من "انتخاب" السيسي إلى "بقاء" الأسد

تاريخ النشر: 01.04.2018 | 11:04 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 02:40 دمشق

تلفزيون سوريا - يوسف بزي

تسنّى لي أن أتابع ميدانيا الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2014. حينها، كانت قد اختفت الطوابير اللانهائية للمقترعين في الاستفتاءات والانتخابات المتلاحقة التي تلت ثورة 2011.

في اليوم الأول، لم يذهب إلى انتخاب المشير عبد الفتاح السيسي إلا فئات محددة من المواطنين: نسبة كبيرة من المتقاعدين، وحضور واضح لسيدات البيوت في الأحياء الشعبية، وطبعاً رجال الأعمال الذين يشكلون رقماً هزيلاً من السكان.

أصيبت السلطات بالحيرة، فـ"القائد المنقذ الذي خلص مصر من الإخوان" لا يجد في نفوس "رعاياه" حماسة لما سُمّي حينها "رد الجميل". بدأ الإعلام حملة مسعورة للتشجيع على الاقتراع. شعار "انزل" الذي تبنته شاشات التلفزيون والحملات الدعائية بدا كأمر عسكري زاجر ومهدد. لكن ورغم قرار الحكومة أن يكون اليوم الثاني عطلة رسمية، لتحفيز المواطنين على المشاركة، أتت النتيجة مخيبة، وبقيت مراكز التصويت خالية تقريباً، على الرغم من تمديد الوقت حتى العاشرة ليلاً. كان واضحاً أن قرار مقاطعة الانتخابات يسيطر على المزاج المصري العام.

في المساء، أصدرت الحكومة قراراً بتمديد التصويت يوماً إضافياً، ومن دون عطلة رسمية. هكذا، قادت أجهزة الدولة في اليوم الثالث، ترهيباً وترغيباً، كتلة الموظفين وجسمها البيروقراطي الضخم إلى صناديق الاقتراع.

رغم ضعف المشاركة والمشهد المحرج، فاز المشير عبد الفتاح السيسي عام 2014 بمنصب رئاسة الجمهورية، وبنسبة قاربت 97 في المئة من أصوات المقترعين. أما المرشح الآخر، حمدين صباحي فنال 3 في المئة! 

من غير المعروف العدد الحقيقي للمقترعين المصريين هذا العام. فالسلطة لم تكرر خطأ عام 2014، وتترك مصر مفتوحة لمجيء الصحافيين والإعلاميين من كل أنحاء العالم. وطبعاً، ما من أثر في الداخل المصري لتلك الجمعيات والمؤسسات المدنية المستقلة التي تراقب العملية الانتخابية. لكن، في مطلق الأحوال، ولأن طابع هذه الانتخابات هو مجرد "استفتاء" أو "مبايعة" للرئيس نفسه، فمن المرجح أن أعداد المقترعين كانت قليلة، قياساً بكل الانتخابات السابقة.

لذا، وعلى منوال الماضي القريب، تكرر المشهد المصري وفاز السيسي بالانتخابات لفترة رئاسية جديدة، بنسبة مئوية مماثلة، وخالدة في التاريخ السياسي العربي. تكرر أيضاً الإجراء الفظ والشرس في إقصاء كل مرشح معارض، وكل شخصية سياسية منافسة. ما من أحد في دولة المئة مليون مواطن يستحق أن يترشح للرئاسة إلا هذا الرئيس الأوحد. 

الدولة "العميقة" في مصر تطمئن اليوم لاستمرار السلالة العسكرية الحاكمة منذ العام 1952

يمكن القول إن الدولة "العميقة" في مصر تطمئن اليوم لاستمرار السلالة العسكرية الحاكمة منذ العام 1952، وأن صفحة أعوام 2011 – 2013 وما حملته من وعود وتحولات وتجارب قد دفنت تحت طبقة سميكة من القمع والترهيب والتسلط، إما بالعنف العاري والمباشر، أو عبر إعادة تثبيت شبكة المصالح ومصادر الثروة والاسترزاق وفق قواعد الولاء للنخبة الحاكمة.

ليس السيسي وحده من حقق هذا الإنجاز. المنظومة العربية بأسرها تعاضدت سوية لتجاوز تلك "الفترة العصيبة"، المسماة "الربيع العربي" وثوراته. إخضاع الشعوب وإعادتها إلى بيت الطاعة وسجونها الكبيرة، حدث بجهد هائل ومقدرة لامتناهية على الترويع وعلى اقتراف حمامات دم في طول البلاد وعرضها. لقد أنفق النظام العربي تريليونات المال والسلاح والإعلام لسحق هذه الانتفاضات. 

النظام العربي يقترح على الليبيين إما الضابط العسكري خليفة حفتر وإما الحرب "الأهلية" المفتوحة، بل وقد يتحول ترشح سيف الإسلام القذافي لرئاسة ليبيا من مجرد "إعلان وقح" إلى واقع سياسي يفرضه اليأس والموت اليومي. 

لم يجافِ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الحقيقة عندما قال إن الخيار في اليمن هو "إما السيئ أو الأسوأ"، فإيران والدول الخليجية نجحت معاً في الانقضاض على الثورة، قبل الانقضاض على بعضهم بعضاً في حروب متناسلة ومتداخلة، حيث الكوليرا والمجاعة والغارات والصواريخ ستتكفل في نهاية المطاف في تسليم اليمنيين لأي "قائد منقذ" على شاكلة عبد الملك الحوثي أو أحمد علي عبدالله صالح. 

الجزائريون سبقوا الجميع وتعلموا الدرس المرير، وشربوا الكأس المسمومة في "العشرية السوداء" بالتسعينيات. فطلب الديموقراطية وتهديد أبدية الحزب الحاكم، أودى بالبلاد إلى مذبحة. فإما التجديد للحزب المؤبد وللرئيس المديد إلى ما لا نهاية وإما جحيم الإرهابيين الإسلاميين. معادلة ستثبت نجاحها في الدول الأخرى مجدداً، بعدما ظن الجميع في عام 2011 أنهم كسروا الخوف وتغلبوا على هذا الابتزاز التاريخي.

لا شك أن المشهد العربي، وخصوصاً المصري، يسبب "نشوة" في نفس بشار الأسد.

لا شك أن المشهد العربي، وخصوصاً المصري، يسبب "نشوة" في نفس بشار الأسد. فهو وبرعاية القوة الروسية – الإيرانية، قارب على إنجاز وعده بالسحق العسكري لسوريا كلها، شعباً وعمراناً. وباسم الواقعية السياسية، أو بحوافز الاستثمار الاقتصادي البحت ومشاريع إعادة الإعمار المربحة، يتوقع الأسد "المنتصر" والرئيس المتجدد أن يلاقيه النظام العربي قريباً. إنه الحلقة الأخيرة لاكتمال الدائرة التي دارت على ثورات الشعوب العربية وهبّاتها.

في لحظة إعادة انتخاب السيسي، استقبلت سلطنة عُمان وزير خارجية الأسد، وليد المعلم، في زيارة تحمل معنى أكيداً: بداية تطبيع علاقات النظام السوري مع دول الخليج. حدث هذا بالتزامن أيضاً مع الزيارة السرية لرئيس المخابرات علي مملوك إلى إيطاليا، بما تعنيه من إعادة فتح قنوات "التعاون الأمني"، الممهد للتطبيع السياسي مع بعض الدول الأوروبية.

توّج ولي العهد السعودي هذا المسار بقوله لمجلة "تايم"، قبل يومين: "بشار باق، لكن أعتقد أنه من مصلحة بشار ألا يدع الإيرانيين يفعلون ما يحلو لهم". قوة هذا التصريح تنطوي على "قبول" سعودي واضح بالديكتاتور السوري من جهة، وعلى "عرض" سعودي ضمني له بمكافأته إن هو ابتعد عن حليفه الإيراني. والأهم أن ولي العهد محمد بن سلمان، يسوّق هذا الطرح للرأي العام الأميركي.

على إيقاع الرقص فوق جثة التاريخ، وفوق مقبرة ملايين الضحايا، وأمام الموت السريري للمستقبل، سيضمن النظام العربي ليس فقط انتخاب السيسي وبقاء بشار الأسد.. بل أيضاً استعصاء الحرية والديموقراطية في هذه المنطقة من العالم إلى أمد غير منظور.