عندما كانت دانييلا سيكاريللي في الثامنة من عمرها، غادرت إيطاليا وانتقلت للعيش في سوريا، ومنذ ذلك الحين وهي تعشق البحر.
في البداية لم يكن الأمر منطقياً، فسوريا ليست أول بلد يخطر ببالك عند الحديث عن الحياة البحرية برأي سيكاريللي، غير أن أيام العطل التي كانت تمضيها على الساحل السوري حيث المياه الصافية التي تحيط بها جروف من الحجارة الكلسية هي التي أثارت داخلها هذا الشغف، وتتذكر تلك الأيام فتقول: "كنت أمضي وقتي في الماء وقناع الغوص على وجهي".
في ذلك الحين، كانت تدرس في مدرسة دولية، وتخبرنا بأن مديرها: "كان يعشق الطبيعة، فكان يجمع المدرسة بأسرها مرة في الأسبوع ليعرض عليهم حلقة من البرنامج الوثائقي: (الحياة على كوكب الأرض)".
وتضيف: "كنت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري على ما اعتقد، وفي إحدى الحلقات كان هناك غواصون، فأعجبني الموضوع، وقررت أن أقوم بذلك، ولم تبارحني منذ ذلك اليوم الرغبة في أن أكون داخل الماء لأرى كيف تسير الحياة في البحار، ولأفهم طبيعة البحر، وأكون قريبة منه بشكل من الأشكال".
الانخراط في معرفة البحار
انتقلت سيكاريللي بعد ذلك إلى سويسرا، وهي دولة لا تطل على أي بحر، أي أن فرصة اكتشاف الحياة البحرية فيها معدومة، إلا أن سيكاريللي لم تتخل عن حلمها، فقد انتقلت في نهاية الأمر إلى أستراليا لدراسة علم أحياء البحار بجامعة جيمس كوك بعد حصولها على شهادة الدراسة الثانوية، وتعلق على ذلك بقولها: "كان كل ما أردته هو أن أكون داخل البحر، وأن أنغمس في دراسته وفهمه، أي أني أردت الانخراط فيه بشكل مباشر، وليس من بعيد حيث أكتب عنه أو أكون في المختبر أو خلف شاشة الحاسوب، بل أريد أن أكون تحت الماء فعلاً، في قلب الحدث، بحيث أرى الأشياء وأحاول فهم وظائفها، وكيف يمكن للبشر أن يتركوا أثراً إيجابياً لا سلبياً كما يحدث دوماً".
بعد أن أنهت سيكاريللي دراستها وحصلت على إجازة في العلوم، بدأت بالتحضير للحصول على شهادة الماجستير ثم حصلت على الدكتوراه في عام 2004، وخلال مرحلة دراستها كلها تقريباً، كانت تربي طفلين صغيرين، وعن تلك المرحلة تقول: "لم أنظر إلى الخلف منذ ذلك الحين فصاعداً، إذ بقيت أعمل بموجب عقود وبصورة مستقلة، فأنتقل من عقد لآخر"، فقد كانت تريد أن تعمل بطريقة مرنة تسمح لها بإمضاء الوقت مع طفليها.
سيكاريللي مع طفلها على الشاطئ بعد جولة غوص
واليوم، تعمل سيكاريللي لدى المعهد الأسترالي للعلوم البحرية، ضمن برنامج مراقبة طويل الأمد، والذي تصفه بأنه "برنامج أسطوري"، وتضيف: "يمثل ذلك البرنامج أكبر وأطول مجموعة بيانات وأشدها اتساقاً حول الأرصفة المرجانية في كل بقاع العالم، ولهذا فإنه مشروع أسطوري، ويسعدني أن أكون جزءاً من هذا الفريق".
في الوقت الذي كان التخصص في علم أحياء البحار حلماً لدى كثير من الشباب في أستراليا، تتذكر سيكاريللي كم كانت تلك الفكرة "مستهجنة" عندما كانت صغيرة، وعن ذلك تقول: "كانوا يتساءلون: ماذا؟ وهل هذه مهنة؟ إذ لم يكن أحد قد سمع بها".
وفي الوقت الذي يعتقد فيه كثيرون أن هذه المهنة ما هي إلا سباحة مع الدلافين، تخبرنا سيكاريللي بأن ذلك ليس إلا جزءاً من الحقيقة، وتضيف: "يمكن ليومي أن يمرّ على شكلين، فإن كنت على اليابسة، أمضي بعض أيامي في مكتب المعهد.. حيث أجلس خلف الحاسوب في معظم الوقت، ولا شيء مثير في ذلك البتة، ولكني أمضي وقتي في البحث بالبيانات التي جمعناها، حيث أبحث في الأرقام وأجري عمليات إحصائية تسمح بتحويل تلك الأرقام إلى قصة".
ولكن على الجانب الآخر، تمضي سيكاريللي قرابة 120 يوماً بالسنة على متن قارب، وعن ذلك تقول: "يجري فريقي رحلات تمتد لثلاثة أسابيع عادة، أي أن أقدامنا لا تطأ الأرض على مدار ثلاثة أسابيع، وبالعادة يصلنا جدول لبرنامج الرحلة يعين لنا الموضع الذي سنتوجه إليه في البحر، ثم تتمحور حياتنا حول نشاطات هذا الجدول خلال السنة".
سيكاريللي على متن أحد قوارب الغواصة
تحقيق الحلم
يبدأ كل يوم في البحر باجتماع صباحي يضع خلاله قائد الرحلة خطة اليوم قبل أن يعد الجميع العدة للنزول إلى الماء.
ثم تنتقل سيكاريللي وفريقها إلى قاربين صغيرين ليبدأ يومهم بعملية تعرف باسم: "سحب الغواص خلف القارب"، وتحدثنا سيكاريللي عن تلك العملية فتقول: "يسحبوننا بقوة شديدة وكأنهم يجروننا جراً، بينما نمسك بلوح، ونجري تقييمات ودراسة سريعة جداً على الشعاب المرجانية وأنواع الأسماك، ويسير القارب لمدة دقيقتين، وبعد ذلك يتوقف، لندون تقييماتنا على لوح بواسطة قلم رصاص نمسكه بأيدينا، ثم يتابع القارب رحلته. ونستمر بتلك العملية إلى أن ندور دورة كاملة حول الشعاب المرجانية.. ويستغرق الأمر عادة قرابة ساعتين".
في كل عام، تعود سيكاريللي وفريقها إلى المواضع نفسها لقياس مدى الاختلاف من عام لعام.
سيكاريللي تدون المعلومات بقلم يستخدم تحت الماء على ورق خاص
وبعد ارتداء ملابس الغوص، تضع سيكاريللي وفريقها شرائط المسح لتحيط بالمنطقة نفسها، وذلك قبل الاستعانة بتلك الشرائط لقياس حجم الشعاب المرجانية والأسماك والسباحة حولها، وتعلق سيكاريللي على ذلك بالقول: "أعمل ضمن فريق الأسماك، فقد تدربت على معرفة أسماء كل الأسماك، ولهذا أسبح وأعد الأسماك، سمكة سمكة، ثم أكتب أسماءها باللاتينية، وشكلها، وأقدر أحجامها، فقد تدربنا على تقدير طول السمكة بشكل جيد".
يمضي الفريق سحابة نهاره داخل البحر، حيث يسجل القياسات على ورق خاص يستخدم تحت سطح الماء، وذلك قبل أن يقفل عائداً إلى القارب ليسجل النتائج، أي أن الأمر ليس مجرد سباحة مع الدلافين، ولكن تلك هي الطريقة الأقرب للتعرف إلى تلك المهنة.
سيكاريللي تقوم بعملية تقييم للشعاب المرجانية في عمق البحر
من خلال عملها لدى المعهد الأسترالي للعلوم البحرية، تدرس سيكاريللي الشعاب المرجانية العظمى في أستراليا، إلا أنها عملت في السابق في مكان بعيد عن تلك الشعاب، في بحر المرجان الذي تصفه بأنه يقع "وسط بقعة خاوية"، مثله مثل أماكن مثل تونغا وجزر مارشال، وتوفالو، تلك المنطقة التي أضحت بعد عقد من الزمان أحد أبرز الإنجازات في مسيرتها المهنية، وهذا ما دفعها إلى القول: "عندما كنت ما أزال أقدم استشارات في عام 2010، حصلت على عقد للذهاب إلى توفالو لإجراء بعض الدراسات على الأسماك الموجودة في تلك الشعب المرجانية، أي العمل نفسه الذي أقوم به لدى المعهد الأسترالي، وهو السباحة حول الشعاب المرجانية وعدّ الأسماك، ثم كتبنا تقريراً لحكومة توفالو، وخلال العام الماضي، دعتني مجموعة Pristine Seas التابعة لناشيونال جيوغرافيك إلى العودة لتوفالو بعد أن عثروا على عملي عبر الإنترنت، وهكذا ألفيت نفسي خلال العام الفائت على متن قارب يعود لناشيونال جيوغرافيك يبحر وسط المحيط الهادي، فكانت تلك تجربة مذهلة، وأعتبرها من أبرز إنجازاتي على الصعيد المهني".
المصدر: Honey Nine