يعد السيناتور الجمهوري الأميركي الراحل ليندسي غراهام، الذي أُعلن عن وفاته أمس السبت، أحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأميركية وأكثر الشخصيات تأثيراً في رسم مواقف واشنطن تجاه الملف السوري على امتداد أكثر من عقد.
وبينما عُرف خلال سنوات الثورة السورية بمواقفه المعارضة لنظام بشار الأسد المخلوع ودعواته لتسليح المعارضة وتشديد العقوبات، إضافة إلى دعمه لـ "قوات سوريا الديمقراطية"، شهدت مواقفه خلال المرحلة الأخيرة تحولاً لافتاً تجاه القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، مع استمرار تمسكه بشروط أمنية وسياسية اعتبرها ضرورية لاستقرار البلاد.
معارضة مبكرة للأسد ودعوات لإسقاطه
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، تبنى غراهام موقفاً متشدداً من نظام الأسد المخلوع، داعياً إلى تدخل أميركي أكثر فاعلية لدعم المعارضة السورية المسلحة.
وفي عام 2012، انضم إلى السيناتور الراحل جون ماكين في الدعوة إلى تسليح فصائل المعارضة، معتبراً أن إسقاط النظام السوري لا يخدم السوريين فحسب، بل يشكل أيضاً ضربة استراتيجية لإيران ويحد من نفوذها في الشرق الأوسط.
وخلال سنوات الحرب، واصل غراهام المطالبة بتشديد الضغوط على دمشق، واعتبر بشار الأسد المخلوع مجرم حرب، كما أيد الضربات العسكرية الأميركية التي استهدفت مواقع للنظام المخلوع عقب الهجمات الكيميائية، ورأى أن أي تراجع أميركي عن مواجهة دمشق سيمنح روسيا وإيران مساحة أوسع لترسيخ نفوذهما في سوريا.
رفض التطبيع مع نظام الأسد المخلوع
برز غراهام كذلك كأحد أبرز المعارضين لأي خطوات عربية أو دولية لإعادة تأهيل النظام السوري المخلوع، ففي عام 2023 أعلن صراحة معارضته إعادة الأسد إلى جامعة الدول العربية، مؤكداً أنه أبلغ عدداً من الحلفاء الإقليميين، بينهم السعودية وإسرائيل، أن الكونغرس سيقف ضد أي جهود تمنح النظام السوري المخلوع آنذاك شرعية جديدة.
كما كان من أشد المدافعين عن "قانون قيصر"، ودعا مراراً إلى تشديد العقوبات الاقتصادية على دمشق، معتبراً أنها الوسيلة الأكثر فعالية للضغط على نظام الأسد ومنع إعادة الإعمار قبل تحقيق انتقال سياسي في سوريا
دفاع مستمر عن "قسد"
إلى جانب موقفه المعارضة لنظام الأسد المخلوع، ارتبط اسم غراهام بالدفاع عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي اعتبرها الحليف الأهم لواشنطن في الحرب ضد تنظيم "داعش".
وعندما قررت الإدارة الأميركية عام 2019 سحب جزء من قواتها من شمال شرقي سوريا، عارض غراهام القرار بشدة، محذراً من أنه سيعرض "قسد" لهجوم عسكري، ويقوض ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها.
كما قاد بالتعاون مع السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين، جهوداً تشريعية لفرض عقوبات على تركيا، بهدف منع أي عمليات عسكرية ضد "قسد"، معتبراً أن التخلي عنها يمثل "ضربة لمصداقية الأمن القومي الأميركي"، ثم عاد ليعرض وساطة بين "قسد" وتركيا لثني أنقرة عن شن هجوم جديد في الشمال السوري، عام 2022.
واستمر هذا الموقف خلال المرحلة الانتقالية في سوريا، إذ هدد مطلع العام الجاري وقبيل التوصل لاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد" بالسعي لإعادة تفعيل عقوبات "قانون قيصر" وتشديدها إذا استخدمت الحكومة السورية القوة العسكرية ضد "قسد"، معتبراً أن ذلك سيؤدي إلى "حالة هائلة من عدم الاستقرار" في سوريا والمنطقة.
تحول لافت بعد لقاء أحمد الشرع
ورغم مواقفه السابقة، شهدت الأشهر الأخيرة تحولاً واضحاً في رؤية غراهام للملف السوري، عقب مشاركته في وفد من الكونغرس الأميركي زار تركيا والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع.
وفي بيان أصدره بعد اللقاء، اعتبر غراهام أن الرئيس أحمد الشرع "يمثل أفضل فرصة للوصول إلى سوريا موحدة وفاعلة"، مؤكداً أن التعاون معه يخدم المصالح الاستراتيجية والأمن القومي الأميركي.
وقال إن الشرع نجح في تقليص النفوذ الإيراني داخل سوريا بصورة كبيرة، معتبراً أن ذلك يمثل "ضربة موجعة لطهران" و"خطوة كبيرة إلى الأمام للشعب السوري"، داعياً الولايات المتحدة إلى الاعتراف بما تحقق ومنح الحكومة السورية الجديدة فرصة لتحسين الأوضاع في البلاد.
كما خالف، في هذا السياق، الطرح الإسرائيلي الداعي إلى تقسيم سوريا، معتبراً أن قيام دولة سورية موحدة وقادرة على بسط سيادتها يخدم المصالح الأميركية أكثر من استمرار الانقسام.
دعم مشروط وتحفظات أمنية
وقبيل لقاءه بالرئيس أحمد الشرع، دعا غراهام في أكثر من مناسبة إلى التعامل مع دمشق "بحذر شديد"، معتبراً أن هناك مؤشرات تستوجب التحقق من طبيعة أداء بعض الأجهزة الأمنية، كما أعرب عن تفهمه للمطالب الإسرائيلية بإقامة مناطق أمنية في الجنوب السوري، بمزاعم حماية "الحدود والأقليات".
كذلك أبدى تحفظاً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع العقوبات عن سوريا، مؤكداً أنه يميل إلى دعم تخفيفها فقط "في الظروف المناسبة"، مع ضرورة استمرار التنسيق مع إسرائيل لتقييم انعكاسات أي تغيير في السياسة الأميركية تجاه دمشق.