icon
التغطية الحية

من السجون إلى المياتم.. نيويورك تايمز تتبع آثار أطفال المعتقلين في سوريا

2025.08.23 | 14:30 دمشق

آخر تحديث: 2025.08.23 | 14:33 دمشق

رجل سوري يخرج من زنزانة في سجن صيدنايا، شمال دمشق في 16 كانون الأول/ديسمبر 2024.
رجل سوري يخرج من زنزانة في سجن صيدنايا، 16 كانون الأول 2024. AFP
The New York Times Magazine- ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- كشف تحقيق لصحيفة نيويورك تايمز عن الإخفاء القسري للأطفال في الحرب السورية، حيث تم فصلهم عن أسرهم وتغيير هوياتهم، مما يثير تساؤلات حول العدالة والمساءلة.
- يروي التقرير قصة ليلى غبيس، التي اعتقلت مع عائلتها وتم فصلها عن والديها، حيث تعرضت لتجربة قاسية في ميتم تديره منظمة SOS، التي تعاونت مع النظام السوري في إخفاء الأطفال.
- بعد سقوط النظام، بدأت الحكومة الجديدة التحقيق في قضية الأطفال المفقودين، مع استمرار الجهود لمعرفة مصيرهم وإعادة لم شملهم مع أسرهم.

في تحقيق موسّع نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تتكشف فصولٌ من أكثر ملفات الحرب السورية قتامة، حيث لم يقتصر الإخفاء القسري على المعتقلين داخل السجون، بل امتد ليطول أطفالهم أيضاً. فمن خلال الوثائق والشهادات، يظهر كيف جرى فصل الصغار عن أسرهم، وإيداع بعضهم في المياتم أو تبديل أسمائهم لإخفاء هوياتهم الحقيقية. ومع سقوط النظام وفتح الأرشيفات، يبرز هذا الملف كواحد من أشد جوانب النزاع تعقيداً وإيلاماً، ويطرح أسئلة ملحّة حول العدالة والمساءلة ومصير جيلٍ نشأ في الظل.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بالمختفين قسرياً في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

 

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

 

جلست ليلى غبيس، 8 سنوات، على أريكة داخل غرفة استجواب خاوية، فتدلت ساقاها نحو الأرض، في حين وقف أمامها ضابط أصلع طويل القامة من المخابرات الجوية بسوريا، أي تلك الجهة المسؤولة عن تنفيذ أشد المهام سرية داخل نظام الأسد. وجلست بجانب ليلى شقيقتها ليان، 4 سنوات، وقد سيطر عليها الصمت والخوف.

كان أحد الحواجز الأمنية القريبة من دمشق قد احتجز هاتين البنتين مع والديهما مصعب وأمامة غبيس في الرابع من آب عام 2015، ثم اقتيدت الأسرة لمقر استجواب سري في مطار المزة العسكري والواقع على أطراف العاصمة، حيث كانت المخابرات الجوية تحتجز أشخاصاً اتهمتهم بمعارضة النظام، وعند وصول الأسرة إلى هناك، اقتاد الضباط والد ليلى بعيداً عنهن بعد أن شدوا قميصه ليغطي عينيه، وربطوا يديه خلف ظهره. ثم أخذوا يلتقطون صوراً لليلى من الأمام والجانب كما يحدث في الأفلام الأميركية، وأخبروا أمها أمامة بأن اسمها الجديد أصبح 446 ثم نقلوها هي وابنتاها إلى زنزانة عفنة تحت الأرض. وفي اليوم التالي، جلب الرجل الأصلع الشقيقتين إلى غرفة الاستجواب.

سأل ذلك الرجل: "هل يزوركم خالكم عبد الرحمن كثيراً؟"

لم يكن خال ليلى يزور أهلها كثيراً، بل لم يكن يزرهم على الإطلاق، ولكنها شعرت من خلال طريقة سؤال هذا الرجل بأنه لا يريد سماع الحقيقة. وكانت كل ما تريده ليلى منه هو أن يدعها تعود لحضن أمها في الزنزانة، وهذا ما جعلها تقول بلطف: "نعم".

فتابع المحقق استجوابه: "هل تخزك لحيته عندما يقبّلك؟"

لم يكن لخال ليلى عبد الرحمن أية لحية، إذ كان أكثر شخص يعتني بأناقته من بين جميع أقاربهم الذكور، فقد كان يستخدم الهلام ليثبت تسريحة شعره، أما ملابسه فكانت أنيقة على الدوام، ومع ذلك ردت ليلى على المحقق بالقول: "أجل".

فغادر الرجل الغرفة، وعاد بأمها بعد بضع دقائق، وخاطب أمامة بالقول: "تقولين لي بأنكم لم تتعاونوا مع شقيقك عبد الرحمن، لكن ابنتك أخبرتني بأنكم قد تعاونتم معه".

هتفت الأم: "هذا ليس بصحيح".

خافت ليلى من أن تتسبب أكاذيبها بمشكلة أكبر لأمها، إذ إنها تتذكر أنها كانت ترى خالها قبل بدء الحرب، إلا أن تلك المرحلة من حياتها أصبحت بعيدة في ذاكرتها، ومنها مدرسة الحضانة ومحل والدها المتخصص بإصلاح السيارات، والرحلات إلى بساتين المشمش والزيتون، والذهاب إلى جامعة دمشق، حيث كانت والدتها تدرس الأدب العربي. كانت الأسرة تعيش في الغوطة الشرقية المحيطة بدمشق، ولكن عند بدء الاقتتال، انتقلت الأسرة إلى مدينة أكثر أماناً.

بقي خال ليلى هناك، وبعد حصار النظام لأجزاء من الغوطة الشرقية، وقطع الكهرباء والماء والغذاء عنها، أصبح الخال رئيساً لفرع الهلال الأحمر، تلك المنظمة الإنسانية المحايدة المعروفة. أخذ عبد الرحمن يهرب الأدوية، والتقى بوفود الأمم المتحدة، وجمع بالسر أدلة على هجوم السارين الذي أسفر عن مقتل 1400 شخصاً في صيف عام 2013. ولذلك وصمه النظام السوري البائد بالإرهاب.

أعاد أحد الحراس ليلى وأمها وشقيقتها إلى زنزانتهن التي ملأ العفن تجاويفها وحفرت على جدرانها آيات قرآنية دونها سجناء سابقون، وتناثرت أجزاء مهترئة لبطانيات قذرة على أرضيتها، كما كانت رائحة المرحاض الموجود في الزاوية كريهة للغاية. عندما أخذت ليلى تفكر بأبيها الموجود وحده في مكان آخر من هذا السجن، كتبت كلمة بابا على باب الزنزانة بقلم تلوين أصفر عثرت عليه على الأرض في غرفة التحقيق. كما كتبت اسمي شقيقيها المراهقين: عمر وعاصم، اللذين لم يكونا في السيارة عند اعتقال الأسرة، ثم قالت لأمها: "ليتني كنت ابنة إيلاستيغيرل في فيلم (The Incredibles)" وذلك حتى تصبح رقيقة كورقة وتهرب عبر الشقوق.

 

يوماً بعد يوم، حاولت أميمة إلهاء ابنتيها بلعبة رمي نوى الزيتون في علبة بلاستيكية، وبسرد قصتهما الخيالية المفضلة على مسامعهما وهي قصى "جبل العجايب" التي تتحدث عن شابة تتزوج ملكاً. ولكن في الردهة، كان السجناء ينشجون في زنازينهم الانفرادية التي بالكاد تسمح لأي منهم بأن يتمدد. كما حشر بعضهم ضمن مهاجع جماعية بأعداد تتراوح ما بين 20-80 سجيناً، وهذه الزنازين لا تحتوي إلا على مرحاض واحد فقط أو بلا مرحاض أصلاً. وبعد أن يحل النظام، تتردد أصداء أصوات الرجال الذين يتعرضون للتعذيب في أرجاء السجن، في حين بقيت رائحة عفونة تعبق في الأجواء بسبب تكدس الجثث ناهيك عن رائحة العطونة.

وفي كل ليلة تقريباً، كان الحرس يخرجون والدة ليلى من الزنزانة ليستجوبوها، ويتركون الباب مفتوحاً قليلاً حتى لا ينتاب الخوف البنتين فتشرعان بالبكاء، وفي إحدى المرات استفاقت ليلى عند عودة أمها، لتكتشف بأن وجهها أصبح أحمر وأزرق، فسألتها: "ما الذي حدث؟" إلا أن أمامة بقيت صامتة، عندئذ احتضنتها ليلى إلى أن عاودها النوم.

"الأم الصغيرة"

وفي إحدى الليالي، عادت الأم إلى الزنزانة وجلست بجانب ليلى وقالت لها بكل نعومة: "هنالك شيء يجب أن أقوله لك: سيأخذونكما أنت وليان، وقد لا نتمكن من اللقاء مرة أخرى، لذا فإن ليان أصبحت مسؤوليتك من الآن فصاعداً، وعليك أن تكوني أمها الصغيرة".

استلقت ليلى بجانب شقيقتها وحملتها وهي نائمة، وفي اليوم التالي، رسمت شمساً وبنتاً صغيرة على الجدار بقلم التلوين الأصفر الذي كان بحوزتها، وقالت: "ماما! أعرف بأن الشمس لا تصل إليك هنا حتى تدفئك، لذا فإن هذه البنت ستسليك في وحدتك".

نظرت أمامة في عيني ابنتها بحزن وقالت: "إياك أن تنسي اسمك، اسمك ليلى واسم أبيك مصعب، واسم عائلتك غبيس، تذكري اسم جدتك، واسمي شقيقيك، وعندما تكبرين ابحثي عن أهلك، لا تنسي ذلك!"

بعد مرور يومين على ذلك، أتى الضباط وأخذوا البنتين.

نظام الأسد يتفوق على النازيين

منذ أن سيطر المقاتلون الثوار على دمشق في كانون الأول الماضي، وهرب بشار الأسد إلى روسيا، أخذ السوريون رويداً رويداً يكتشفون الفظائع التي ارتكبها النظام البائد. إذ على مدى أكثر من 13 عاماً من الحرب التي قتل خلالها أكثر من 500 ألف إنسان ونزح بسببها أكثر من نصف أبناء وبنات البلد، أخفى نظام الأسد وأذرعه قسرياً قرابة 100 ألف شخص، فتفوق بتلك الأعداد على أي عدد أخفاه أي نظام آخر في العالم منذ أيام النازيين. وعلى الرغم من فتح بوابات السجون، مايزال مصير معظم المختفين قسرياً مجهولاً، وهنالك آلاف الأطفال بين هؤلاء المفقودين.

 

في البداية، عثر على كثير من هؤلاء الأطفال داخل السجون برفقة أحد والديهم أو كليهما، ولكنهم بعد نقلهم من تلك الزنازين لم يعرف أحد إلى أين نقلوا ولا ما حل بهم، وأصبح الأهل يسعون جاهدين لمعرفة مكان أولادهم، إذ بعد أيام على سقوط النظام، أخذ الناس ينبشون المقابر الجماعية بحثاً عن أي شيء يبرد نار قلوبهم. وهكذا انتشرت صور المفقودين في مختلف أرجاء العاصمة، وأقيمت وقفات صامتة من أجلهم في ساحات المدينة وميادينها.

لجنة للمفقودين

وجه الشعب السوري مناشدات كثيرة يائسة للحكومة الجديدة حتى تفتح تحقيقاً لمعرفة مكان هؤلاء الأطفال وغيرهم من المفقودين. وفي شهر شباط، أعربت الصحفية والناشطة وفاء مصطفى عن سخطها على رئيس الدولة، أحمد الشرع، في فيديو لاقى انتشاراً واسعاً، قالت فيه: "رأينا رئيس الحكومة الجديدة وهو يلتقي بالسفراء والوزراء والمبعوثين الدبلوماسيين، وممثلي الاتحاد الأوروبي، بل حتى بالمؤثرين على يوتيوب وبمؤثرين أتوا من الأردن، فما الرسالة التي ترسلها الحكومة عبر لقاء كل تلك المجموعات دون أهالي المعتقلين السوريين؟" وفي نهاية الأمر، وتحديداً في شهر أيار، شكلت حكومة الشرع لجنة مهمتها البحث لمعرفة مصير أطفال المفقودين والمختفين قسرياً، إلا أنها لم تقدم للشارع السوري سوى معلومات شحيحة حتى الآن.

تحقيق مختلف

على مدار التحقيق الذي امتد لستة أشهر، حصلنا على نسخ لعشرات الوثائق السرية التي تعود لحقبة الأسد، والعديد من قواعد بيانات المخابرات الجوية، وهذا ما دفعنا لإجراء مقابلات مع أكثر من خمسين شخصاً، بينهم مسؤولون سوريون ومحققون وأطفال وذويهم، فقدم هؤلاء أكمل صورة حتى اليوم حول الأطفال الذين أخفاهم نظام الأسد. إذ منذ عام 2013 على أقل تقدير، وحتى نهاية الحرب، تواطأت المخابرات السورية مع الوزراء والمحافظين على نقل أطفال السجناء السياسيين إلى المياتم، وبينها عدد من دور الأيتام التي تديرها منظمات غير ربحية دولية، حيث جرى إخفاء الأطفال بعيداً عن أهاليهم، مع تشجيعهم على نسيان ماضيهم، وفي بعض الأحيان جرى تغيير أسمائهم وعرضهم للتبني خارج المياتم.

 

في كانون الأول، وأثناء إجرائنا لمقابلات مع سوريين بعد سقوط الأسد، انتشرت شائعات حول العثور على أطفال مفقودين في دور الأيتام، إلا أن تلك المعلومات لم تكن مؤكدة، كما يبدو بأن عناصر النظام فعلوا كل ما بوسعهم ليتلفوا الأدلة لحظة رحيلهم، إذ في أحد مقار المخابرات السورية، عثر على عبوات غاز فارغة وقد استحالت إلى رماد، ناهيك عن الأقراص الصلبة التي انتزعت من الحواسيب وبعثرت أجزاؤها فوق الأرضيات.

سرنا في متاهة سجون المخابرات، فعثرنا بين الحطام على آثار تدل على وجود أطفال، إذ رأينا أحذية وسراويل بمقاسات صغيرة، وقميصاً طبعت عليه سن تحمل فرشاة أسنان مأخوذة من رسوم الأطفال، كما رأينا دمية صنعت من مزق القماش، وفي أحد أقبية السجون، وبين كومة من الأوراق، عثرنا على وصفة لطبيب تنصح بإخراج ستة أطفال للهواء الطلق وتناول الفواكهة بعد إصابتهم بإلتهاب في القصبات الهوائية، مع عدم موافقة الضابط المسؤول إلا على تناول الفاكهة.

أوضحت قواعد البيانات التي حصلنا عليها بأن من اتخذ قرار إبعاد الأطفال عن ذويهم هم كبار المسؤولين في المخابرات الجوية، إذ في وثيقة عنونت بـ(سري للغاية)، أو (يسلم باليد)، كلفت المخابرات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أو محافظ ريف دمشق، بنقل الأطفال إلى المياتم، وضمان إخفاء هويتهم، إذ إن الأوامر تملي عليهم بالتحفظ على أسماء الأطفال، ومنع تسرب أية معلومة عنهم، أو اتخاذ أي قرار بشأنهم "من دون موافقة المخابرات".

أولى الأدلة

من أولى الإشارات التي وردت حول وجود أحد الأطفال في قواعد البيانات تلك، إشارة لطفل عمره أربع سنوات واسمه شهيد عبد الله أوغالو، وقد اعتقل هذا الطفل في أيار عام 2013 برفقة والده الذي اتهم بالانتماء إلى تنظيم جبهة النصرة الإسلامي المقاتل، والذي كان يحارب النظام البائد وقتئذ. بقي هذا الطفل في السجن لقرابة عام قبل أن ينقل لبيت أحد ضباط المخابرات الجوية، وتظهر السجلات أن عملية تغيير اسمه تمت بالتدريج بمرور الوقت، ليصبح أخيراً عبد الرحمن الشهيد، ولم تظهر أية معلومات واضحة عما آلت إليه أمور هذا الطفل.

هذا وقد عولجت بعض الحالات على أعلى مستويات السرية، إذ ورد في أحد المدخلات على الأقل أسماء لأطفال كتبت بخط أبيض على خلفية بيضاء، بحيث لا تظهر إلا عند بحث المستخدم عن تلك الأسماء بالتحديد. وهنالك حالة لطفلة اسمها لوتس سامي باشوات وعمرها سنتان، والتي اعتقلت مع والديها في تموز عام 2014، لكنها صنفت تحت كلمة (محجوب)، إذ ورد في إحدى الوثائق بأنه: "لا يمكن السؤال عنها إلا من قبل رئيس الفرع"، فقد حول والد لوتس إلى محكمة الميدان العسكرية المعروف عنها بأنها حكمت على الآلاف بالإعدام من دون إجراءات محاكمة حقيقية، كما أحيلت أم تلك الطفلة إلى محكمة مكافحة الإرهاب التي أنشئت منذ عهد قريب لمحاكمة معارضي الأسد السياسيين، وهكذا نقلت لوتس إلى أحد دور الأيتام.

SOS متورطة في إخفاء الأطفال

كان النظام البائد يحيل الأطفال إلى تسعة دور رعاية على الأقل، ستة منها تتبع لقرى الأطفال SOS وهي منظمة دولية مقرها في النمسا، تزعم بأنها أكبر منظمة في العالم تدعم "الأطفال واليافعين المحرومين من رعاية الأبوين"، واليوم، تعمل SOS  في 127 دولة وتحصل إيرادات تصل إلى ملياري دولار بالسنة تقريباً.

اتهمت منظمة SOS بلعب دور في عمليات إخفاء الأطفال قسرياً من قبل، إذ في ثمانينيات القرن الماضي، اختطف جيش السلفادور المدعوم أميركياً مئات الأطفال في أثناء هجومه على القرى التي اتهمها بدعم حركة التمرد اليسارية، وبذلك نقل الأطفال إلى مياتم، كان بينها تلك الدور التي تديرها هذه المنظمة. ثم نقل بعض هؤلاء الأطفال إلى أماكن أخرى أو عرضوا للتبني على المستوى الدولي.

ظهرت بدايات ملامح التنسيق بين منظمة SOS والنظام السوري المخلوع في مطلع عام 2017، عندما أطلق سراح إحدى الأمهات من السجون، فأخبرت صحفية مناهضة للأسد بعد ذلك بمدة قصيرة بأنها عثرت على أولادها الثلاثة في أحد المياتم التابعة لهذه المنظمة، وبعد أيام على انهيار النظام، نشر سوري مقطع فيديو على فيس بوك اتهم فيه تلك المنظمة بمساندة النظام في إخفاء أطفال شقيقته بشكل قسري.

ومع انتشار الشائعات، نشرت منظمة SOS بياناً غامضاً عبر موقعها الإلكتروني جاء فيه: "نقر بالمخاوف القديمة بشأن إحالة أطفال إلى منظمات رعاية، ومنها منظمة قرى الأطفال SOS بسوريا، وذلك على يد الحكومة السابقة خلال الحرب الأهلية"، من دون أن يتطرق ذلك البيان إلى ذكر هوية هؤلاء الأطفال أو أي شيء عن السجون أو المعتقلين السياسيين أو المخابرات، وأضاف: "أثناء وجودهم في عهدتنا، تلقى هؤلاء الأطفال دعماً بما ينسجم مع مبادئنا التي تعطي الأولوية للأمان والصحة".

وذكر الناطق الدولي باسم المنظمة، بيرتيل فيديت، بأن المنظمة: "لم تشارك بشكل مقصود في إخفاء أي طفل، كما أننا نرفض تلك الممارسات بصورة قاطعة" بيد أن الوثائق والمقابلات تشير إلى قبول المنظمة بأطفال سلمتهم المخابرات لها بعد نقلهم بشكل مباشر من السجون السرية للمخابرات. فتحفظت المنظمة على وجود الأطفال لديها بطلب من المخابرات، ومن بين العدد القليل للأسر التي اكتشفت الحقيقة، ذكر بعضها بأنهم عندما أتوا للبحث عن أطفالهم، لم يعترف موظفو SOS بوجود أقارب لأطفالهم، واكتشفنا في عدة حالات بأن موظفي المنظمة رفضوا تسليم الأطفال لذويهم من آباء أو أجداد بعد إطلاق سراحهم من المعتقل من دون إذن صريح صادر عن المخابرات.

بداية رحلة الميتم

بدأت منظمة SOS باستقبال أطفال المعتقلين السوريين في مطلع عام 2013، إلا أن قواعد بيانات المخابرات الجوية لم تبدأ بذكر تلك المنظمة بالاسم إلا بعد مرور عامين على ذلك، ففي آب من عام 2015، ورد في السجل ذكر فتاتين صدر قرار بنقلهما إلى أحد تلك المقرات، وهاتان الفتاتان لم تكونا سوى ليلى وليان غبيس.

وصلت ليلى وليان إلى مركز الرعاية التابع لمنظمة SOS والمؤلف من ثلاثة طوابق والواقع في منطقة قرى الأسد التي تبعد عن غربي دمشق مسافة 19 كيلومتراً تقريباً، وهناك ساعدتهما مقدمة رعاية على الاستحمام وفحصتهما للتأكد من خلوهما من القمل، ثم نقلتا إلى غرفتهما التي اشتركتا بها مع غيرهن من البنات. كان في الميتم نحو 100 طفلة، تعرض بعضهن لانتهاكات وهجر، في حين عاشت البقية تجربة وفاة الأهل أو مرضهم. بيد أن ليلى كانت تعلم أنها وشقيقتها ليستا يتيمتين، وبأن لديهما أقارب بوسعهم تولي رعايتهما، ولهذا أعطت رقم هاتف خالتها لإحدى مقدمات الرعاية وطلبت منها أن تتصل بها، إلا أن مقدمة الرعاية أخبرتها بأن أحداً لم يجب على الهاتف.

انكفأت ليلى على ذاتها، إذ خلال الشهر الأول، كانت لا تتحدث إلا نادراً، في حين كانت ليان تستيقظ وتبكي في الليل وكثيراً ما كانت تبلل فراشها. لكن ليلى تدربت على لعب الشطرنج، لأن بعض مقدمات الرعاية أخبرنها بأنها إن أبلت بلاء حسناً في هذا المضمار، فبوسعها أن تلتقي بالرئيس الذي يمكن أن يحقق لها إحدى أمنياتها، فأخبرتهم بأنها ستطلب منه أن يخرج والديها من السجن، فكانت مقدمات الرعاية يضحكن حرجاً عند سماعهن ذلك. لكن منظمة SOS كانت تريد لها أن تنسى أهلها وهذا ما شعرت به ليلى، غير أنها بقيت تتذكر ما قالته لها أمها: "لا تنسي اسمك"، فهي تعرف بأن اسمها ليلى غبيس وليس ليلى مصعب، على الرغم من أن الكبار كانوا يكتبون اسمها كذلك، وكانت تعرف بأن شقيقتها اسمها ليان حتى ولو نادوها ليال.

انتهاكات بحق الطفولة

إلا أن ما لم تعرفه ليلى هو أن بعض الأطفال غيرها الموجودين لدى منظمة SOS كان ذووهم محتجزين في السجون السرية. إذ في ميتم آخر تابع لتلك المنظمة لا يبعد عن هذا الميتم سوى بضعة كيلومترات، كتب طفل اسمه أويس العبار أسماء أفراد أسرته في دفتر مخصص لشقيقته الصغرى التي بدأت بتعلم القراءة لتوها، فرأت إحدى مقدمات الرعاية ما كتبه، ويتذكر فيما بعد بأنها مزقت الصفحة ووبخته، فوالد الطفل كان مطلوباً بسبب عمله لدى المعارضة، ولعل ذلك هو السبب الذي كان يبهج مقدمات الرعاية عندما كن يدفعن بأعلام النظام ليحملها أويس وأشقاؤه بأيديهم ثم يصورونهم وهم ينشدون أغنية وطنية تقول كلماتها: "الله سوريا وبشار".

استقبلت أويس وأشقاءه الأربعة الدكتورة وسام الدالي وهي طبيبة متخصصة بأمراض الأطفال العقلية كانت تعمل لصالح منظمة SOS، وذلك عند قدومهم من سجن مطار المزة حيث احتجزوا مع أمهم لمدة ستة أشهر، وتخبرنا تلك الطبيبة بأن وضعهم كان سيئاً للغاية، إذ كان الوقت شتاء، وقد ولد التوءمان بينهم وهما أصغرهم، داخل السجن، ووصلا مع إخوتهم إلى الطبيبة عندما بلغا من العمر أربعة أشهر وحسب، ولم يكن عليهما من الثياب شيء سوى كفولات قماشية، أما أويس فقد كان خائفاً ومنسحباً حسبما ذكرت الدكتورة وسام التي غالباً ما تكتشف تلك الخصال لدى أطفال المعتقلين، لكنها لم تحاول التحدث إلى أويس حول مسألة فصله عن أهله أو عن تجاربه الأخرى، وعنه تقول: "في بعض الأحيان، إن فتحت جرحاً من دون أن تتمكن من إغلاقه، فلن تزيد إلا من المشكلات النفسية لدى الطفل" كما أنها لم تتحدث مع ليلى عن الأمور نفسها أيضاً.

بعد مرور أكثر من سنة على وصول ليلى إلى SOS، وصل طفل عمره تسعة أشهر إلى تلك الدار، واسمه مروان حبيجان. أحبت ليلى فكرة العناية بالأطفال الصغار، فأخذت تطعم مروان وتلعب معه وتحمله في الأرجاء وكأنها أمه، من دون أن تعرف بأنه ولد في سجن مطار المزة وبأن أمها أمامة كانت تسمع بكاءه يملأ الردهة من زنزانتها خلال الشهر الأول من ولادته. نقل مروان إلى SOS عندما نقلت أمه خارج السجن لحضور جلسات محكمة مكافحة الإرهاب، فأطلقت المحكمة سراحها، ولكن عندما قدمت إلى الميتم، أخبروها بأن المخابرات الجوية وحدها من يحق لها استرجاع وليدها، فأخبرت أمامة بذلك فيما بعد. ولقد توجهت إلى أحد فروع المخابرات الجوية على مضض لتطالب بالإفراج عن مروان وإعادته إليها، ولكن سرعان ما ألقي بها في السجن من جديد، حيث بقيت هناك لثلاث سنوات أخرى، كبر خلالها مروان، من دون أن يعرف وجه أمه أو اسمها، لأن أول شخص هتف باسمه كان ليلى.

سجن "لحن الحياة"

في الوقت الذي وصل مروان إلى ذلك الميتم، ظهرت رضيعة اسمها شام في الغرفة المجاورة لغرفة ليلى، ولم يكن لتلك البنت كنية، وينطبق الأمر نفسه على نور، وهي فتاة أكبر من شام بقليل وصلت معها إلى الدار. كانت شام مصابة بالجرب، وهذا دليل على أنها أتت من أحد السجون حيث تنتشر عدوى هذا المرض. تعلقت ليلى بشام، ولكن بعد وصولها بثمانية أشهر، نقلت إلى ميتم آخر يعرف باسم (لحن الحياة)، وأعلنت منظمة SOS بأن شام ونور مجهولتا النسب، إلا أن يتيمتين كبرتا في ميتم لحن الحياة تتذكران بأن مقدمة الرعاية أخبرتهما بأن أم شام كانت في السجن، ثم تبنت كلاً من شام ونور أسرتان مختلفتان.

كانت عمليات نقل أطفال السجناء السياسيين تتم بشكل متكرر بين المياتم، فإلى جانب المياتم الستة التي خضعت لإدارة SOS، كانت المخابرات تستعين بثلاثة مياتم أخرى على الأقل في دمشق، ولقد تحدثنا إلى أكثر من عشر أيتام ترعرعوا في ميتم لحن الحياة، فأكدوا بأن قدوم أطفال المعتقلين إلى الميتم بدأ في عام 2013، وذكرت عدد منهم بأن هؤلاء الأطفال كانوا يودعون في طابق مخصص لهم في أغلب الأحيان، بحيث يتم فصلهن عن البقية، وقال أحد الأيتام: "كانوا يلوحون لنا من النوافذ عندما نلعب في الخارج، وكنا في بعض الأحيان نتوجه إلى النوافذ حتى نتحدث إليهم، ولكن في حال رأى مقدمو الرعاية ذلك، كانوا يصرخون في وجوههم ويغلقون الشبابيك". بيد أن العادة جرت ألا يبقى هؤلاء الأطفال في الميتم لمدة تتجاوز الستة أشهر أو أكثر قليلاً، ويتابع أحد الأيتام: "كانت سيارات فان ذات نوافذ داكنة تأتي لتأخذهم تحت جنح الظلام".

كان نظام الأسد يتحكم بكل دور الأيتام في سوريا، لكنه كان يدير ميتم لحن الحياة بشكل مباشر، إذ تخبرنا إحدى المقيمات السابقات في ذلك الميتم: "كان حديثهم يقتصر على ذكر بشار الأسد والجيش، ولم يكن هنالك هاتف، أي أن المكان كان سجناً". كما أن السيدة الأولى السابقة، أسماء الأسد، تعاملت مع قضية الأيتام كمشروع شخصي، إذ كانت تزور دور الأيتام باستمرار، ولها صور كثيرة انتشرت في الصحف السورية وهي تبتسم محتضنة الأيتام في لحن الحياة. وفي صيف عام 2013، دعت نحو عشرة أطفال من الميتم لمساعدتها في إقامة مأدبة رمضانية للنازحين بسبب الحرب. ويخبرنا بعض الأيتام بأنهم عندما فرغوا من إعداد الطعام، أعلنت أسماء بأنها جهزت مفاجأة لهم، وعندئذ دخل الرئيس بنفسه  عليهم في القاعة بجسده النحيل وحركاته التي تنم عن شعور كبير بالحرج وعدم الثقة بالنفس، فركض الأيتام نحوه وهم يهتفون فرحاً.

 

ثم سأله طفل عمره ست سنوات: "هل خرجت لتوك من السجن؟" كان ذلك الطفل جديداً على الميتم وبالكاد يعرفه بقية الأطفال.

ضحك الرئيس لسؤاله وقال له: "من قال لك أني كنت في السجن؟"

بعد ذلك سألت طفلة أكبر سناً هذا الصبي عن سبب سؤاله هذا، وتتذكر أنه قال لها: "كنت في السجن مع بابا، وأخبرني بأننا عندما نخرج سنسجن بشار".

وصل رضع حديثو الولادة إلى ميتم لحن الحياة، بحسب ما ذكرته مقدمة رعاية عملت هناك خلال الفترة ما بين 2016-2019، وأضافت: "كنا كل يومين أو ثلاثة يصل إلينا رضيع حديث الولادة"، وأحد هؤلاء الرضع كان حديث الولادة جداً، لدرجة أن بقايا المادة البيضاء التي يخرج الجنين من رحم أمه وجسده مغطى بها كانت ماتزال موجودة على جسمه. وعلى المستوى الرسمي، كان ميتم لحن الحياة لا يقبل سوى الأطفال مجهولي النسب، وهذا ما جعل مقدمة الرعاية تتساءل: كيف لا يعرفون أمهات هؤلاء الرضع؟ ولهذا بدأت تشك بأن بعضاً من هؤلاء الرضع ولدوا في السجن.

تخبرنا أن طفلاً عمره عام واحد وصل إلى الميتم في أحد الأيام، فأخبرها المشرف بأن الطفل ضاع عن أهله، فاقترحت عليها التقاط صورة له لتحاول البحث عن أهله، فكان رد المشرف: "إياك أن تفعلي ذلك" ثم طلب منها المشرف أن تختار للطفل اسماً حتى يسجلوه في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فاختارت له اسم كرم، وتقول: "اعتنيت به لمدة سنتين، ثم أخذوه مني"، على الرغم من أنها توسلت إلى مدارئها حتى يتركوه لها، وأضافت: "قلت لهم بأني سأربيه، لكنهم أعطوه لأسرة من حماة وغيروا اسمه ليصبح بدر، فتركت الميتم على إثر ذلك".

معظم من أقاموا في السابق في ميتم لحن الحياة من الذين أجرينا لقاءات معهم لا يتذكرون أهلهم، ولهذا فهم لا يعرفون إن كانوا أيتاماً أم أطفال معتقلين، إلا أن ذكريات بعيدة تداهمهم في بعض الأحيان، إذ يتذكر عباس ياسر الذي أصبح عمره اليوم 23 عاماً أنه أتى من المدرسة إلى الميتم حاملاً بوظة بيده، وكان وقتئذ في الصف الثالث. وكانت هنالك امرأة تنتظره أمام المبنى، خاطبته قائلة: "أنا أمك"، ودفعت إليه بصورة له عندما كان صغيراً، وأخذ تعده بالقول: "سنأتي غداً لنحضرك فور خروج أبيك من السجن". فانتظرها في اليوم التالي، لكنه لم يعد يراها منذ ذلك اليوم.

اختطاف الرضيع محمد

بعد مرور أيام على اختفاء أسرته، غالب الحزن عبد الرحمن خال ليلى، إذ بالإضافة لليلى، هنالك أختها ووالداها، ناهيك عن زوجة عبد الرحمن وأمه وحماته وابنه الرضيع محمد الذي كان عمره أربعة أيام عندما اختطفتهم المخابرات.

لم يتمكن عبد الرحمن من الحضور عند ولادة ابنه، لأنه كان يعرف بأنه مطلوب لدى النظام، ولهذا لم يجرؤ على مغادرة بيته في الغوطة الشرقية. وهكذا وضعت زوجته إيمان مولودها في أحد مشافي دمشق وقررت أن تمضي فترة التشافي من جرح الولادة القيصرية في بيت أهلها هناك، على أن تعود للغوطة الشرقية عبر الأنفاق السرية بصحبة وليدها.

بعد بضعة أيام على الولادة، اتصل والد إيمان بعبد الرحمن، بعد أن أتى إلى البيت فلم يجد أحداً، واكتشف بأن البيت كله قلب رأساً على عقب، وهذا ما أثار ذعر عبد الرحمن. فكان آخر خبر وصله عن ابنه أنه كان مايزال في المشفى يخضع لرقابة طبية بسبب نقص سكر في الدم يظهر عند حديثي الولادة، ولذلك طلب من أحد زملائه في الهلال الأحمر بدمشق أن يتفقد المكان، وفور وصول هذا الزميل، نصحه أحد الضباط بالرحيل قبل أن يتم اعتقاله بحسب ما ذكره عبد الرحمن.

 

بعد مرور بضعة أيام على ذلك، وصلت لعبد الرحمن رسالة مباشرة عبر فيس بوك من حساب أنشأه عنصر من عناصر المخابرات، جاء فيها: "إذا أردت أن ترى أهلك مرة أخرى، فعلى ثوار الغوطة الشرقية تسليم 25 أسيراً من ضباط النظام ومواليه"، كما جاء في الرسالة: "صحة زوجتك ليست بخير"، ولذلك طلب عبد الرحمن من أحد زعماء الثوار المحليين، واسمه زهران علوش، أن يجري عملية تبادل أسرى، غير أن علوش لم يقدم له سوى كلمات مواساة فارغة.

خطرت فكرة لعبد الرحمن وهي أنه في حال علم النظام بأنه قد مات، فسيطلق سراح أسرته، فما كان منه إلا أن رد على رسالة فيس بوك برسالة كتب فيها: "صاحب هذا الحساب توفي ودفن، لذا تواصل مع شخص بوسعه مساعدتك"، ثم أرسل لأصدقائه صورة له ظهر فيها شاحب الوجه، غائب الروح، مسربلاً بالدماء، فما كان منهم إلا أن نشروها على صفحات فيس بوك وكتبوا تحتها عبارات أعلنوا من خلالها استشهاده.

لم تنطل تلك الخدعة على المخابرات، إذ عاد العنصر لمراسلته من جديد، حيث كتب له: "نعرف قصتك كلها، فقد أخبرنا أهلك بكل شيء".

مضت أسابيع من دون أي خبر يصله، ثم بدأ الضابط الذي عمل في المشفى بنشر صور له مع طفل رضيع، فعرف عبد الرحمن بأنه ابنه محمد من خلال الصور التي أرسلتها له زوجته. إلا أن الضابط ذكر أن اسم الرضيع هو علي.

انتاب عبد الرحمن إحساس فظيع بالذنب، فأخذ يجول في شوارع الغوطة الشرقية التي دمرتها الحرب وهو يصرخ لوحده بين المباني الخاوية، وفي إحدى المرات حاول أن يصل إلى الجبهة سيراً على الأقدام حتى يسلم نفسه للنظام، إلا أن أصدقاءه منعوه، فقد كان برأيهم يتمتع بصمود كبير في وجه القصف والهجمات الكيماوية، ولكنه في هذه المرة لم يستطع تحمل وطأة ما يعيشه بصورة يومية، ولذلك خصصوا له حديقة مغلقة حتى ينعزل فيها عن الناس وزودوه بمهدئات، فصار يجلس هناك يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، من دون أن ينبس ببنت شفة عن أهله.

"ابنة أختي بين يدي الله"

خلال تلك الفترة من الحرب، لم يكن عبد الرحمن السوري الوحيد الذي يبحث عن أطفاله المغيبين، إذ في عام 2015، وبحسب قاعدة بيانات المخابرات الجوية، اكتشف أحد موظفي الهلال الأحمر بأن أولاد شقيقته موجودون لدى منظمة SOS، فقدم إلى الميتم برفقة جدتهم، غير أن المخابرات أمرت بعدم تسليم الأطفال تحت أي ظرف من الظروف، ثم اعتقلوا الرجل بتهمة ارتكاب جريمة شنيعة، ألا وهي البحث عن أولاد أخته، وجرى نقله إلى سجن مطار المزة.

تعقبنا أثر خال لطفلة ورد في الوثائق بأنها نقلت إلى منظمة SOS على يد المخابرات الجوية في عام 2018، فذكر لنا ذلك الرجل بأنه بحث هو وزوجته عن تلك الطفلة في مياتم دمشق كلها، ولكنه عندما وصل إلى SOS لم يدخلوه من البوابة، فقال لزوجته: "أصبحت ابنة أختي بين يدي الله الآن، وعندما تكبر، ستبحث عن أهلها"، ويتذكر أنه عندما هم هو وزوجته بمغادرة المكان، أستوقفه أحد موظفي المنظمة وقال له: "اسمعني! لو كانت هنا، فإن حياتها ستكون أفضل مما لو كانت معكم".

حفلة في الميتم

سارت الأمور مع الجميع على هذا المنوال، إذ كانت كل أسرة تحاول أن تعثر على أولادها بمفردها تقع أسيرة ما بين الرغبة بالعثور على الأطفال والخوف من طرح كثير من الأسئلة، غير أن شخصاً اسمه خالد مرعشلي، يعمل في مجال استيراد الأدوات المنزلية ويعرف عنه إحسانه للناس قطع مسافة أبعد ضمن هذا المضمار. إذ في عام 2013، أتته إحدى المتطوعات في الجمعية الخيرية التي أقامها مرعشلي حاملة خبراً مرعباً، وهو أن زوجة شقيقها رانيا العباسي وهي بطلة سوريا بلعبة الشطرنج، اعتقلتها المخابرات من بيتها مع زوجها وأولادها الستة، من دون أن يعرفوا إلى أين اقتيدوا أو ما تهمتهم. فطلبت هذه المتطوعة من مرعشلي الذي كان لديه معارف من مسؤولي النظام، مساعدتها في معرفة ما حل بهم.

 

وافق مرعشلي على التفكير بالأمر، ثم أقنع كبار ضباط المخابرات بأن يجلبوا السجناء إلى جمعيته الخيرية عند إطلاق سراحهم، حتى يساعدهم بالوقوف على قدميهم من جديد، ويعلق مرعشلي على ذلك بقوله: "كنت أرغب بتقديم سلة تبرعات للسجين، لأن جمعيتي جمعية خيرية، ولكن في الوقت نفسه، بوسعي الحصول على معلومات من خلاله". وعبر تلك المصادر وغيرهم من المعارف لدى النظام، سمع مرعشلي عن نقل أطفال المعتقلين إلى المياتم التي تديرها منظمة SOS ضمن ما يعرف بقرى الأطفال. وكان مرعشلي يدرك بأنه في حال رغبته بدخول ذلك المكان، فعليه أن يعثر على قصة تخفي نواياه الحقيقية وتبرر دخوله، لذا، وفي أواخر عام 2016، حصل على إذن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حتى تقيم جمعيته الخيرية حفلاً للأطفال الموجودين في أحد مياتم SOS بالصبورة، أي في الميتم الذي يبعد بضع كيلومترات عن ذاك الذي احتجزت فيه ليلى وليان.

خلال تلك الحفلة، اصطحبت مقدمات الرعاية معاونة مرعشلي في جولة داخل الميتم، فلاحظت وجود بعض الأطفال في غرفهم وعدم مشاركتهم في الحفلة، كما أخبرهم العاملون في الميتم أن التصوير ممنوع، غير أنهم التقطوا بالسر صوراً للأطفال بواسطة هواتفهم ونشروها على صفحات فيس بوك مخصصة للمفقودين من الأطفال، فتواصلت أسرة مع مرعشلي وأخبرته بأنها تعرفت على أحد الأطفال، وهو طفل في العاشرة من عمره تقريباً، يتميز بحاجبين كثين وأسنان بارزة، ثم قدموا إلى SOS ليأخذوا الطفل، فنشر مرعشلي صور لم شملهم على فيس بوك، وكتب تحتها: "فرحة كبيرة لهذه الأسرة وللطفل الذي ظنت أسرته بأن الحرب أخذته لمصير مجهول".

بعد ذلك بفترة قصيرة، استدعي مرعشلي للتحقيق لدى المخابرات العسكرية، ويتذكر كيف احتجزه أحد الضباط في سجن انفرادي وأخبره بأنه سيعدم، وبعد ساعات على ذلك، اقتاده الضابط إلى غرفة، وأمره بالجلوس ثم قدم له القهوة مع لفافة من التبغ، وسأله عن ابنه الذي كان عمره 16 عاماً وقتئذ، إذ يتذكر مرعشلي سؤاله وكيف قال له: "كيف حال قصي؟ اسمع يا خالد! أنت رجل طيب، لكن عليك أن توقف هذا البحث، لأنك لن تورط نفسك فحسب، بل أيضاً ستورط أولادك، لذا عد إلى جمعيتك الخيرية وارجع لمساعدة الناس، وابتعد عن المياتم، لأن هذا العمل عملنا، ولو اقتربت منها مرة أخرى، فلا أحد يعرف ما الذي يمكن أن يحدث عندئذ".

في السجن، بقيت أمامة تفكر بابنتيها كل يوم، بعد أن أخبرها الحرس بأنهم أخذوا ابنتيها إلى أقربائهما، لكنها لم تصدقهم. كانت في الزنزانة برفقة عشرين امرأة أخرى، بينهن زوجة شقيقها عبد الرحمن التي لم تكن تعرف أين رضيعها محمد. أي أن إيمان كانت تشتاق لطفل لم تسنح لها الفرصة للتعرف عليه.

أطفال في المنفردات

خشيت أمامة وإيمان على أطفالهما، لكن فكرة عدم وجود الأطفال في السجن جعلتهما تشعران بالامتنان، لأن الأطفال لو ظلوا في السجن لكانت الأمور قد وصلت بهم إلى الحبس الانفرادي الذي يعيشه طفل في العاشرة من عمره كانوا يسمعون صوته في الردهة، فقد أعدم والدا هذا الطفل، وصار بعد ذلك يتعرض للضرب في كل مرة يتأخر بالخروج من الحمام. كما حبس طفلان مع أمهما وجدتهما منذ انشقاق أبيهما عن سلاح الجو في عام 2012، وفي بعض الأحيان، كانت أمامة تسمع حوارات بين أحد الأطفال الصغار والحرس، وكان من الواضح أنه لا يدرك ما يحدث في العالم الخارجي إلا بنسبة قليلة، إذ في إحدى المرات دفع الحارس له بنقود  من خلال نافذة زنزانته، لكنه لم يدرك ما هي، بل حتى الفواكه كانت غريبة عليه.

 

عاشت أمامة وزميلاتها في الزنزانة على حصص ضئيلة من الخبز والبطاطس وحزم من أوراق السلق المسلوق الذي كان يطهى في ماء موحل مليء بالديدان. كما كانت كل سجينة تحصل على بيضة مسلوقة واحدة بالأسبوع، وفي حال وجود امرأة حامل في زنزانتهن، وهذا حالهن في أغلب الأحوال، عندئذ تتقاسم معظم النساء حصصهن مع تلك الحامل. كما أن بعض المعتقلات الشابات على وجه الخصوص كن يغازلن الحرس ويغرونهم حتى يجلبوا لهن هدايا مثل العلكة أو البسكويت أو الصابون ليغسلن ثيابهن. وكانت إحداهن بارعة في الاستعانة بتلك الحيلة، إذ سعت لكسب ود أحد الحراس حتى تسأله عن مكان أولادها، فذكر لها بأنهم موجودون في قرى الأطفال SOS على الأغلب.

إضراب أمومي عن الطعام

وبمرور الشهور، زاد عدد النساء اللواتي علمن بأن أولادهن موجودون في المياتم التي احتجزوا فيها كما احتجزت أمهاتهم، إذ إن كثيراً من الأمهات، وبينهن أمامة، أخذن كرهائن، وذلك إما للضغط على أزواجهن أو أشقائهن حتى يسلموا أنفسهم، أو من أجل مبادلتهن مع ضباط النظام المحتجزين لدى الثوار، وهذا يعني بأنهن يتمتعن ببعض الأهمية، وبأن النظام يريد لهن أن يبقين على قيد الحياة.

ومن خلال أحد الموظفين في السجن، تناقلت النسوة الرسائل من زنزانة لزنزانة، وقررن إثر ذلك البدء بإضراب عن الطعام، وعند حلول اليوم المحدد لذلك، أخذت السجينات يصرخن ويطرقن على الأبواب والجدران بعنف رافضات إدخال أي طعام إلى الزنازين. وبعد بضعة أيام، أتى رئيس السجن ليتحدث إليهن، طالباً منهن الصبر قائلاً لهن: "ألم يسجن النبي يوسف؟ وألم يخرجه الله من السجن؟" فأعلنت النسوة أن كل ما يردنه هو أن يعرف أهلهن أنهن موجودات في السجن، وأن يرين أولادهن.

الإراءة في السجن

بعد بضعة أيام، نادى الحراس أرقام بعض السجينات، فكانت بينهن أمامة، ثم أخذها ضابط إلى غرفة، حيث جلست تنتظر، وفجأة فتح الباب، فرأت ابنتيها تقفان أمامها هناك وكأنها في حلم، إذ صاحت ليلى: "ماما!" وقفزت إلى حضن أمامة وأخذت تتلمس وجهها، وتقول: "ماما! أريد أن أنظر إلى وجهك لأطول وقت ممكن قبل أن يأتوا ويأخذوني"، ثم نظرت إلى كم والدتها، إذ بدا لها مختلفاً عما كان عليه عند رحيلها عن السجن، إذ في ذلك الحين، كانت ذراع أمامة تملأ الكم تماماً، أما اليوم فقد أصبح الكم عريضاً وفضفاضاً.

وقفت ليان جامدة هناك، فقد مضت سنة ونصف من دون أن ترى أمها، وأصبح عمرها الآن خمس سنوات، ولذلك سحبتها أمامة لحضنها هي وليلى وأخذت تقبل يديها وقدميها، إلا أن ليان أشاحت بنظرها عنها، فقالت أمامة: "ألا تتذكرينني؟ أنا أمك! انظري إلي! كلميني!" عندئذ شرعت الحارسة الواقفة في الغرفة بالبكاء، وبعد أقل من خمس دقائق على بدء اللقاء، أخبرت الحارسة أمامة بأن الزيارة انتهت واقتادت الفتاتين خارج الغرفة.

بعد عودة النساء إلى الزنزانة الجماعية، تشجعت نساء أخريات على مواصلة المشوار بفضل تلك الزيارات، في حين أزعجت الزيارات نفسها أخريات، بيد أن إيمان لم تتعرف على وجه رضيعها في وجه الصغير الذي أتوا به إليها، فظنت بأنهم خدعوها، ولهذا أنكرت أن يكون هذا الطفل ابنها.

 

لم يمض وقت طويل على الاحتجاج حتى أطلق سراح امرأة من تلك الزنزانة في صفقة تبادل، فقامت باستعادة ابنها من منظمة SOS ثم تواصلت مع شقيقة إيمان، لأنها وجدت ابن إيمان هناك، ولذلك أعطت خالته رقم إحدى مقدمات الرعاية اللواتي كن يعملن في الميتم. في تلك الأثناء كان عبد الرحمن غارقاً بأحزانه ظناً منه بأن أسرته أصبحت ضمن عداد الموتى، إلا أن مقدمة الرعاية أخبرتهم بأنه يستحيل على أهل الطفل القدوم لأخذه إلا بعد دفع مبلغ قدره 300 دولار، ثم أرسلت لهم صورتين للطفل، ظهر فيهما بوجه ممتلئ وشعر أجعد.

مرت سنة بعد ذلك، محيت خلالها صورة الأم من ذكريات ليلى، فقد نقلتها SOS هي وليان وغيرهما من أطفال المعتقلين إلى ميتم آخر في الصبورة، وهو الميتم نفسه الذي زاره مرعشلي. كان ذلك الميتم أشد صرامة وانضباطاً، إذ لم يسمح لهم بالخروج في نزهة إلى الحدائق أو ممارسة أي نشاط في الخارج. وهناك تعلق محمد بليلى، ومحمد هو ابن خال الفتاتين وهو الذي رافقهن في زيارة السجن نفسها، ثم نقل معهن إلى الميتم نفسه في نهاية الأمر، وهكذا صار ينام في سرير ليلى التي أصبحت تمضي الليل ساهرة في معظم الأحيان، إذ شعرت بنفسها تتحول إلى فتاة غاضبة بعد أن عاشت حياة مريرة عندما أصبح عمرها عشر سنوات، ولهذا بدأت تنسحب بعيداً عن الأصدقاء وتنهال على الجميع بالشتائم والسباب بشكل عشوائي.

ما بين اليأس والترقب

في تلك الأثناء، وتحديداً في السجن أصبحت الأيام أقصر وأشد برودة، ثم صارت أطول وأشد حرارة، وقدمت إلى السجن نساء، وخرجت منه نساء، من دون أن تعرف البقية ما إذا نالت تلك النسوة حريتهن، أم نقلن إلى سجن سري آخر، أم تعرضن للقتل. حاولت أمامة أن تقاوم ما يدفعها لليأس، ولهذا عمدت وبكل دأب إلى استخراج القمل من ثياب السجينات وبطانياتهن، كما أمضت أيامها وهي تخيط رسالة لأولادها على مزقة من قماش. غير أن ظاهرها المفعم بالتفاؤل بقي ينهار على الدوام، لأنها كانت تعرف بأن فكرة وصول الرسالة إلى أهلها ما هي إلا محض خيال مبني على يأس وقنوط، ولهذا مزقت الرسالة قبل أن تنهيها.

أيهما ينهار أسرع: الروح أم الجسد؟ كان من الصعب على أمامة معرفة ذلك، إذ في خضم اكتئابها العميق، أصيبت بالتهاب الكبد، فأجبرت على عزل نفسها لمدة شهر داخل زنزانة انفرادية. وعندما استعادت عافيتها، أصبحت فكرة تحملها ليوم آخر عبئاً ثقيل الوطأة على نفسها، ولذلك انتشرت بقع حمراء وسوداء وزرقاء على كامل جسدها، ثم ظهرت لديها أعراض فقر الدم وسوء التغذية، فنقلت إلى أحد المشافي العسكرية حيث نقلوا لها الدم وهي مقيدة إلى الأرض.

في أواخر عام 2017، نقلت أمامة وقريباتها إلى فرع المخابرات العسكرية 215، حيث يعتقد بأن بطلة الشطرنج رانيا العباسي قد نقلت إليه، وحيث تعرض الآلاف من المعتقلين للتعذيب حتى الموت. لم يكن هنالك أي وسيلة لتهوية زنزانتهن، ولذلك ساءت أحوالهن الصحية، وهناك فقدت أمامة كل أمل كما فقدت إحساسها بالخوف، حيث أخذت تصرخ في وجه الحراس وغطت أجهزة التكييف التي كان الضباط يستخدمونها لتبريد السجينات حد التجمد، وأقنعت زميلاتها في الزنزانة برفض تناول الأدوية إلى أن يجبلوا لهن شامبو للقمل، وصارت تفتعل مشكلة كل يوم، ثم جرحت نفسها وكتبت أسماء أولادها على ذراعيها بدمها، فأتى المحقق وسألها عما يحدث، فطلبت منه أن يقتلها، فما كان منه إلا أن رد عليها بالقول: "انتظري بضعة أيام فحسب"، إذ كانت أسرتها ضمن القائمة التي أعدها المحققون من أجل عملية تبادل الأسرى.

 

في آذار من عام 2018، أي بعد مرور ثلاثة أعوام تقريباً على اعتقال أمامة وقريباتها، أتوا بها مع بقية أهلها إلى حاجز تفتيش في منطقة للثوار وحرروهم مقابل تسليم أسرى من جنود النظام. ثم قاد أحد الضباط السيارة التي حملت أمامة وإيمان إلى SOS حيث ركضت ليلى إلى أمها وعانقتها بقوة، في حين وقفت ليان ومحمد على مبعدة. كانت ليان قد بلغت السابعة من عمرها وقتئذ، لكنها بدأت بالبكاء وصارت تصرخ وتتمسك بمقدمة الرعاية رشا وهي تقول: "لا أريد أن أذهب، أريد ماما رشا"، فما كان من رشا إلا أن حملتها ووضعتها في السيارة وأغلقت الباب، وفي أثناء ابتعاد السيارة عن ذلك المكان، حاولت أمامة تهدئة ليان، كما حاولت إيمان تهدئة محمد، لكن الشخص الوحيد الذي تجاوبا معه كان ليلى.

SOS تتقرب من الأسد

في البيانات الرسمية التي أطلقتها SOS منذ سقوط النظام، تجنبت الاعتراف بشكل صريح بأن موظفيها كانوا على علم بقبول المنظمة لأطفال أخذوا من سجناء سياسيين، إذ في شباط الماضي، قالت أنجيلا روزاليز التي شغلت منصب المدير التنفيذي لـSOS  لفترة مؤقتة: "إن حقيقة الأمر تتلخص في أنه لم يتضح سبب فصل الأطفال" عن ذويهم"، بيد أن الوثائق واضحة، إذ في إحدى المذكرات الصادرة عن الوزارة والواردة إلى SOS في عام 2014، وردت حادثة إحالة لخمسة أطفال بأوامر من قسم التحقيق بالمخابرات الجوية "بما يتماشى مع المصلحة العامة". وفي وثيقة أخرى عنونت بأنها: "سرية للغاية"، أخطرت المخابرات الجوية الوزارة بتوجهها إلى SOS لإحضار أحد الأطفال الذين أودعتهم هناك.

غير أن روزاليز تعترف بأن: "السياق كان غاية في التعقيد، إذ كان النظام مسيطراً إلى أبعد الحدود، والخوف الشديد يعتري كل الناس، كما أن الموظفين ينتمون لمجتمعات محلية، أي أنهم كانوا يعرضون حياتهم للخطر"، ولكن بدلاً من أن تنأى المنظمة بنفسها عن كل ذلك، سعت لإقامة علاقات أوثق مع النظام، إذ في عام 2016، عينت سمر دعبول في منصب رئيسة عمليات المنظمة في سوريا، وسمر هذه إحدى الصديقات المقربات من عائلة الأسد، وابنة ديب دعبول، وهو شخصية متنفذة أسهمت بوصول الأسدين إلى السلطة، كما أنه بقي يشغل منصب مدير مكتب الرئاسة لخمسة عقود. في حين أن شقيق سمر، واسمه سليم، كان أحد أقطاب الأعمال والمشاريع الذين ربطتهم علاقات تجارية مع الدولة السورية، بيد أن المكتب الدولي لـSOS رفض الطلب الذي قدمناه لإجراء مقابلة مع سمر، ثم انتشر خبر استقالتها في أيار الماضي.

اعترافات SOS

أسر لنا ناطق رسمي عمل لدى هذه المنظمة بأن قلق الموظفين المحليين تجاه المكاتب الدولية للمنظمة بدأ يظهر في عام 2017، إلا أن المنظمة لم توقف عملية قبول أطفال السجناء السياسيين إلا بعد مرور عام على ذلك. إذ في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، زعمت SOS بأنها اتخذت: "إجراء حاسماً في عام 2018 يقضي بوقف "عمليات الإحالة القسرية للأطفال إلى رعايتنا من دون توفر وثائق رسمية" إلا أن هذا القرار تزامن مع تقليص عملياتها في سوريا بشكل عام وذلك نظراً للتغيرات التي طرأت على التمويل، كما أن المنظمة لم تفتح تحقيقاً داخلياً بتلك الحوادث، ولم تكشف ما كان النظام يفعله. إذ خلال السنوات الست التي أعقبت عام 2016 وصولاً إلى نهاية الحرب، استمرت المخابرات بإرسال الأطفال إلى مياتم أخرى، واحتفظت SOS بذلك السر.

 

في مطلع هذا العام، أجرت المنظمة مراجعة داخلية وسط تشكيك كبير، خلصت من خلالها إلى أنه خلال الفترة الواقعة ما بين عامي 2013-2018، وضع ما لا يقل عن 139 "طفلاً من دون وثائق رسمية" تحت عهدة الخدمات الاجتماعية السورية، ولم تعرف المنظمة إلا بوجود 34 حالة لأطفال التم شملهم مع أهلهم، وكل من تبقى من هؤلاء الأطفال الذين بلغ عددهم 105، جرى تسليمهم للسلطات من جديد، باستثناء حالة واحدة، وادعت SOS بأنها لا تعرف إلى أين نقل هؤلاء الأطفال، وأضافت في آخر بيان لها: "نعترف بأنه على الرغم من طيبة نوايانا إلى أبعد الحدود، فإن القرارات التي اتخذناها خلال تلك الفترة لم تحقق جميعها أعلى المعايير التي نلتزم بها"، فيما ذكر الناطق الرسمي باسم المنظمة بأن العمل يجري في الوقت الراهن على تحقيقين داخليين، وتأمل المنظمة لهما أن "يقدما مزيداً من الأفكار المتعلقة بالوضع خلال تلك الفترة".

اعتقالات على خلفية إخفاء الأطفال

في تموز الماضي، ألقت الحكومة السورية الجديدة القبض على مدراء سابقون  لعدد من دور الأيتام وعلى الوزيرتين السابقتين للشؤون الاجتماعية والعمل، وهما كندة الشماط وريما القادري، وذلك للتحقيق معهم بشأن ضلوعه في إخفاء الأطفال بشكل قسري. وتعليقاً على ذلك قالت رغد زيدان رئيسة لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة الجديدة: "إن توقيع [الوزيرتين والمديرين] موجود على الوثائق الرسمية المتعلقة بإخفاء الأطفال الذين أتوا من فروع الأمن بل حتى على إحالات الأطفال إلى بيوت الناس الذين تبنوهم" (ولم توجه للمديرات وللوزيرتين أي تهمة حتى الآن).

ومن بين الوثائق التي حصلنا عليها كانت هنالك أوامر موقعة صادرة عن ثلاثة وزراء سابقين للشؤون الاجتماعية والعمل، وهم سلوى عبد الله، ومحمد سيف الدين، ولؤي عماد الدين المنجد، حيث أمروا من خلالها دور الأيام بأخذ أولاد السجناء السياسيين وإخفاء هوياتهم، غير أن السلطات السورية لم تحقق مع أي منهم حتى الآن، كما لم تستجوب أياً من المحافظين السابقين لمحافظة ريف دمشق وهم علاء منير إبراهيم، ومعتز أبو ناصر جمران، وصفوان سليمان أبو سعدة، بما أن تواقيعهم ظهرت على مراسلات مماثلة. غير أن سامي قربي وهو الناطق الرسمي باسم اللجنة، ذكر بأن المديرة دعبول لدى SOS تعتبر أحد المشتبهين بهم في هذه القضية، ولكنها كغيرها من المرتبطين بالنظام البائد، هربت من سوريا إلى الإمارات.

 

أعداد مهولة

جمعت اللجنة أسماء ما لا يقل عن 314 طفلاً وطفلة من أبناء المعتقلين الذين نقلوا إلى دور الأيتام، وتخبرنا زيدان بأن إفادة الشهود التي أخذوها منذ فترة قريبة تشير إلى احتمال وجود حالات أكثر بكثير، لأن السجلات التي بين أيديهم ليست كاملة، كما أن بعض المياتم عبثت بملفاتها في محاولة لإخفاء تواطؤها.

وتشك زيدان بأن عدداً كبيراً من الأطفال المفقودين لم يمروا على دور الأيتام، فقد وصلت للجنة تقارير تفيد باختطاف أطفال على حواجز لميليشيات أجنبية كانت تحارب لصالح نظام الأسد، وتعلق على ذلك بقولها: "لعلهم أرسلوهم خارج البلد، أو جرى تبنيهم ضمن هذه الميليشيات"، ولم يتضح بعد العدد الإجمالي للمفقودين من الأطفال، ولكن بناء على عدد الأهالي الذين راجعوهم، فإن عدد هؤلاء قد يكون أعلى بكثير من عدد الحالات التي تم التعرف إليها حتى الآن.

أكد التحقيق الذي أجرته الحكومة تغيير هويات بعض أطفال المعتقلين بحسب ما أوردت زيدان، على الرغم من أنه لم يتضح عدد الأطفال الذين جرى تغيير هوياتهم. كما لم تصدر اللجنة أي نتيجة بعد بخصوص تورط SOS في تلك الممارسات من عدمه، ففي إحدى قواعد البيانات التي حصلنا عليها هنالك مذكرة صادرة عن رئيس فرع التحقيق لدى المخابرات الجوية والتي يعود تاريخها إلى كانون الأول 2014، أي بعد مرور عامين تقريباً على بدء استقبال SOS لأطفال المعتقلين. ولقد أوصى هذا الرئيس في تلك المذكرة بإحالة أربعة أطفال محتجزين في سجن مطار المزة إلى SOS "بأسمائهم الحقيقية" لأن منحهم "أسماء وهمية" يمكن أن يلفت النظر. غير أن هذه التوصية تثير هذا التساؤل: لم يتعين على المخابرات الجوية أن تطالب باحتفاظ هؤلاء الأطفال بأسمائهم إن لم يكن غيرهم من الأطفال قد عاشوا تجربة تغيير هوياتهم عند إحالتهم إلى SOS؟

تغيير الأسماء والهويات

يخبرنا بيرتيل فيديت الناطق الرسمي باسم المكتب الدولي لـSOS بأنه بما أن قوات الأمن لا تقدم ما يثبت هوية الأطفال بشكل قانوني، لذا "يستحيل التأكد من دقة جميع الأسماء"، غير أنه أكد بأن SOS "لم يطلب منها تغيير أو ابتداع أسماء للأطفال الذين أصبحوا تحت رعايتها"، لكن السجلات الرسمية تفتح المجال أمام الشك. ففي خطاب وجهته المنظمة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في عام 2013، سألت المنظمة الوزارة عن طريقة تسجيل الأطفال الذين أصبحوا تحت رعايتها بعد أن تسلمتهم من فروع الأمن، فردت الوزارة بأن على المنظمة "اتباع الإجراءات نفسها التي تتبع عند تسجيل الأطفال مجهولي النسب" والتي اعتمدها الميتم الذي كان تحت إدارة النظام والذي أصبح اسمه فيما بعد لحن الحياة. ثم إن تسعة من أصل 14 شخصاً أجرينا معهم مقابلات لأنهم كبروا في تلك الأماكن ذكروا لنا بأنهم تعرضوا لتجربة تغيير هوياتهم.

وأحد هؤلاء شاب يدعى علاء رجوب، كانت لديه وثائق تظهر أنه في عام 2013 أي عندما كان في الثانية عشرة من عمره، ابتدعت له وزارة الداخلية اسمين جديدين لوالديه، ثم صححت كنيته لتصبح ناصيف. وعن ذلك يقول: "سألتهم عن سبب قيامهم بذلك، فلم يجبني أحد"، وبعد سقوط النظام، عثر هذا الشاب على بعض أقاربه، أما عبادة حسان وهو شاب في الخامسة والعشرين من العمر فقد ذكر بأنه خلال السنوات التي أعقبت إحالته إلى الميتم برفقة شقيقه وشقيقته، أخبروه بأنهم لم يعودوا أشقاء بعد اليوم، فأصبح لكل منهم كنية مختلفة. وفي مطلع هذا العام، أجرى حسان وشقيقه فحص الحمض النووي الذي أثبت ما كانا يعرفانه على الدوام، وهو أن النظام حاول قطع علاقة كل مهما بالآخر، كما حاول قطع علاقتهما بماضيهما.

"بما أن البلد خدمكم،  فعليكم أن تخدموه"

غيرت ألقاب معظم الأطفال في لحن الحياة عند وصولهم لسن الأهلية للتجنيد في الجيش، وذلك لأن القانون السوري يعفي الأطفال مجهولي النسب من الخدمة العسكرية، إلا أن عدداً من هؤلاء الذين أجرينا معهم مقابلات ذكروا بأنهم قالوا لهم بأن القانون لا يطبق عليهم، إذ قالت لهم إحدى مديرات لحن الحياة واسمها نداء الغبرة: "بما أن البلد خدمكم،  فعليكم أن تخدموه"، ويحدثنا قربي عن الغبرة فيقول بإن: "علاقة قوية كانت تربطها بأسماء الأسد"، ولهذا يعتقد بأن الميتم أجبر الأيتام على التطوع في الجيش "حتى يتقرب هؤلاء من النظام".

 

يخبرنا عبد الله بدرة البالغ من العمر 23 عاماً بأنه حاول التهرب من الخدمة، لكنهم أمسكوا به واقتادوه إلى سجن صيدنايا، حيث اتهموه بأنه أحد مقاتلي الثوار وعذبوه، لكنه أخبر المحقق بأنه يتيم من لحن الحياة، فرد عليه الضابط بالقول: "أنت إرهابي كأبيك"، لكن بدرة لا يعرف ذلك عن أبيه، فهل المخابرات كانت تعرف؟

إمكانيات غائبة

لم تبدأ لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة ببذل جهود كبيرة في محاولة معرفة أماكن الأطفال المفقودين إلا منذ فترة قريبة، ولكن بما أن معظم الأطفال كانوا رضعاً عندما فصلوا عن ذويهم لذا فإن عملية تعقب أثرهم أضحت مليئة بالتحديات، ولذلك تقول زيدان: "هنالك أطفال التقينا بهم تربوا على أيدي من احتضنوهم، ولا يعرفون أي شيء عن عائلاتهم الأصلية، وبالنسبة لبعض العائلات، من الواضح كيف حصلوا على أطفال بالتبني، ولكن هنالك حالات كثيرة بحاجة لتحقيق وتقص".

بعد اختطاف الأنظمة العسكرية في الأرجنتين والسلفادور لمئات الأطفال وعرضهم للتبني خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أنشئت قواعد بيانات للحمض النووي بمساعدة فرق دولية متخصصة تضم علماء أنثروبولوجيا متخصصين بالطب الشرعي، إلى جانب غيرهم من المختصين، بحيث أصبح بوسع أهالي المفقودين أن يقدموا عينات من الحمض النووي الخاص بهم، ليتم تبادل مسحات مع بالغين آخرين في مختلف بقاع العالم يعانون من مشكلة اختطاف أولادهم، ولذلك ترى زيدان بأن فحص الحمض النووي قد يساعد في الملف السوري، ولكن من دون دعم دولي، لا تتوفر في البلد هذه الإمكانية، وفي الوقت الذي يبحث الأهالي في سوريا عن أحبائهم، تواصل عملها في سوريا منظمات مثل SOS  وغيرها من المياتم التي كانت تنسق مع نظام الأسد.

البحث عن الأمان

بعد أن التم شمل عائلة غبيس، قررت أمامة أن تأخذ أطفالها لمكان لا يمكن لنظام الأسد أن يصل إليه، فقد عثرت هي ومصعب على ولديها المراهقين عمر وعاصم، فتوجهت الأسرة بكاملها إلى الجبال عبر الغابات، ثم قطعوا الحدود إلى تركيا، وسجلوا ليلى وليان في المدرسة، ثم أصبح لديهما طفل آخر اسمه أحمد، ومع ذلك لم تشعر أمامة بالأمان. وخلال العام الماضي، سيطرت المشاعر المناهضة للسوريين على البلد، وحطم زجاج واجهات المتجر الذي يعمل مصعب فيه، وبما أن عمر صار يعمل مترجماً في أحد المشافي، لذا اتهمه أحد الأتراك في أحد الأيام بالتحديق بزوجته وأخذ يضربه. بعد ذلك، وبقدرة قادر، ظهرت تلك الاستمارة التي تقدموا بها في عام 2021، فمنحوا بموجبها حق اللجوء في الولايات المتحدة.

سافرت الأسرة من اسطنبول إلى بوسطن في آب الماضي. وطوال شهرين، وفرت لهم منظمة خيرية كاثوليكية الإقامة في أحد الفنادق القريبة من أحد منحدرات الطريق السريع بريف ماساتشوستس، فكان أقرب مكان لشراء البقالة هو متجر وولمارت الذي يبعد عنهم مسافة ستة كيلومترات، وكانت وسيلة النقل العامة الوحيدة المتوفرة هي الحافلة لكنها كانت تأتي في الصباح وتعود في المساء، ولذلك كان مصعب يذهب إلى المتجر ويعود منه سيراً على الأقدام على الرغم من الألم الذي داهم ساقيه، فقد تضررت ساقاه منذ أن تعرض للتعذيب في السجن، حيث تورمتا فأصبحتا بضعف حجمهما.

كان مصعب من ذلك النوع الذي يتحمل بصمت، إلا أن صوراً معينة لم تكن تفارقه، مثل صورة الرجل الذي تركه الضباط ليموت داخل زنزانته بعد التحقيق، والذي ظل عارياً ونزف من رأسه حتى مات، أو صورة ذلك الرجل الذي بقي يتقيأ دماً حتى فارق الحياة، والذي من أجله أجبر الضباط سجينين آخرين على كتابة تصريح مصدق بأنه اختنق أثناء تناول الطعام.

بيد أن مصعب صار هو وأمامة يركزان على مصاعب حياة اللجوء في أميركا، وأهمها العيش على مساعدات برنامج المساعدات الغذائية ومحاولة تعلم الإنكليزية من يوتيوب، والبحث عن طريقة لتأمين سكن من دون قيد ائتماني. وفي أثناء بحثهم عن مكان للاستقرار، وصلت إلى السلطة إدارة بدأت تخفي الناس، وخاصة المهاجرين من أمثالهم، وذلك عبر الاستعانة برجال شرطة ملثمين، ومع ذلك، أصروا على إعطاء الحياة في أميركا فرصةـ بما أن مستقبل سوريا غير مضمون، والأطفال بحاجة للتعليم في المدارس، كما عليهم تسديد ثمن بطاقات السفر التي دفعت لهم.

وفي بعض الأحيان كانوا يتصلون بإيمان وعبد الرحمن ليتفقدوا أحوالهما، فقد كان هذان الزوجان نادراً ما يناقشان تجربة إيمان في السجن، أو تجربة عبد الرحمن خارجه. وعلى مدار بضعة أشهر بعد خروج إيمان، صارت تسأل ابنها محمداً الذي كان عمره وقتئذ عامين عن الوقت الذي أمضاه في الميتم، ولكن لم يمض على ذلك وقت طويل حتى كفت عن طرح هذا الموضوع، حتى نسي محمد الأمر برمته في نهاية المطاف.

 

عثر مصعب وأمامة على شقة في وورسيستر أخيراً، وقد قمنا بزيارتهما في شهر شباط الماضي، حيث جلسنا على أرض غرفة المعيشة التي لم تفرش بعد في شقتهما، وقدم لنا مصعب النسكافيه، أما أمامة فقد كانت ترتدي مانطو رمادياً مع حجاب، وبدأت تسرد علينا قصتها. وعلى مدار الساعات الطويلة التي أمضيناها ونحن نحاورها، لم يتهدج صوتها إلا مرة واحدة، وذلك وهي تتحدث عن نفسها عندما أخبرت ليلى في السجن بأنهم سيأخذونها هي وشقيقتها، وقالت: "لم أعرف إن كان علي أن أبكي أم أن أصمد أمام ابنتي حتى تبقى قوية".

تحدثنا عن النساء والأطفال الذين التقت بهم في السجن، ومعظمهم تعرفنا إليهم من خلال اللغة البيروقراطية الباردة لملفات المخابرات، ثم شرحنا لأمامة ومصعب بأننا من خلال تلك الملفات تعرفنا على أسرتهما، وعندما عرضنا عليهم ما توصلنا إليها، أخبرتنا أمامة بأن ما وجدناه هو الدليل الوحيد الذي شاهدوه على أنهم كانوا في السجن في يوم من الأيام.

التعافي من الجروح

خلال حوارنا، أتت ليلى وليان من المدرسة وقد حملت كل منهما حقيبتها المدرسية على كتفيها، وغطت رأسها بحجاب لفتاه بإحكام. أصبحت ليلى في الثامنة عشرة من عمرها، ووصلت إلى السنة النهائية في الثانوية، وقد جلست بجانب أمها، لكنها كانت تتدخل بين الفينة والأخرى لتدلي بتفاصيل أكثر عن تجربتها في الميتم. أما ليان التي أصبح عمرها 14 سنة، فقد جلست بهدوء في الغرفة وغالباً ما كانت نظراتها فارغة حائرة أثناء حديث أمها وشقيقتها.

قالت لنا أمامة: "عندما كانت ليان أصغر، كانت شخصيتها أقوى، أما اليوم فقد أصبحت أشد تحفظاً، في حين أن ليلى أضحت على نقيض ذلك، لأن تجربتها جعلتها أجرأ". وتخبرنا الأم بأن مسافة بقيت تفصل بين أفراد الأسرة لفترة طويلة، وتضيف: "ضعفت العواطف، فقد عاشت ابنتاي في بيئة مختلفة عن البيئة التي عرفتاها معنا، أما ولداي فقد أصبحا غريبين عني، بعد أن عاشا ظروفاً بالغة القسوة في الغوطة الشرقية. وفي ظل غياب الأسرة، صارا يعتمدان على أصدقائهما، غير أن هؤلاء الأصدقاء قتلوا أمامهما، ولهذا بات علينا أن نتشافى من جروحنا معاً، وأن نتعرف على بعضنا من جديد".

ذكرت ليلى بأنها لم تدرك كنه شعورها عند رحيلها عن SOS، وأضافت: "لم أميز بين الحزن والسعادة"، والآن بعد أن كبرت، أدركت كيف أصبحت لينة العريكة، وكيف بدأت شخصيتها بالتطور أثناء وجودها في الميتم. وتتذكر في فترة من الفترات قبل خروجهما من هناك، كيف جمع الموظفون الجميع في قاعة جماعية حتى يشاهدوا خبر استسلام الثوار في الغوطة الشرقية التي تنحدر ليلى منها.

 

وتعلق على ما جرى بالقول: "كان الأمر أشبه باحتفال بالانتصار، إذ كان مقدمو الرعاية في غاية السعادة، وكذلك أنا، بما أنني كنت مثلهم" ولهذا تتساءل عما يمكن أن يحل بها لو لم تخرج من هناك وهي طفلة، فقد قرأت وشاهدت منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي عن أيتام جرى تغيير أسمائهم وإرسالهم للجيش، وتضيف: "كنت قد قتلت الأبرياء بعد أن تعرضي لعملية غسل دماغ".

قرأنا على مسامع ليلى أسماء عدد من الأطفال الذين عثرنا عليهم في السجلات الخاصة ممن أرسلوا إلى SOS حيث كانت تعيش، لكننا لم نتمكن من تعقب أثر أي منهم، فتعرفت ليلى إلى بعض الأسماء، في حين لم تتمكن من تذكر البقية، ثم فتحت صفحة SOS على فيس بوك وعرضت علي صوراً لأطفال تعرفهم، إلا أن أسماء هؤلاء الأطفال لا تماثل الأسماء الموجودة في السجلات التي حصلنا عليها.

جالت ليلى بين المنشورات التي زعمت من خلالها SOS بأنها تساعد الأطفال على: "أن يكبروا بأمان وأن يشعروا بالانتماء والسلام"، وهنا تذكرت أنهم عندما كانوا يلتقطون صوراً جماعية للأطفال، كان مقدموا الرعاية يطلبون منها أن تحمل ليان وتخرج من كادر الصورة. لذا فإن الصورة الوحيدة التي ظهرت لليلى في SOS صورت في فيديو ترويجي نشر على يوتيوب، ظهرت فيه ليلى في الخلفية. وعندما حاولت أن تعرضه علينا، تبين لنا بأنه قد حذف، وبذلك محي كل أثر لها في أي مكان داخل تلك المنظمة.

 

المصدر: The New York Times Magazine