icon
التغطية الحية

من "بضعة أطنان" إلى 600 طن.. ما حقيقة الأرقام المتداولة في الملف النووي السوري؟

2026.08.19 | 15:52 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.19 | 16:03 دمشق

صورة أرشيفية بالأقمار الصناعية لموقع الكبر. الصورة الشهيرة التقطتها DigitalGlobe في آب 2007، وتظهر المنشأة قبل تدميرها
صورة أرشيفية بالأقمار الصناعية لموقع الكبر. الصورة الشهيرة التقطتها DigitalGlobe في آب 2007، وتظهر المنشأة قبل تدميرها
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A

أعادت زيارة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي إلى سوريا فتح ملف نووي بقي غامضاً لنحو عقدين، ومعه عادت إلى التداول أرقام كبيرة: 50 طناً من اليورانيوم، و600 طن من الغرافيت، وأحياناً 800 طن، في مقابل حديث غروسي نفسه عن "بضعة أطنان" من المواد النووية التي يجري التحقق منها حالياً.

لكن المفارقة أن أكبر هذه الأرقام لا تصف، وفق الوثائق المتاحة، مخزوناً عثرت عليه الوكالة في سوريا.

فرقم 50 طناً من اليورانيوم و600 طن من الغرافيت يأتيان أساساً من المواصفات العلمية لمفاعل يونغبيون الكوري الشمالي، الذي استخدمته الوكالة نموذجاً للمقارنة مع منشأة "الكبر"، في حين تتعلق أرقام أخرى مباشرة بموقع دير الزور أو بمواد شاهدها المفتشون في مواقع سورية مختلفة.

فما الذي عثرت عليه الوكالة فعلياً؟ وأي الأرقام يخص سوريا بالفعل؟ وكيف انتقلت مواصفات مفاعل كوري شمالي إلى التداول وكأنها حجم الإرث النووي للنظام المخلوع؟

"بضعة أطنان".. الرقم الأحدث وليس 50 طناً

خلال مؤتمره الصحفي في دمشق، تحدث غروسي عن موقع يحتوي على مواد نووية أتاحت الحكومة السورية للوكالة الوصول إليه، وقال إن الحديث يدور عن "بضعة أطنان من المواد النووية"، مضيفاً أن هذه المواد سيجري حصرها وإدخالها ضمن نظام الضمانات الدولي.

ولم يقدم غروسي رقماً دقيقاً لوزنها أو توصيفاً فنياً كاملاً لتركيبها، كما لم يقل إن الوكالة عثرت في سوريا على 50 طناً من اليورانيوم أو 600 أو 800 طن من الغرافيت.

أما طبيعة هذه المواد، فلا تزال الصورة العلنية أقل وضوحاً. فقد ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن فريق الوكالة تحقق خلال الزيارة من وجود يورانيوم معدني في موقع كشفته دمشق حديثاً، وأضافت أن غروسي زار موقعاً آخر لتخزين الغرافيت، في حين نقل "أكسيوس" قبل الزيارة عن مسؤول أميركي أن المواد الموجودة في منشأة أطلق عليها اسم "الموقع 99" تشمل "الكعكة الصفراء" إلى جانب بقايا أخرى مرتبطة بمشروع الكبر.

وهذا يعني أن التقارير الحالية تتحدث عن مواد وربما مواقع مختلفة، ولا تسمح المعطيات المنشورة حتى الآن بالجزم بأن الإشارات إلى اليورانيوم المعدني والكعكة الصفراء والغرافيت تتعلق بمخزون واحد.

ماذا نعرف يقيناً عن مفاعل الكبر؟

تقرير الوكالة لعام 2011 هو المرجع الرسمي الأهم لفهم سبب دخول مفاعل يونغبيون الكوري الشمالي في الحديث عن الأرقام السورية.

فالوكالة قالت إن أبعاد وشكل وتكوين المبنى المدمر في دير الزور كانت قابلة للمقارنة مع مفاعل مبرد بالغاز ومهدأ بالغرافيت من النوع والحجم المزعومين، وحددت مفاعل يونغبيون الكوري الشمالي، الذي تبلغ قدرته الحرارية نحو 25 ميغاواط، نموذجاً للمقارنة.

كما رأت أن البنية التحتية للمياه والتبريد والكهرباء في الموقع كانت قادرة على دعم تشغيل مفاعل من هذه الفئة، وأن نتائج تحليل العينات تشير إلى صلة بأنشطة نووية.

وبعد جمع المعلومات المتاحة لها، خلصت الوكالة إلى أن المبنى المدمر كان "على الأرجح الشديد" مفاعلاً نووياً كان ينبغي لسوريا التصريح عنه بموجب اتفاق الضمانات.

لكنها قالت أيضاً إنها لم تكن تملك معلومات كافية لتقييم طبيعة أو الحالة التشغيلية لثلاثة مواقع أخرى قيل إنها مرتبطة وظيفياً بموقع دير الزور، وهو جانب تحاول عمليات التفتيش والعينات وأعمال الحفر الجديدة استكماله اليوم.

من أين جاء رقم 50 طناً من اليورانيوم؟

الرقم لا يأتي من مخزون عثرت عليه الوكالة في سوريا، بل من المواصفات العلمية لمفاعل يونغبيون الذي قارنت الوكالة منشأة الكبر به.

فالدراسات التي أعادت بناء تصميم المفاعل الكوري تتفق على حمولة أولية تقارب 50 طناً من اليورانيوم الطبيعي، موزعة في أحد النماذج على 801 قناة وقود، تضم كل منها عشرة قضبان، بكتلة تبلغ نحو 6.24 كيلوغرامات من اليورانيوم في القضيب الواحد.

وتظهر هذه المواصفات في بحث للخبير النووي Jungmin Kang منشور عام 2011 في دورية "Science & Global Security"، كما أعيد استخدامها في دراسة منشورة ضمن أعمال الاجتماع المشترك لـINMM وESARDA عام 2021، ودراسة أحدث في مجلة "Nuclear Engineering and Technology".

إذن، رقم 50 طناً راسخ نسبياً في الأدبيات التقنية المتعلقة بمفاعل يونغبيون، لكنه لا يثبت أن النظام المخلوع امتلك الكمية نفسها في سوريا.

بل إن المعلومات الأولية التي تلقتها الوكالة بشأن منشأة دير الزور كانت تقول إن المفاعل المزعوم لم يبدأ التشغيل بعد، وإن مواد نووية لم تكن قد أدخلت إليه وقت تدميره عام 2007.

لذلك لا يمكن الانتقال من عبارة "منشأة الكبر تشبه مفاعل يونغبيون" إلى القول إن سوريا كانت تمتلك 50 طناً من اليورانيوم. الرقم يخبرنا بما يحتاج إليه مفاعل من ذلك النوع عند تحميله، ولا يخبرنا بما وصل فعلياً إلى سوريا.

وهل كانت الـ50 طناً يورانيوم مخصباً؟

لا.

الدراسات التي جاء منها الرقم تتحدث عن اليورانيوم الطبيعي، لا عن 50 طناً من اليورانيوم عالي التخصيب أو حتى منخفض التخصيب.

وتضع دراسة عام 2021 نسبة اليورانيوم 235 في وقود المفاعل عند نحو 0.71 في المئة، أي النسبة الطبيعية تقريباً، في حين تصف الدراسات وقود يونغبيون بأنه يورانيوم طبيعي معدني مغلف بسبيكة "Magnox".

وبالتالي فإن تداول عبارة "50 طناً من اليورانيوم" من دون كلمة "الطبيعي" قد يترك انطباعاً مضللاً بأن الحديث يدور عن عشرات الأطنان من مادة مخصبة أو جاهزة مباشرة لصناعة سلاح نووي، وهو ما لا تقوله الدراسات التي جاء منها الرقم.

600 طن من الغرافيت.. رقم حقيقي لكن ليس سورياً

فالدراسات التقنية لمفاعل يونغبيون تقسم الغرافيت إلى نحو 300 طن تستخدم كمهدئ للنيوترونات، و300 طن أخرى كعاكس، أي نحو 600 طن في المجموع.

إذن، للرقم أصل علمي واضح، لكنه يصف البنية التقديرية للمفاعل الكوري الشمالي المرجعي، ولا يعني أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عثرت على 600 طن من الغرافيت في موقع الكبر أو في أي موقع سوري.

أما رقم 800 طن من الغرافيت، فلم يظهر له أساس في تقرير الوكالة لعام 2011 أو الدراسات العلمية الأساسية التي راجعها موقع تلفزيون سوريا، ولذلك لا يمكن تقديمه بوصفه رقماً مثبتاً عن موقع الكبر أو مخزوناً سورياً.

843 قناة وقود.. رقم سوري هذه المرة

إذا كانت أرقام 50 و600 طن تأتي من مواصفات يونغبيون، فهناك رقم آخر يرتبط مباشرة بتقييم الوكالة للمنشأة السورية.

فبعد تحليل الصور والمعلومات المتعلقة بالمبنى المدمر، قدرت الوكالة أن قلب المفاعل المفترض في دير الزور كان يحتوي على 843 قناة وقود و79 منفذاً للوصول، وأن قدرته الحرارية ربما بلغت 25 ميغاواط أو أكثر.

وهذا الرقم صادر عن تقييم الوكالة نفسها لموقع الكبر، وليس من مواصفات المفاعل الكوري وحده.

كما أنه يفسر جانباً من المقارنة مع يونغبيون، الذي تضع الدراسات عدد قنوات الوقود فيه عند نحو 801 قناة، لكنه لا يعني أن قنوات المنشأة السورية كانت محملة بالوقود.

ولا يمكن أخذ عدد القنوات وضربه بكتلة قضبان الوقود في النموذج الكوري للخروج بكمية نهائية لليورانيوم السوري، لأن ذلك يفترض تطابقاً تفصيلياً في تصميم الوقود والتحميل لم تثبته عمليات التفتيش.

ماذا قالت الوكالة فعلاً عن الغرافيت السوري؟

قالت إن هناك مؤشرات، لكنها لم تقل إن لديها مئات الأطنان.

في تقرير عام 2011، قالت الوكالة إنها طلبت من دمشق توضيحات بشأن أنشطة شراء قامت بها جهات سورية، بينها هيئة الطاقة الذرية السورية، تتعلق بمعدات ضخ و"كميات كبيرة من الغرافيت والباريت".

وقال النظام المخلوع إن تلك المواد والمعدات كانت لأغراض مدنية وغير نووية، لكن التقرير لم يحدد وزناً للغرافيت.

أما العينات البيئية التي أخذها المفتشون من موقع دير الزور في حزيران 2008، فقد احتوت بالفعل على جسيمات من الغرافيت، إلى جانب الفولاذ المقاوم للصدأ وجسيمات من اليورانيوم الطبيعي المعالج بشرياً.

لكن جسيمات الغرافيت كانت صغيرة إلى درجة لم تسمح للوكالة بتحديد ما إذا كانت درجة نقاوتها مماثلة للنقاوة المطلوبة للاستخدام في المفاعلات.

بمعنى آخر، ما أثبتته الوكالة آنذاك هو وجود آثار من الغرافيت، وليس العثور على مخزون يبلغ 600 أو 800 طن، بل إن العينات لم تسمح حتى بحسم ما إذا كان الغرافيت من الدرجة النووية.

اليورانيوم في عينات الكبر.. جسيمات وليست أطناناً

وجد مفتشو الوكالة خلال زيارة عام 2008 عدداً مهماً من جسيمات اليورانيوم الطبيعي ذي المنشأ البشري في موقع دير الزور، أي يورانيوم تعرض لعملية معالجة ولم يكن مجرد يورانيوم موجود طبيعياً في البيئة.

وقالت الوكالة إنها لم تستطع تحديد أصل هذه الجسيمات، لكنها رأت أن احتمال أن تكون قد جاءت من الذخائر التي دمرت المبنى أو وصلت إليه عبر الانتشار الجوي، كما قال النظام المخلوع، منخفض.

وهنا يجب الفصل بين مفهومين مختلفين: العثور على عدد كبير من الجسيمات لا يعني العثور على كمية كبيرة بالأطنان.

فالعينات البيئية قادرة على كشف كميات متناهية الصغر وتحديد بصمتها الكيميائية أو النظيرية، لكنها لا تعطي بمفردها قياساً لكمية المخزون الذي كان موجوداً أو مر في الموقع.

ماذا أضافت عينات 2024 و2025؟

عززت الأدلة على وجود نشاط لمعالجة اليورانيوم، لكنها لم تحسم حجم المواد.

ففي تقرير رسمي صدر في أيلول 2025، قالت الوكالة إن تحليل العينات البيئية التي أخذتها خلال عام 2024 من ثلاثة مواقع قيل إنها مرتبطة وظيفياً بدير الزور كشف في أحدها عدداً مهماً من جسيمات اليورانيوم الطبيعي ذات المنشأ البشري.

والأهم أن بعض هذه الجسيمات كان متسقاً مع عملية تحويل مركز خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم، قبل أن تسمح الحكومة السورية الجديدة للوكالة بالوصول إلى الموقع مرة أخرى وأخذ عينات إضافية.

هذا الاكتشاف يقدم دليلاً كيميائياً أقوى على نشاط سابق في جزء من دورة معالجة اليورانيوم، لكنه لا يخبرنا بوزن المواد التي عولجت.

فمن غير الممكن تحويل "عدد مهم من الجسيمات" إلى أطنان من دون جرد مادي وقياسات ووثائق إضافية، وهو ما يفسر أهمية أعمال الجرد والتحقق التي تجري حالياً.

"الكعكة الصفراء" ليست اليورانيوم المعدني

هذا التفريق ضروري لفهم التقارير الجديدة.

"الكعكة الصفراء" هي مركز خام اليورانيوم الناتج عن معالجة الخام وتمثل مرحلة مبكرة في سلسلة تصنيع الوقود، في حين أن اليورانيوم المعدني مادة مرت بعمليات معالجة وتحويل إضافية.

ولهذا لا يصح استخدام المصطلحين كمترادفين.

وتزداد أهمية الفارق لأن "أكسيوس" تحدث عن وجود الكعكة الصفراء في "الموقع 99"، في حين ذكرت "وول ستريت جورنال" أن مفتشي الوكالة تحققوا من وجود يورانيوم معدني في موقع كشفته سوريا.

ولا تتيح المعلومات المنشورة حتى الآن الجزم بما إذا كانت الروايتان تتحدثان عن مرحلتين مختلفتين من مواد البرنامج السابق، أو عن مواد موجودة في موقعين مختلفين، أو عن توصيفات أولية تحتاج إلى حسم من الوكالة.

هل تحتاج "الكعكة الصفراء" بالضرورة إلى تخصيب كي تصبح وقوداً؟

ليس في كل أنواع المفاعلات.

فأحد الالتباسات في النقاش الحالي هو افتراض أن تحويل الكعكة الصفراء إلى وقود نووي يستلزم دائماً تحويلها إلى سداسي فلوريد اليورانيوم ثم تخصيبها بأجهزة الطرد المركزي.

هذا صحيح في مسارات إنتاج الوقود المستخدم في أنواع واسعة من المفاعلات، لكنه ليس شرطاً في المفاعل الذي قارنت الوكالة منشأة الكبر به.

فمفاعل يونغبيون يستخدم، وفق الدراسات العلمية، اليورانيوم الطبيعي في صورة معدنية ولا يحتاج إلى تخصيبه بأجهزة الطرد المركزي قبل استخدامه وقوداً.

ولا يعني ذلك أن تحويل الكعكة الصفراء إلى وقود أمر مباشر أو بسيط، إذ يتطلب قدرات للتحويل الكيميائي وإنتاج اليورانيوم بالشكل المعدني المطلوب وتصنيع عناصر الوقود.

لكنه يعني أن غياب منشأة لتخصيب اليورانيوم بالطرد المركزي لا يكفي وحده لنفي إمكانية إنتاج وقود لمفاعل من طراز يونغبيون.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية بعد العثور في عينات 2024 على جسيمات متسقة مع تحويل مركز خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم، وهي إشارة إلى نشاط في إحدى مراحل المعالجة الكيميائية، من دون أن تثبت إلى أي مدى وصلت سلسلة التصنيع السابقة.

رقم سوري مثبت تاريخياً.. مئات الكيلوغرامات في حمص

بعد توضيح معنى "الكعكة الصفراء"، تظهر في وثائق الوكالة كمية سورية موثقة بالفعل، لكنها لا تتعلق مباشرة بالمخزون المكتشف اليوم.

فقد أقر النظام المخلوع بإجراء أنشطة لم يعلن عنها سابقاً في مفاعل مصدر النيوترونات المصغر في دمشق، تضمنت إعداد عشرات الغرامات من نترات اليورانيل باستخدام كعكة صفراء منتجة في حمص.

وتوضح وثيقة الوكالة أن منشأة تجريبية لتنقية حمض الفوسفوريك أنشئت في حمص عام 1997 بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكانت الكعكة الصفراء تنتج فيها منتجاً جانبياً لعملية التنقية.

وخلال زيارة عام 2004، شاهد مفتشو الوكالة بضع مئات من الكيلوغرامات من الكعكة الصفراء في المنشأة.

وهذه كمية موثقة رسمياً داخل سوريا، لكنها لا ينبغي خلطها تلقائياً مع "بضعة الأطنان" التي يجري التحقق منها حالياً أو مع المواد المرتبطة بالموقع 99، فالمصدر والمكان والتاريخ مختلفون.

لماذا تفيد أبحاث يونغبيون إذا كانت الأرقام ليست سورية؟

لأنها تحدد ما الذي يفترض البحث عنه، لا ما ثبت العثور عليه.

فالغرافيت في هذا النوع من المفاعلات ليس مادة جانبية، بل جزء أساسي من القلب ويستخدم لإبطاء النيوترونات، في حين يستخدم اليورانيوم الطبيعي المعدني وقوداً.

ولهذا تساعد مواصفات يونغبيون الباحثين والمفتشين على فهم طبيعة المنشأة التي كان النظام المخلوع يبنيها والمواد والمكونات التي كان يفترض أن تحتاج إليها.

كما طور العلماء طرقاً لتحليل نظائر الشوائب داخل الغرافيت لمعرفة مقدار التدفق النيوتروني الذي تعرض له، ومن ثم تقدير تاريخ إنتاج البلوتونيوم في مفاعل سبق تشغيله.

لكن هذه التقنية تتطلب غرافيتاً تعرض فعلاً للإشعاع داخل مفاعل عامل. وإذا كان مفاعل الكبر لم يبدأ التشغيل، فإن العثور على الغرافيت ستكون له قيمة مختلفة: تحديد نوعه ونقاوته ومصدره وعلاقته بالمشروع، بدلاً من إعادة بناء تاريخ تشغيل لم يحدث.

ماذا تعني الأرقام إذاً؟

يمكن فصل الأرقام المتداولة وفق درجة ثبوتها على النحو الآتي:

  • "بضعة أطنان": تقدير حديث أعلنه غروسي لمواد نووية موجودة في سوريا ويجري التحقق منها، من دون إعلان وزن دقيق حتى الآن.
  • 50 طناً من اليورانيوم: حمولة أولية مقدرة من اليورانيوم الطبيعي لمفاعل يونغبيون الكوري الشمالي، وليست مخزوناً سورياً مثبتاً.
  • 600 طن من الغرافيت: نحو 300 طن مهدئ و300 طن عاكس في النموذج العلمي لمفاعل يونغبيون، وليست كمية أعلنت الوكالة العثور عليها في الكبر.
  • 843 قناة وقود: تقدير رسمي للوكالة لعدد قنوات الوقود في قلب المفاعل السوري المفترض، لكنه لا يثبت أن القنوات كانت محملة.
  • بضع مئات من الكيلوغرامات من الكعكة الصفراء: كمية شاهدها مفتشو الوكالة في منشأة حمص عام 2004، وهي موثقة ولكنها منفصلة عن المخزون الذي يجري التحقق منه حالياً.

التقرير المنتظر سيحسم ما لا تستطيع الأرقام المتداولة حسمه

المشكلة الأساسية في الأرقام المتداولة ليست أنها مختلقة جميعاً، بل أن بعضها نقل من سياقه الأصلي إلى الملف السوري وكأنه نتيجة تفتيش.

فالـ50 طناً من اليورانيوم والـ600 طن من الغرافيت رقمان لهما أساس واضح في الدراسات العلمية لمفاعل يونغبيون، لكنهما يصفان نموذجاً هندسياً استخدم لفهم منشأة الكبر.

وفي المقابل، أثبتت الوكالة في سوريا وجود جسيمات من اليورانيوم والغرافيت، وقدرت عدد قنوات المفاعل المفترض بـ843 قناة، ووثقت تاريخياً مئات الكيلوغرامات من الكعكة الصفراء في حمص، فيما وصلت اليوم إلى مواد موجودة فعلياً يمكن جردها ووزنها وتحليلها.

لذلك، فإن السؤال الحاسم لم يعد: هل يحتاج مفاعل من طراز يونغبيون إلى نحو 50 طناً من اليورانيوم و600 طن من الغرافيت؟

الإجابة عن ذلك متوافرة إلى حد بعيد.

السؤال هو: كم من هذه المواد وصل فعلياً إلى سوريا؟ وما طبيعتها الكيميائية؟ وأين كانت مخزنة؟ وهل وصلت دورة التصنيع إلى مرحلة إنتاج وقود للمفاعل؟ وما علاقتها بموقع الكبر والمواقع الأخرى؟

الإجابات التي ستنتج عن عمليات الجرد والتحليل الجديدة هي التي ستفصل للمرة الأولى بين الأرقام التي تصف نموذجاً لمفاعل كان النظام المخلوع يسعى إلى بنائه، وبين الحجم الحقيقي للإرث النووي الذي تركه داخل سوريا.