icon
التغطية الحية

من المكسيك إلى ألبانيا.. خرائط جديدة لمعالجة طلبات اللجوء

2024.11.26 | 11:37 دمشق

آخر تحديث: 2024.11.26 | 11:48 دمشق

مهاجرون من دول مثل نيكاراجوا وبيرو والإكوادور وكولومبيا وفنزويلا وجمهورية الدومينيكان يتجمعون معًا لعبور نهر ريو غراندي
مهاجرون من دول مثل نيكاراجوا وبيرو والإكوادور وكولومبيا وفنزويلا وجمهورية الدومينيكان يتجمعون معًا لعبور نهر ريو غراندي
The Times- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تهريب البشر والهجرة غير الشرعية: يُعتبر وقت الفجر الأمثل لعمليات تهريب البشر، حيث يتم نقل المهاجرين غير الشرعيين عبر شاحنات بلا لوحات. تواجه الولايات المتحدة تحديات مع المهاجرين غير الشرعيين، مع خطط لترحيل جماعي تحت إدارة ترامب.

- السياسات الأمريكية تجاه الهجرة: انخفضت أعداد المهاجرين في عهد ترامب بسبب تشديد القوانين، بينما زادت في عهد بايدن مع تخفيف القيود. يخطط ترامب لعمليات ترحيل واسعة، مما يثير جدلاً سياسياً.

- التأثيرات العالمية والتغيرات المناخية: تتبنى أوروبا سياسات صارمة تجاه الهجرة، مستلهمة من نهج ترامب. التغيرات المناخية تزيد من أعداد النازحين، مما يفرض تحديات جديدة على الدول الغربية.

يعد أفضل توقيت لبدء عملية تهريب البشر ما بين الساعة الثالثة والرابعة فجراً، أي تلك الفترة التي يسميها الروس بساعة الذئاب، إذ عند حلولها، وبكل ما يعتريهم من إنهاك ونعاس، يساعد المهاجرون غير الشرعيين أولادهم على ارتداء ملابسهم ببطء ثم تحملهم شاحنات من دون لوحات عبر الشوارع الخاوية تقريباً لتصل بهم إلى النقطة التي ستبدأ منها مرحلة العبور.

شرح شرطي بولندي عمل في هذا السلك خلال ثمانينيات القرن الماضي هذه العملية وهو يتحدث عن آليات القانون العرفي، الذي تنتشر معه حالات الاعتقال والتوقيف في معظم أنحاء البلد، ناهيك عن جلسات الاستماع السريعة التي تعقد في المحاكم، وبعدها السجن أو الترحيل القسري، إذ كان الخارجون على القانون وقتئذ من الناشطين الذين يدعمون حزب التضامن بالسر في بولندا، أما اليوم، فهنالك عملية مماثلة تنتظر المهاجرين الموضوعين على القائمة السوداء في الولايات المتحدة.

ولعمليات الترحيل الجماعية أجواء مرعبة تحيط بها، تبدأ بطرقة قوية على الباب في منتصف الليل كما كان يحدث في الظلام خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، أي تلك الحقبة التي سادت فيها ظاهرة الحقائب التي تبقى معدة للسفر على الدوام، ولكن هل هي جاهزة من أجل العودة؟

في حال التزم دونالد ترامب بكلامه، فإن الولايات المتحدة ستبدأ تلك الموجة في الحادي والعشرين من كانون الثاني من العام المقبل، أي بعد أول يوم على تنصيبه رئيساً، وستتطلع لما يفعله أوروبا كلها وليس فقط تلك الدول التي يحكمها اليمين المتطرف، وستتعلم منه ولعلها قد تتبنى نهج ترامب نفسه في قمع الهجرة. ولكن، هل ستحث نظم الهجرة التي تعاني من عيوب الغرب على تبني نموذج الدولة الأمنية؟

"ابتعدوا عن الطريق بحق الجحيم!"

يستغل ترامب الفترة الانتقالية بكفاءة واضحة بشكل غير معهود، فقد كان من أوائل الذين عينهم في مناصبهم قيصر الترحيل توم هومان، الذي رأس وكالة فرض القانون على المهاجرين وهو مسؤول حالياً عن تنفيذ مخطط كبير يهدف لبناء مراكز احتجاز جديدة، واسعة ومحصنة، مخصصة للمهاجرين غير الشرعيين، ولهذا لا بد أن تظهر موجات لتلك الاقتحامات في المدن الأميركية.

أما الحاكمون الديمقراطيون الذين يحاولون قطع الطريق على ترامب فقد حذرهم الشرطي السابق هومان بقوله: "ابتعدوا عن الطريق بحق الجحيم!"، فالتعهد الذي صدر خلال ولاية ترامب الأولى ببناء جدار مزود بتقنيات عالية يمتد على الحدود الجنوبية للولايات المتحدة مع المكسيك، سيصبح محل تشريف وتبجيل، كما سيجري إحياء وتعزيز الخطة التي وضعت خلال ولاية ترامب الأولى والتي تهدف لإبقاء المهاجرين على الحدود في المكسيك أثناء معالجة طلبات لجوئهم.

انخفضت أعداد المهاجرين بشكل كبير خلال السنة الأولى من ولاية ترامب الأولى، ويعود أحد أسباب ذلك لتشديده قواعد الدخول إلى البلد، وكذلك بسبب تباطؤ النمو الاقتصادي بسبب تفشي كوفيد، أما بايدن فقد ألغى القواعد الجديدة، فاتهمه مسؤولون أمنيون متشددون كانوا يعملون لدى ترامب هو ونائبته كامالا هاريس بإبقاء الحدود بلا دفاع.

وعند وصول بايدن إلى الحكم أصدر عدداً كبيراً من البطاقات الخضراء التي تتيح لحاملها العمل في الولايات المتحدة، وبذلك دخل الولايات المتحدة فوج كبير من حملة التأشيرات المخصصة لغير المهاجرين، وازداد عدد العمال المهرة في البلد، كما عبرت موجة كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين اقترب عددهم من مليونين وأربعمئة ألف الحدود الجنوبية للولايات المتحدة خلال العام الماضي، وهؤلاء لا يحملون أية وثائق على الإطلاق.

حركة ترامب التصحيحية

أي أن عدد المهاجرين الذين يعيشون في الولايات المتحدة بشكل غير شرعي قد وصل إلى 11-13 مليوناً، على الرغم من أن فريق ترامب يدعي بأن العدد أكبر من ذلك بكثير، إذ في خطابات حملة دي جي فانس المرشح للفوز بمنصب نائب الرئيس، اقترب عددهم من 25 مليوناً، والآن، ومع عودة ترامب، اقتربت الحركة التصحيحية الكبرى، وقد يعني ذلك صرف المليارات على البنية التحتية والقوى العاملة برأي هومان الذي يرى بأن تلك المبالغ ما تزال تعتبر توفيراً في "المليارات والمليارات من الدولارات التي تنفق على استقبال الغرباء غير الشرعيين وعلى الرعاية الطبية والمشافي التي يتعالجون فيها، وعلى تعليمهم، إلى جانب كل الأموال التي ننفقها على الفنادق لإيوائهم"، أما الجائزة الكبرى التي لا تقدر بثمن فسوف تكون من نصيب الأمن القومي عبر استعادته للسيطرة على الحدود.

يبدو ترامب كمن أعطي الثقة فيما يخص الحدود، تلك الثقة التي حرمت منها هاريس، وهذا ما ساعد في حسم تصويت الشعب نظراً لوجود إجماع وطني على مسألة تحصين الحدود، إذ مع اقتراب انتخابات 2024، شدد بايدن القيود على الحدود، واستعان بالأوامر التنفيذية لحل جوانب معينة من المشكلة، لكن الأوان كان قد فات، فلم يخلق بايدن من خلال ذلك أي تأثير على الانتخابات.

القدامى لا يريدون الجدد

كان الناخبون قد لاحظوا قبل كل ذلك بأن بايدن يفضل اللجوء إلى أسلوب التراخي بالنسبة لضبط الحدود، وذلك لأنه يعتقد بأن ذلك سيضمن له الشعبية بين أوساط الناخبين الذين تعود أصولهم إلى أميركا اللاتينية، غير أن أسلوبه في التخطيط الاستراتيجي كان كسولاً، وذلك لأن المهاجرين الشرعيين الذين يعيشون على أجور ورواتب متدنية شعروا بالخطر عند قدوم موجة كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين لم يقف في وجهها شيء، بما أن هؤلاء يرغبون بالعمل بجد أكثر منهم ولفترات أطول من فترات دوامهم بأجور أزهد من أجورهم، ليتبين بأن القدماء من المهاجرين لديهم مصلحة في إبعاد القادمين الجدد عن الساحة.

أما الجيل الثاني من المهاجرين والذي أسس نفسه في البلد فقد عمل على خلق توازن دقيق للتعددية الثقافية، والموجة الجديدة من المهاجرين حرفت هؤلاء عن صعودهم نحو الأعلى، كما أقلقت أمنهم الخاص الذي أتى بعد عقود من الاندماج، ما يعني بأن العمال من ذوي الدخل المحدود في السويد وشرقي ألمانيا لم يكونوا وحدهم في تصويتهم للأحزاب المعادية للهجرة، بل كان معهم أي شخص يمقت الوافدين الجدد الذين يستفيدون من نظام الخدمات الاجتماعية السخي الذي بقي غيرهم يرفدونه بالمال طوال عقود.

والرجل الذي فهم هذا الأمر، واستفاد منه في الحملة الانتخابية التي أقيمت بالولايات المتأرجحة، كان ستيفين ميلر أحد المتشددين في معاداة المهاجرين، والذين عينه ترامب نائباً لقائد الأركان، وكان إلى جانب الرئيس خلال فترته الرئاسية الأولى وساعده في عام 2017 بصياغة خطاب تنصيبه الذي عرف بعنوان: "المذبحة الأميركية" واتسم بالغرابة والتبشير بمستقبل تعيس ينتظر البلد، وكان لهذا الرجل يد في فرض منع للسفر على القادمين من دول ذات أغلبية إسلامية، ويبدو بأنه كان مؤيداً لفكرة فصل الأطفال المهاجرين عن ذويهم التي طرحها هومان، وتعهد بـ"إجراءات أشد صرامة تفوق كل التخيلات ستطبق على مدار أربع سنوات قادمة".

متطلبات جديدة

يمثل ميلر وهومان ووزيرة الأمن القومي الجديدة كريستي نويم عصابة ثلاثية صاحبة نفوذ كبير وتعمل على توجيه الأولويات الداخلية لإدارة ترامب، بيد أن جهاز الترحيل القادر على تنفيذ مليون عملية طرد يحتاج إلى دعم دبلوماسي، ولهذا يستعد وزير الخارجية الجديد، ماركو روبيو، لعقد صفقة عسيرة مع المكسيك فيما يخص مراكز الاحتجاز الجديدة.

لابد من تشييد أبنية واسعة باهظة التكاليف ووضع مشروع هندسي لإنشاء الجدار الذي وعد به ترامب قبل سنين طويلة، ولإقامة حصن لاحتجاز من يلقى عليه القبض عند الحدود، إذ إن منظومة السجون الأميركية بأكملها، ابتداء من السجون المقامة في المقاطعات وصولاً إلى السجون الفيدرالية، بوسعها أن تؤوي مليوناً وتسعمئة ألف سجين، ما يعني بأن جدران تلك السجون لابد أن تضيق على الآلاف من المرحلين المحتمل لهم القدوم إلى هذا البلد، ولذلك ارتفعت أسهم الشركات الخاصة المعنية ببناء السجون لتصل إلى عنان السماء.

كما لا مناص من وجود وزارة عدل تركز على مسألة الترحيل ومتأهبة للدفاع عن قرارات ترامب ضد أي اتهام لها بخرق الحقوق المدنية أو حقوق الخصوصية، كما أن هذه العملية بحاجة لجنود حتى ينفذوا عملية النقل، ويرى ميلر بأن خفر الحدود الوطني القادم من الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون يجب أن يفرز لأداء مهمة حراسة الحدود، إلى جانب تعقب المهاجرين ومطاردتهم والطرق على أبوابهم بغية مداهمتهم في بيوتهم، ومن المرجح لذلك أن يثير تحفظات قانونية في الولايات التي يديرها ديمقراطيون، ولهذا فإن تلك العمليات ستحتاج إلى مستويات غير مسبوقة من المراقبة الرقمية.

ولكن في حال رغب ترامب بالاستعانة بالجيش بشكل موسع، فعندئذ يتعين عليه الاستعانة بقانون الأعداء الأجانب الصادر عام 1798، وذلك بحسب رأي آندرو سيلي رئيس معهد سياسات الهجرة، كما بوسعه الاستعانة بقانون التمرد الصادر في عام 1807 وذلك في حال لم يكن رجال الشرطة في الولاية على مستوى المهمة وفي حال رغبة ترامب بنشر جنود أميركيين على الأراضي الأميركية، كما قد يتطلب الأمر تدخل مكتب التحقيقات الفيدرالي وذلك للقضاء على مهندسي العمليات الإجرامية ومهربي البشر.

تطبيع الترامبية في أوروبا

يشير برنامج الترحيل الذي يشمل مليوني نسمة والذي يتبناه ترامب إلى وجود بداية أكثر تنظيماً من تلك التي شهدناها مع ولايته الأولى، إذ أصبحت الترامبية أمراً طبيعياً في أوروبا، بوجود عدد كبير من الحكومات الائتلافية من اليمين المتشدد ويمين الوسط والتي تعرضت لضغط حتى تطبق سياسات أشد بالنسبة لقمع موجات الهجرة والحد منها، فلقد بدأ اليساري من الوسط كير ستارمر ولايته برفض خطة المحافظين الساعية لترحيل من لم يقبل طلب لجوئهم إلى رواندا، فاكتشف بأن زميله المستشار الألماني أولاف شولتز من يسار الوسط والذي يعاني من ضغط كبير هو أيضاً، أصبح متحمساً فجأة لهذه الفكرة التي رفضها هو، ولو كان ذلك لمجرد حماية نفسه من الانتقادات التي وجهها له حزب البديل من أجل ألمانيا المعروف بنزعته القومية المتطرفة.

هذا ويؤيد من يفضلهم فريق ترامب من الأوروبيين، وهم رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان ورئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني فكرة إقامة "مراكز للإعادة" خارج الاتحاد الأوروبي، أي مراكز خارجية تعمل على معالجة طلبات لجوء المهاجرين الذين تم اعتراضهم والقبض عليهم مع تجهيزهم لعملية الترحيل، فلقد عقدت ميلوني صفقة مع إيدي راما رئيس وزراء ألبانيا، وتهدف إلى تشييد مركز يقع شمالي العاصمة تيرانا حتى يقوم في نهاية الأمر بمعالجة عمليات ترحيل 36 ألفاً من المهاجرين بصورة سنوية، غير أن القضاة الإيطاليين قطعوا الطريق على هذه الخطة التي تعتبر معتدلة نسبياً.

بيد أن ميلوني احتفظت بحق إعادة المهاجرين الآتين من 19 دولة تعتبرها إيطاليا آمنة، فطعن القضاة بتقديرات الحكومة تجاه ما تعتبره دولاً آمنة، وأحالوا القضية إلى محكمة العدل الأوروبية، وهذا ما أرجأ البت في القضية لسنة وأربعة أشهر، لكن مليوني ما تزال تضغط على الرغم من كل ذلك، إذ عقدت اتفاقيات تقوم على تقديم أموال لتونس وليبيا من أجل تعزيز أمن حدودها، مع إخفاء أي أثر للادعاءات حول ممارسة التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان في تلك الدول، وبالنتيجة، سمح الهبوط في حركة المهاجرين على البحر المتوسط للحكومات الأوروبية التي لديها مخاوف أقل تجاه الهجرة بتبني أساليب ميلوني وطرقها، إذ وصف ستارمر ذلك بالبراغماتية البريطانية، أما حكومته فصارت تسعى لعقد اتفاقيات مماثلة مع فيتنام وتركيا وكردستان.

غير أن النموذج الألباني يمثل رهاناً أفضل من رهان رواندا بكل تأكيد، إذ أصدرت المحكمة العليا ببريطانيا حكماً يقضي بأن رواندا ليست دولة آمنة، وبأن من يرسل إليها من المهاجرين مهدد بالترحيل إلى دول غير آمنة، إلا أن أحداً لم يعتبر ألبانيا دولة غير آمنة، إذ بموجب صفقة ميلوني، ستحتفظ إيطاليا بالسلطة القضائية في مراكز المهاجرين، كما تعهدت إيطاليا بإرسال فئة محددة فقط إلى ألبانيا لمعالجة طلبات لجوئهم هناك، وهي فئة الرجال البالغين الأصحاء ممن هم في سن القتال، عندئذ يمكنهم تقديم طلبات لجوء حتى تجري معالجتها بسرعة، بحيث يبت بأمرها في غضون شهر. بعد ذلك يمكن لعدد قليل ممن منحوا حق اللجوء من بينهم بأن يقدموا طلباً آخر للذهاب إلى إيطاليا، فيما سيجري ترحيل البقية إلى دولهم الأصلية.

حتى أنت يا كندا؟!

وهذه الخطة ليست خطة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولكن في الوقت الذي تبحث الولايات المتحدة وأوروبا عن أفكار خلاقة، فإن هذه الفكرة أعطتهم بعض الأمل في الخروج من الحلقة المفرغة للبيروقراطية التي تتراكم لديها المستندات وطالبو اللجوء الذين رفضت طلباتهم فابتلعهم الاقتصاد الخفي للبلد، أو تسللوا إلى دولة أخرى بأوراق مزورة، إذ حتى كندا تحت حكم رئيس الوزراء الليبرالي جاستن ترودو أخذت تفكر بتضييق قوانين الهجرة في بلد أسست أركانه بعرق المهاجرين وأدمغتهم، وذلك لأن صافي أعداد المهاجرين هناك يفوق ضعفي أعداد المهاجرين خلال الفترة التي سبقت تفشي كوفيد، ولذلك حذر المصرف المركزي لكندا من أن يتسبب ذلك بحدوث تضخم في البلد.

ومن خلال كل ذلك تبين بأنه مهما كان الخلاف كبيراً بين ترامب وأوروبا، فإن ظهوره في الجزء الثاني من الفيلم سيخلق حالة من الترابط فيما يخص القضايا الأساسية المتعلقة بالهجرة. لذا، فإن الغضب المبالغ به في أغلب الأحيان تجاه ازدراء ترامب الملحوظ للمهاجرين بعباراته الطنانة أفسح المجال لظهور مشاعر ترى بأن هنالك مشكلات مشتركة بحاجة على الأقل لتبادل الأفكار بصورة حضارية.

محاسبة ميركل

غير أن النزوح بسبب الحروب وانهيار الدول سيستمر حتماً، ولقد تحولت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل إلى محط ازدراء ترامب لكونها فتحت بلدها لاستقبال أكثر من مليون سوري وأفغاني فارين من النزاع الدائر في بلدهم، وذلك لأن حسها الإنساني الأوروبي قد تعارض مع اللامبالاة الفظة التي أبداها ترامب تجاه من يعانون في هذا العالم.

ولكن، ومن بين الآراء التي رسمت حدود تفكير يمين الوسط في أوروبا تلك الفكرة المنتشرة اليوم والتي ترى بأن ميركل أساءت لبلدها لكونها لم تعمل جاهدة بما يكفي على ملف دمج المهاجرين، وذلك عبر نسف اتفاقية حرية الحركة التي تؤمنها شنغن وفتح الباب أمام صعود اليمين المتطرف في ألمانيا، وفي حال عودة الديمقراطيين المسيحيين إلى السلطة في الانتخابات التي ستقام خلال شهر شباط المقبل، بما أن هذا الأمر يبدو مرجحاً، عندئذ ستخضع ميركل للمحاسبة، لأن نحو 400 ألف حالة عبور غير شرعية إلى الاتحاد الأوروبي تمت خلال عام 2023، ومن المتوقع أن ترتفع الأعداد هذا العام بشكل أكبر بكثير.

للتغير المناخي كلمته أيضاً 

وهنالك كثير من الأمور التي نترقب حدوثها، ولا تشمل الحروب فحسب، إذ حتى الآن ما تزال هنالك حالة تسامح واسعة تسود الاتحاد الأوروبي تجاه النازحين الأوكرانيين، بل تشمل أيضاً زيادة في أعداد المهاجرين القادمين من البؤر التي تشهد حالة تغير مناخي، فالجفاف والفيضانات ترغم الناس على النزوح، ولقد توقع عمار رحمن رئيس قسم توقعات الطقس والمناخ لدى مجموعة زيورخ للتأمين نزوح مليار ومئتي مليون نسمة بحلول عام 2050، بحيث سيتجهون غرباً وشمالاً، ومن الريف نحو المدن، ومن المناطق التي يعاني فيها الاقتصاد من اختلال وظيفي إلى المناطق التي تشهد ثراء وازدهاراً، وبالطبع سيتعين على الولايات المتحدة أن تتعامل مع تلك القضايا طوال العقود المقبلة.

خطأ استراتيجي قاتل

من غير المريح أن تسعى كل من الولايات المتحدة وأوروبا للتوصل إلى إجابات، ولا يهم هنا مركز الأبحاث، بل الحلول الجزئية المتوفرة على الدوام، ومن النصائح المنطقية بشأن هذه القضية تلك النصيحة التي ترى بأن الولايات المتحدة ارتكبت خطأ استراتيجياً كبيراً عندما تجاهلت أميركا اللاتينية وأهملتها، وهذا ما دفع شانون أونيل من مجلس العلاقات الخارجية للقول: "في حال فشل الولايات المتحدة بدمج أميركا اللاتينية ضمن سلاسل التوريد الأميركية بكل قوة، ومواصلتها للبحث عن حلفاء اقتصاديين غيرها، فهذا لن يفضي إلا لجلب نفوذ صيني أكبر إلى عتبة دارها" إلى جانب زيادة تدفق المهاجرين القادمين من الجنوب، وهذا ما حدث مع الاتحاد الأوروبي الذي أهمل شمالي أفريقيا.

مشكلة أساسية جديدة

هنالك وعي مشترك يرى بأنه إثر انخفاض معدلات الولادة في عدد من المجتمعات، لن تصبح الهجرة مشكلة بات من الصعب معالجتها بنسبة أكبر فحسب، بل أيضاً ستصبح أيضاً مشكلة أساسية، إذ من الصعب أن تبحث من خلال التوقعات الحالية كيف ستستطيع إسبانيا أن تدفع تكاليف الرعاية الصحية لكبار السن في عام 2050 في حال تقييدها للهجرة. ومن الحلول المقترحة في هذا السياق إمكانية أن يسد العمال الأجانب الذين يعملون بصورة مؤقتة هذا النقص، بحيث تقوم الشركات بتوظيفهم مع ضمان عدم سعي موظفيها للحصول على جنسية البلد أو المطالبة بحق لم شمل عائلاتهم. وتلك نسخة معدلة من خطة العمالة الوافدة، فالعمال الضيوف الذين وظفتهم شركات ألمانيا الغربية بأجور زهيدة وجلبتهم من تركيا ومن مدن الجنوب الإيطالي عقب الحرب العالمية الثانية أتوا إليها ليسدوا الفجوة التي ظهرت في مجال القوى العاملة، وأغلب هؤلاء العمال أصبحت لديهم جذور في هذا البلد وباتوا اليوم يقيمون في دور الرعاية الألمانية ويقوم على خدمتهم نازحون قدموا من أوكرانيا.

ثم إن خطة الترحيل التي قدمها ترامب ليست فريدة من نوعها، فقد خرج الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور بعملية ويتباك لإنفاذ قانون الهجرة الأميركي في خمسينيات القرن الماضي، فهبطت أعداد المكسيكيين الذين عبروا الحدود خلال عام واحد، بعدما وصلت إلى مليون ومئة ألف، ومن خلال تلك الخطة جرى حلق رؤوس المهاجرين لضمان عدم عودتهم مرة أخرى، ولذلك وضع ترامب هذا النموذج للترحيل نصب عينيه ليحدد من خلاله ما الذي سيفعله، من دون أن يذكر بأنه في العام الذي تلا ذلك جرى إصدار 445 ألف إذن عمل مؤقت سمح للمكسيكيين بالعمل في مجال الزراعة. واليوم، لم يمنح 42% من العمال في المزارع الأميركية رخصة قانونية للعمل في البلد، وذلك بحسب ما أعلنته وزارة العمل الأميركية.

لم يكن ترامب أكثر جدية مما هو عليه الآن، ولعل هدفه هو تحقيق الهدف الطموح لعمليات الترحيل خلال العام الأول من فترته الرئاسية، أما هدفه الافتراضي والذي أكسبه شعبية في أوروبا، فيتمثل ببناء حاجز لردع المهاجرين غير الشرعيين، لكن كل تلك الأمور قد لا تسير كما يشتهي ترامب، وهذا ما عبر عنه سيلي بقوله: "في حال شهدنا عمليات ترحيل جماعية كبيرة، فإن ذلك لابد أن يولد عملية صد".

وفي تلك الحالة، ينبغي على أوروبا أن تفكر أكثر في طرق لإبعاد الهجرة نحو الداخل بدلاً من أن تقوم بإجراءات لا تسمن ولا تغني من جوع. وسواء أكان الأمر محتوماً أم لا، فإن الجزء الخطير قد يتمثل بخطر المغالاة على الطريقة الترامبية، ويقصد بذلك الاعتماد على طريقة ترامب في الاستعانة بسلطاته الواسعة، إذ في حال انتهت به الأمور إلى تشكيل هيكل لدولة أمنية تعتمد على مخبرين وعلى غارات تستهدف مقارّ العمل، وعلى العدالة القاسية وعلى فرض القانون بطرق وحشية، عندئذ سيكون هذا الرجل قد خان أميركا ولم يحرس حدودها البتة.

  

المصدر: The Times