icon
التغطية الحية

من الكتب إلى الحيوانات الأليفة.. ما الذي يتركه السوريون خلفهم قبل العودة من مصر؟

2026.07.28 | 06:15 دمشق

آخر تحديث: 2026.07.28 | 18:56 دمشق

من الكتب إلى الحيوانات الأليفة.. ما الذي يتركه السوريون خلفهم قبل العودة من مصر؟
من الكتب إلى الحيوانات الأليفة.. ما الذي يتركه السوريون خلفهم قبل العودة من مصر؟ - تلفزيون سوريا
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- التحديات العاطفية في العودة: العودة إلى الوطن تمثل نهاية سعيدة للسوريين، لكنها تتضمن تحديات عاطفية في التخلي عن مقتنيات تحمل ذكريات عميقة مثل الكتب واللوحات الفنية والحيوانات الأليفة.

- الإعلانات كوسيلة للتعبير: مع تزايد العائدين، امتلأت مواقع التواصل بإعلانات بيع تحمل قصصاً شخصية، تركز على إيجاد أشخاص يقدرون المقتنيات أو يوفرون حياة آمنة للحيوانات الأليفة، مما يجعل البيع وداعاً عاطفياً.

- التحديات اللوجستية والقرارات المؤلمة: يفضل السوريون العودة براً لتقليل التكاليف، مما يفرض قيوداً على الأمتعة ويجبرهم على اتخاذ قرارات مؤلمة بشأن ما يمكن حمله، مما يضيف تجربة فقد جديدة.

قد تبدو العودة إلى الوطن، بالنسبة إلى كثير من السوريين، خاتمة سعيدة لسنوات اللجوء، لكنها تحمل في تفاصيلها وجعاً لا يراه كثيرون.

فقبل أن تبدأ رحلة السفر، تبدأ رحلة أخرى أشد صعوبة، عنوانها اختيار ما يمكن حمله، وما لا بد من تركه خلفهم. وبينما يمكن تعويض الأثاث والأجهزة الكهربائية لاحقاً، تبقى أشياء يصعب التخلي عنها، لا لقيمتها المادية، بل لما تختزنه من ذكريات ومشاعر رافقت أصحابها طوال سنوات الغربة.

ومع تزايد أعداد السوريين الذين يقررون العودة من مصر إلى سوريا، امتلأت مجموعاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بإعلانات بيع لا تشبه سواها.

فإلى جانب غرف النوم والبرادات والغسالات، ظهرت مكتبات منزلية كاملة، وروايات ولوحات فنية، وآلات موسيقية ونباتات منزلية، فضلاً عن قطط وكلاب يبحث أصحابها عن عائلات تتبناها.

صور للبيع

ورغم أن هذه الإعلانات قد تبدو عادية للوهلة الأولى، فإن وراءها قصصاً شخصية مؤثرة، إذ تمثل تلك المقتنيات أجزاء من حياة أعاد السوريون بناءها بعد أن غادر كثير منهم بلادهم وقد فقدوا كل شيء.

إعلانات تحمل مشاعر أكثر من الأسعار

لا تلفت الأنظار في هذه المنشورات أسعار الأشياء المعروضة بقدر ما تلفتها الكلمات التي يكتبها أصحابها. فكثيراً ما يوضحون أنهم لا يبحثون عن مشترٍ فحسب، بل عن شخص يقدّر هذه المقتنيات، أو يمنح حيواناتهم الأليفة حياة آمنة بعد رحيلهم.

وهكذا تتحول الإعلانات من وسيلة للبيع إلى مساحة يعبّر فيها السوريون عن مشاعرهم، ويودّعون من خلالها تفاصيل صغيرة رافقتهم في غربتهم.

تقول رنا مصطفى، وهي سورية تستعد للعودة إلى دمشق بعد ثماني سنوات قضتها في مصر: "وضعت إعلاناً لبيع بعض أغراضي، لكنني بقيت يومين غير قادرة على نشر إعلان مكتبتي. كنت أفتح الصور ثم أغلقها، فكل كتاب فيها يحمل ذكرى معينة، وبعضها اشتريته عندما حصلت على أول راتب لي في مصر. وفي النهاية، اضطررت إلى بيعها".

وتضيف أن أصعب ما واجهته لم يكن البيع في حد ذاته، بل شعورها بأن المنزل الذي بنته خلال سنوات الغربة يتفكك قطعة بعد أخرى. فحتى لو اشترت بدائل في وقت لاحق، لن تستطيع استعادة ما ارتبط بتلك الأشياء من مشاعر وذكريات.

سوريون يبيعن مكتباتهم في مصر

السفر البري يفرض قرارات مؤلمة

يلجأ كثير من السوريين إلى العودة براً بسبب انخفاض تكاليف السفر مقارنة بالطيران، إلا أن هذا الخيار يفرض قيوداً كبيرة على كمية الأمتعة التي يمكن اصطحابها، فضلاً عن طول الرحلة التي قد تمتد ليومين متواصلين، وما يرافقها من إجراءات معقدة.

وتجعل هذه الظروف نقل مكتبات كاملة، أو أعداد كبيرة من المقتنيات الشخصية، أو الحيوانات الأليفة، أمراً بالغ الصعوبة، بل مستحيلاً في بعض الحالات.

لذلك، يجد كثيرون أنفسهم أمام قرارات لا تحكمها رغباتهم أو تعلقهم بأشيائهم، بل ما تسمح به ظروف الرحلة، ما يجعل الاستعداد للعودة محملاً بمواقف مؤلمة ومفارقات قاسية.

ويقول محمد ديب، الذي يستعد للعودة إلى حمص: "كنت أعتقد أن أصعب خطوة ستكون توديع الأصدقاء والشوارع، لكنني اكتشفت أن الأصعب هو فرز أغراضي. كل يوم كنت أقرر الاستغناء عن شيء جديد، ومع كل صندوق يغادر المنزل كنت أشعر بأن سنوات إقامتي في مصر تختفي أمامي".

مكتبات تُباع.. وذكريات تُطوى

تُعد الكتب من أكثر المقتنيات التي يصعب على أصحابها التخلي عنها، ولا سيما أولئك الذين اعتادوا شراءها باستمرار خلال سنوات إقامتهم في مصر.

فالمكتبة، بالنسبة إلى كثيرين، ليست مجرد رفوف تضم روايات وكتباً فكرية، بل سجل شخصي يوثق مراحل مختلفة من حياتهم، ويحفظ تفاصيل سنوات عاشوها بعيداً عن بلادهم.

يقول أحمد الخطيب، المقيم في القاهرة: "كنت أشتري كتاباً أو اثنين كل شهر تقريباً، حتى أصبح لدي مئات الكتب. وعندما أدركت أنني لن أستطيع نقلها، شعرت بأنني أخسر شيئاً لا يمكن تعويضه".

ويضيف: "نصحني كثير من أصدقائي بشحن الكتب، إلا أن ارتفاع كلفة الشحن مقارنة بقيمتها المادية جعل الفكرة غير عملية، فاضطررت إلى بيعها بسعر أقل بكثير مما دفعته فيها".

الحيوانات الأليفة.. أفراد من العائلة

لعل أكثر الإعلانات تأثيراً تلك المتعلقة بالقطط والكلاب، فهذه الحيوانات لم تعد بالنسبة إلى أصحابها مجرد هواية أو وسيلة للتسلية، بل أصبحت أفراداً من الأسرة، تشاركهم تفاصيل حياتهم اليومية، وترافقهم خلال سنوات الغربة بما حملته من وحدة وضغوط نفسية.

ومع صعوبة اصطحابها في رحلة برية طويلة، يلجأ كثير من السوريين إلى البحث عن عائلات تتبناها، ويحرصون على اختيار أشخاص يثقون بقدرتهم على الاعتناء بها، وكأنهم يطمئنون على فرد من أفراد عائلتهم قبل الرحيل.

وتقول ريم السالم، وهي سورية مقيمة في القاهرة: "قطتي كانت معي منذ خمس سنوات. كنت أستيقظ على صوتها كل صباح، وكانت ترافقني طوال اليوم. بحثت عن كل الحلول الممكنة لآخذها معي، لكن السفر براً قد يعرضها لإرهاق كبير. وعندما سلمتها للعائلة الجديدة، شعرت بأنني فقدت جزءاً من روحي. لم أشعر بأنني أودع حيواناً أليفاً، بل فرداً من أسرتي".

أشياء صغيرة تحمل عمراً كاملاً

لا تتوقف القصص عند الكتب والحيوانات الأليفة، فهناك من اضطر إلى ترك نباتات اعتنى بها لسنوات، أو لوحات رسمها بنفسه، أو هدايا تلقاها من أصدقاء رافقوه في الغربة.

وقد تبدو هذه الأشياء بسيطة في نظر الآخرين، لكنها تحمل بالنسبة إلى أصحابها قيمة عاطفية كبيرة، لأنها ترتبط بذكريات وتجارب لا يمكن تعويضها أو استعادتها بمجرد شراء بدائل عنها.

وتقول هبة عثمان، وهي سورية مقيمة في الإسكندرية: "أعطيت نباتاتي لجارتي. ربما يضحك البعض من ذلك، لكنني أعتني بها منذ سنوات. شعرت بالحزن وأنا أشرح لها متى تسقي كل نبتة، وكأنني أودع شيئاً حياً كان جزءاً من حياتي".

لماذا نتعلق بالأشياء؟

يرى مختصون في علم النفس أن الإنسان لا يرتبط بالأشياء لقيمتها المادية وحدها، بل لما تمثله من ذكريات وتجارب عاشها. فكل غرض يحتفظ به الإنسان زمناً طويلاً قد يتحول إلى رمز لمرحلة معينة من حياته، ولذلك يصبح التخلي عنه مؤلماً، حتى لو لم يكن باهظ الثمن.

وتزداد هذه المشاعر لدى اللاجئين بصورة خاصة، لأنهم سبق أن اختبروا فقدان منازلهم وممتلكاتهم عند مغادرتهم سوريا، قبل أن يبدؤوا حياة جديدة في بلد اللجوء، ويجمعوا مقتنيات أخرى ارتبطت بسنوات من الاستقرار النسبي.

واليوم، وهم يستعدون للعودة، يجد بعضهم نفسه أمام تجربة فقد جديدة، لكن هذه المرة وهو يغادر المكان الذي احتضنه لسنوات، ويترك وراءه أشياء لم تكن مجرد ممتلكات، بل شواهد على حياة كاملة عاشها في الغربة.