مسار توسع بصورة غير مسبوقة تزامن مع اعتراف عالمي بدولة فلسطين.

أما العلاقات مع سوريا، فهي أقل كثافة لكنها ليست غائبة، حيث أقامت كولومبيا وسوريا علاقات دبلوماسية رسمية في أيار 1988، وما تزال الخارجية الكولومبية تسجل هذه العلاقة رسمياً.

ولعقود من الزمن، حافظت كولومبيا على قدر من التوازن بين شراكتها الوثيقة مع إسرائيل، واعترافها بالدولة الفلسطينية وعلاقاتها الدبلوماسية مع سوريا، ما يجعل اعتراف الحكومة الجديدة بالسيادة الإسرائيلية على جزء من الأراضي السورية المحتلة تحولاً غير مسبوق في السياسة الخارجية الكولومبية، وخروجاً عن النهج الذي اتبعته الحكومات السابقة في التعاطي مع قضايا الصراع في الشرق الأوسط.

عاصفة انتقادات داخل كولومبيا

أثار قرار الحكومة الجديدة في بوغوتا الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل واحدة من أولى الأزمات السياسية والدبلوماسية الداخلية التي واجهتها حكومة دي لا إسبرييلا، وزاد من حدتها توقيت القرار، حيث صدر بعد ساعات قليلة من زلزال مدمر ضرب كولومبيا، في حين كانت فرق الإنقاذ لا تزال تبحث عن ناجين وتتضح تباعاً حصيلة الكارثة.

وكتب الرئيس السابق غوستافو بيترو أن كولومبيا "تقطع مع النظام القانوني الدولي وتعزل نفسها عن العالم"، مؤكداً أن "مرتفعات الجولان تابعة للجمهورية السورية التي تربطنا بها علاقات"، ومحذراً من أن السياسة الجديدة تبعد بلاده عن العالم العربي والإسلامي.

ولم يكن موقف بيترو مفاجئاً بالنظر إلى سياسته السابقة، حيث سبق أن أعلن في أيار 2024 قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل على خلفية الحرب في غزة، وأصبحت حكومته لاحقاً من أبرز الحكومات في أميركا اللاتينية التي سعت إلى استخدام الأدوات القانونية والاقتصادية والدبلوماسية للضغط على حكومة بنيامين نتنياهو.

ولم يقتصر الهجوم والانتقاد على بيترو، بل امتد إلى أطراف سياسية وأكاديمية ودبلوماسية مختلفة، حيث اعتبرت شخصيات معارضة وأحزاب يسارية أن الحكومة منحت شرعية لاحتلال ترفضه قواعد القانون الدولي، في حين رأى أكاديميون ودبلوماسيون سابقون أن القرار يمثل خروجاً عن تقاليد السياسة الخارجية الكولومبية.

وهاجمت السياسية والناشطة والعضوة في مجلس النواب، مافي كاراسكال، القرار بعبارات مباشرة، متهمة الحكومة بتنفيذ ما تريده إسرائيل و"الاعتراف بالاحتلال غير القانوني لمرتفعات الجولان".

من جانبها، انتقدت عضو مجلس الشيوخ الكولومبي، ماريا خوسيه بيزارو، القرار، متسائلة عن جدوى فتح أزمة دبلوماسية مع الدول العربية في وقت كانت فيه البلاد تعيش تداعيات الزلزال المدمر.

وأشارت بيزارو إلى أن كولومبيا أصبحت ثاني دولة فقط في العالم تعترف بما وصفته بـ"السيادة الإسرائيلية" على مرتفعات الجولان، مؤكدة أن هناك إجماعاً دولياً على أن الهضبة جزء من الأراضي السورية.

أما تحالف "Pacto Histórico"، القوة السياسية التي خرج منها الرئيس السابق والتي أصبحت من أقوى كتل المعارضة، فأصدر بياناً قال فيه إن "إسرائيل لا تملك السيادة على مرتفعات الجولان"، وإن الحكومة تكسر القانون الدولي وتضفي الشرعية على الاحتلال.

كما انتقد نائب وزير الخارجية الكولومبي السابق، خورخي روخاس رودريغيز، قرار الحكومة، واصفاً الاعتراف بـ"السيادة الإسرائيلية" على الجولان بأنه "لا قيمة قانونية له في القانون الدولي"، مؤكداً أن الخطوة لا تغيّر الوضع القانوني للجولان، لكنها تمثل خروجاً عن الإجماع الدولي وتضع بوغوتا في مواجهة مع الموقف العربي والدولي الرافض لضم الأراضي بالقوة.

وذهبت أستاذة العلاقات الدولية الكولومبية المعروفة، أرلين تيكنر، إلى نقد القرار من زاوية موقع كولومبيا في النظام الدولي، مشددة في تعليقها على ضرورة انسجام السياسة الخارجية مع القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالجولان، ثم اعتبرت الرد العربي الواسع على القرار نتيجة متوقعة لابتعاد بوغوتا عن الإجماع الدولي.

أما رئيسة بلدية بوغوتا السابقة، كلوديا لوبيز، التي لا تنتمي إلى الحلقة السياسية الضيقة المحيطة ببيترو، فركزت انتقادها بصورة أساسية على توقيت القرار، وبعد نحو ثلاث ساعات من وقوع الزلزال تساءلت كيف يمكن أن يكون الاعتراف بالجولان أولوية لوزارة الخارجية "وسط مأساة وطنية بهذا الحجم"، مطالبة بأن تكون كولومبيا والضحايا أولوية الحكومة.

 

ماذا تريد إسرائيل؟ وماذا على سوريا أن تفعل؟

على الجانب الإسرائيلي، رحب بنيامين نتنياهو سريعاً بالقرار الكولومبي، وظهر أمام خريطة للجولان ليشكر الرئيس الجديد، مؤكداً أن الهضبة "حيوية" لأمن إسرائيل، وأن العلم الإسرائيلي سيبقى فيها مشدداً على ملكية إسرائيل لأرض المنطقة.

ومنذ سنوات يجمع رئيس وزراء الاحتلال بين حجة أمنية وأخرى تاريخية ـ دينية لتبرير الاحتفاظ بالجولان، حيث قال في 2016 إن الهضبة كانت "جزءاً لا يتجزأ من أرض إسرائيل في العصور القديمة"، مستشهداً بوجود كنس يهودية أثرية فيها، ثم أكد أن الجولان سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية بصورة دائمة.

وعندما وقع ترمب إعلان الاعتراف بضم الجولان، في آذار 2019، وصف نتنياهو الخطوة بأنها "عدالة تاريخية"، وقال إن إسرائيل استولت على الجولان في "حرب دفاع عن النفس" وإن ارتباط الشعب اليهودي بتلك الأرض يعود إلى أجيال طويلة.

ولم تكتف إسرائيل بالجولان، بل تقدمت قواتها إلى ما وراء خط فض الاشتباك والمنطقة العازلة، وأقامت احتلالاً عسكرياً في أراض سورية إضافية، وتعمل على تحويل السيطرة العسكرية تدريجياً إلى ترتيب جديد للمنطقة وتوسيع وجود بنيتها التحتية وامتداد الاستيطان المدني إلى الأراضي التي احتلتها بعد سقوط النظام المخلوع.

ورغم أن سوريا لا تملك أي وسيلة لإلغاء القرار الكولومبي، لكن يمكن مواجهة تداعياته دبلوماسياً وقانونياً، وذلك عبر عدة مسارات، أولها التمسك بقرارات الأمم المتحدة، لا سيما القرارين 242 و497، والتأكيد على أن الاعتراف الكولومبي لا يغير الوضع القانوني للجولان بوصفه أرضاً سورية محتلة.

أما المسار الثاني، فيعتمد على عمل سوريا في توسيع القضية من خلاف ثنائي مع كولومبيا بشأن الاعتراف إلى موقف عربي ودولي أوسع، بما يزيد الكلفة السياسية والدبلوماسية على أي دولة قد تفكر في اتخاذ خطوة مماثلة.

وعلى المدى البعيد، تبدو أميركا اللاتينية ساحة مهمة للدبلوماسية السورية، خاصة مع تزايد النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، إذ يتطلب منع انتقال الموقف الكولومبي إلى دول أخرى تعزيز التواصل مع الحكومات والبرلمانات والأوساط الأكاديمية والجاليات العربية والفلسطينية، فالرفض الواسع الذي واجهه القرار داخل كولومبيا يوفر أرضية يمكن لسوريا البناء عليها دبلوماسياً، ليس لإلغاء الاعتراف، بل لمنع تحوله إلى سابقة تضعف الإجماع الدولي بشأن الجولان السوري المحتل.