في شوارع دمشق، حيث تختلط أصوات الباعة والمارة، لا تقتصر قصص الكفاح على مهن محددة، ولا تفرق بين الرجل والمرأة، بل تمتد إلى كل زاوية حيث تواجه النساء واقعاً اقتصادياً صعباً يجبرهن على البحث عن فرص عمل، بغض النظر عن اختصاصاتهن أو أحلامهن السابقة.
كسر الصورة النمطية
لم يكن سهلاً على صبا الخالدي، الخمسينية التي تعمل في تنظيم صف السيارات أمام فندق الشام، أن تجد قبولاً سريعاً لعملها. بين نظرات الاستغراب والتعليقات المشككة، واجهت تحدياً يومياً.
"كل يوم أسمع عبارات مثل (هذا ليس عمل النساء)، لكنني اخترت أن لا أستمع إلا لما يدفعني للأمام"، تقول بثقة، في حديثها لموقع " تلفزيون سوريا" وهي تمسح العرق عن جبينها.
بدورها، راوية الأبوات، فقد قررت بيع المشروبات الساخنة في حي المزة جبل، متحدية نظرة المجتمع إلى عمل المرأة في الأماكن العامة. تتحدث عن تجربتها لموقع "تلفزيون سوريا": "لم أكن أتوقع أن أعمل هنا يوماً، لكن الحاجة دفعتني إلى البحث عن أي فرصة تساعدني على إعالة أسرتي".
العمل رغم العقبات
وبحسب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لعام 2023، ارتفعت نسبة النساء العاملات في النشاط الاقتصادي إلى 50%، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في قيم العمل داخل المجتمع. ورغم هذه النسب المرتفعة، فإن متوسط الدخل الشهري للنساء العاملات في مؤسسات الدولة لا يتجاوز 40 دولاراً أميركياً، أي ما يقارب 400 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ بالكاد يصل إلى خط الفقر، خاصة في ظل التضخم الذي بلغ 800 بالمئة مع نهاية العام الماضي، ما جعل الظروف الاقتصادية أكثر صعوبة بالنسبة للعاملات، خصوصاً اللواتي يعِلن أسرهن.
وتشير بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى أن 15 بالمئة من النساء العاملات في سوريا هنّ من الأميات أو الملمات بالقراءة والكتابة، في حين ترتفع النسبة إلى 40 بالمئة بين خريجات المعاهد المتوسطة و35 بالمئة بين خريجات الجامعات. هذه الأرقام تؤكد أن ارتفاع مستوى التعليم لدى المرأة يزيد من فرص دخولها إلى سوق العمل، ما يجعله عاملاً رئيسياً في إدماج النساء في عملية التنمية الاقتصادية.
منيرة الهاشم، خريجة معهد فنون نسوية، اضطرت للعمل في بيع الملابس الأوروبية المستعملة "البالة"، بعد سنوات من البحث عن وظيفة تناسب تخصصها من دون نجاح. وتعلق على تجربتها بقولها: "الأهم أن أجد مصدر دخل يساعدني في تأمين احتياجاتي، بغض النظر عن طبيعة العمل".
نساء في مهن غير تقليدية
في سوق الهال، حيث تتعالى أصوات المزايدات بين التجار، تتحرك أم فؤاد بين الصناديق الثقيلة، ترفعها كما يفعل الرجال من حولها، متحدية تعب الجسد وثقل الأحمال.
"بدأت العمل هنا بعد وفاة زوجي، كان عليّ أن أختار إما الجلوس وانتظار المساعدة، أو الوقوف والعمل بيدي"، تقول في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا" بصوت يحمل شجاعة امرأة لم تقبل الهزيمة.
لم يكن الأمر سهلاً، خاصة أن بعض العمال استغربوا وجودها بينهم. "سمعت الكثير من التعليقات، البعض يقول لي إن هذا ليس عملًا يناسب امرأة، لكن الحاجة أقوى من الكلمات"، تضيف بابتسامة منهكة ومع مرور الوقت، اكتسبت احترام من حولها، حتى أصبح وجودها في السوق مألوفاً.
الوضع الاجتماعي للمرأة العاملة
تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 15 بالمئة من العاملات متزوجات، و25 بالمئة لم يسبق لهن الزواج، أما الحالات الأخرى من الأرامل والمطلقات فتشكل 54.5 بالمئة من مجموع العاملات، مما يعكس ارتفاع نسبة النساء المعيلات اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن بشكل مباشر، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.
وتبلغ أعلى نسبة للقوة العاملة النسائية في المحافظات الزراعية، وعلى رأسها دير الزور بنسبة 45 بالمئة، في حين تنخفض في المدن الكبرى مثل دمشق إلى 20 بالمئة. ويرجع ذلك إلى ارتفاع نسبة النساء العاملات في القطاع الزراعي في المناطق الريفية، مقابل فرص عمل أكثر تنوعًا لكن محدودة في المدن.
أما في عالم الأعمال، فلا تتجاوز نسبة سيدات الأعمال 6 بالمئة، في حين تصل نسبة النساء اللواتي يعملن لحسابهن الخاص إلى 12 بالمئة، مما يعكس تحديات ريادة الأعمال أمام النساء في سوريا، حيث تواجه المرأة صعوبات في الوصول إلى التمويل والدعم التقني اللازم لمشاريعها المستقلة.
تكشف هذه الإحصائيات عن دور متنامٍ للمرأة السورية في الاقتصاد، خاصةً في ظل المتغيرات التي فرضتها السنوات الأخيرة. ورغم العقبات، ما يزال حضور النساء في سوق العمل يشهد نمواً ملحوظاً، سواء في القطاعات التقليدية أو المجالات الجديدة التي بدأت المرأة السورية باقتحامها تدريجياً.
دخولهن مجالات جديدة
تؤكد دكتورة أمينة الحاج، اختصاص علم الاجتماع، أن الحديث عن إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع بعد التحرير لا يمكن أن يتم من دون الاعتراف بالدور الجوهري الذي تلعبه المرأة السورية في هذه العملية.
وتقول الحاج، في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا": إن "النساء لم يكنّ فقط ضحايا للصراع، بل كنّ شريكات في الصمود وإعادة الإعمار، حيث انخرطن في مختلف القطاعات الاقتصادية، من الزراعة والصناعة إلى المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال، إضافةً إلى دخولهن مجالات جديدة لم تكن مألوفة سابقاً مثل البناء، التمديد الكهربائي والصحي، وقيادة سيارات الأجرة".
وتشير المتخصصة بعلم الاجتماع إلى أن نسبة النساء العاملات في النشاط الاقتصادي ارتفعت بمقدار 50 بالمئة، وهو مؤشر على تحول إيجابي في قيم العمل داخل المجتمع، وعلى قدرة المرأة على التكيف مع الظروف المستجدة رغم جميع التحديات.
كما أن الشريحة الأكبر من النساء العاملات اليوم تقل أعمارهن عن 30 عاماً، مما يعكس وجود قوة عاملة فتية تحتاج إلى برامج دعم وتأهيل لضمان استدامة مشاركتها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
مخاطر العمل والتنازلات المفروضة
ورغم هذا التحول، تؤكد المتخصصة بعلم الاجتماع أمينة الحاج أن التحديات لا تزال قائمة، إذ تواجه النساء صعوبة في الوصول إلى التمويل والدعم التقني، خاصةً في المشاريع الصغيرة، بالإضافة إلى عدم التساوي في الأجور مقارنةً بالرجال، مما يجعل الحاجة إلى سياسات أكثر إنصافاً ضرورة لضمان أن تكون المرأة جزءاً فعالاً في مستقبل سوريا الاقتصادي.
وتضيف الحاج: "رغم توفر فرص العمل، فإن معظمها محفوف بالمخاطر والتنازلات التي اضطرت النساء إليها نتيجة غياب المعيل، مما جعلهن عرضة للعمل في بيئات غير آمنة أو وظائف غير مستقرة".
التغيرات في بيئة العمل
وتوضح الحاج أن بعض الشركات باتت تفضل توظيف النساء على الرجال، حيث يرى أصحاب العمل في الشابات خياراً أكثر استقراراً، ما دفع بعض الأسر إلى السماح لفتياتها بالعمل رغم التحديات، نتيجة الظروف الاقتصادية القاسية وارتفاع الأسعار.
لكن في المقابل، دخلت النساء إلى مجالات جديدة كان يُنظر إليها سابقاً على أنها مهن حكر على الرجال، مثل العمل في البلدية، البناء، التمديدات الكهربائية والصحية، وحتى قيادة سيارات الأجرة، وهي وظائف، وإن كانت توفر فرصة للاستقلال المالي، إلا أنها تضع ضغطًا إضافيًا على المرأة من حيث الأعباء الجسدية والنفسية.
ترى الحاج أنه بعد انتشار هذه الظاهرة، أصبح من الضروري تفعيل منظومة "التوجيه والإرشاد المهني"، بحيث تحصل النساء الراغبات في العمل على إرشاد واضح بشأن الفرص المتاحة، إضافةً إلى نشر وعي مجتمعي بشأن هذه التغيرات.
ووفقاً للمتخصصة بعمل الاجتماع، فإن البرامج التي وضعتها الجهات المعنية ما تزال إلى الآن شبه غائبة عن وسائل الإعلام المحلية، ولا توجد مراقبة دقيقة للحراك الاجتماعي تجاه هذه الظاهرة أو جهود فعلية لوضع حلول، مما يجعل الحاجة إلى سياسات أكثر وضوحاً لحماية المرأة العاملة وتوفير بيئة آمنة لها".
التحديات والفرص
تواصل النساء كتابة حكاياتهن الخاصة، ليس بالكلمات فقط، بل بالصبر والإرادة التي لا تعرف الانكسار، على أمل أن يكون لهن دور أساسي في التنمية الاقتصادية بعد سنوات من المعاناة ما قبل التحرير.
ومع تزايد الأزمات الاقتصادية، أصبح تمكين المرأة أمراً لا غنى عنه، مما يستدعي سياسات أكثر عدلاً ودعماً لوجودها في جميع القطاعات، حتى لا يتحول العمل من فرصة للاستقلال إلى عبء يهدد كرامتها وظروفها الاجتماعية.
اليوم، ومع عودة الاستقرار التدريجي، تتجه الأنظار إلى إعادة بناء اقتصاد أكثر شمولاً، يكون فيه للمرأة دورٌ رياديٌ وليس هامشياً، فتكون شريكة في نهضة الوطن، لا مجرد متفرجة على مجرياته.


