icon
التغطية الحية

من الجفاف إلى الركود.. كيف تهدد أزمة المياه الاقتصاد السوري؟

2025.10.20 | 06:50 دمشق

4
صورة أرشيفية - (محافظة حماة)
تلفزيون سوريا - عبد العظيم المغربل
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- الأزمة المائية في سوريا وأسبابها: تعاني سوريا من أزمة مائية حادة بسبب تدمير البنية التحتية خلال الحرب، حيث تضررت شبكات النقل والتوزيع بنسبة 60%. ساهمت التغيرات المناخية في تفاقم الوضع مع انخفاض الهطولات المطرية بنسبة 30%، بالإضافة إلى الاستنزاف البشري غير المنظم مثل حفر الآبار العشوائية.

- تأثير الأزمة على القطاعات الاقتصادية والتنمية: أثرت الأزمة على القطاع الزراعي، مما أدى إلى انخفاض إنتاج القمح بنسبة 70% في بعض المناطق، وتراجع زراعة الأشجار المثمرة. كما تأثر القطاع الصناعي بانخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية، مما أثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

- الإجراءات الحكومية والمقترحات الاستراتيجية: اتخذت الحكومة إجراءات مثل إعادة تأهيل السدود وتحلية مياه البحر، لكن الجهود تبقى محدودة. تشمل المقترحات الاستراتيجية تنظيم سوق الصهاريج، دعم المزارعين بمعدات الري الحديث، وتحلية مياه البحر لتحقيق استدامة طويلة الأمد وضمان الأمن المائي والغذائي.

تشهد سوريا في السنوات الأخيرة أزمة مائية خانقة باتت تتجاوز حدود كونها مشكلة خدمية أو بيئية لتتحول إلى قضية اقتصادية وتنموية كبرى. فبعد أكثر من أربعة عشر عاماً من الحرب التي دمّرت شبكات النقل والتوزيع وألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية – إذ تشير التقديرات إلى أن نسبة الدمار في هذا القطاع تجاوزت 60% – جاء التغير المناخي ليضاعف حدة الأزمة. فقد سجّل الموسم المطري الأخير انخفاضاً تاريخياً بنسبة قاربت 30% عن معدلاته الطبيعية، في حين تراجعت غزارة الأنهار والينابيع إلى مستويات غير مسبوقة، وانخفض المخزون الجوفي في بعض المناطق بأكثر من 90%. ونتيجة لذلك، لم تعد حصة الفرد السوري من المياه تتجاوز 600 متر مكعب سنوياً، وهو مستوى يقع دون خط الفقر المائي العالمي المحدد بألف متر مكعب.

إن ندرة المياه اليوم لا تنعكس فقط على حياة الأفراد اليومية، بل تضرب أساسات الاقتصاد السوري عبر تراجع الزراعة، وتقلص إنتاج الطاقة، وتزايد تكاليف المعيشة، وتهديد الأمن الغذائي.

أسباب الأزمة المائية في سوريا

تتداخل في سوريا مجموعة من العوامل البنيوية والطارئة التي جعلت أزمة المياه تتفاقم بشكل غير مسبوق، حيث يأتي في مقدمتها الآثار المدمّرة للحرب التي طالت البنية التحتية وتجاوزت نسبة الأضرار في شبكات النقل والتوزيع 60%، إضافة إلى خروج محطات ضخ وسدود رئيسية عن الخدمة، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفاقد المائي والهدر في الري التقليدي ليصل إلى حدود 60% وفق التقديرات الرسمية.

العامل الثاني يتمثل في التغيرات المناخية الحادة، فقد شهدت البلاد تراجعاً كبيراً في الهطولات المطرية وصل إلى نحو 30% من المعدل السنوي، مع مواسم تُعدّ من الأسوأ منذ ستة عقود. كما انخفض منسوب الأنهار الرئيسية مثل الفرات والعاصي بما يزيد على ستة أمتار في بعض المقاطع، في حين تراجعت المخزونات الجوفية بنسبة 80% على المستوى الوطني، وأكثر من 90% في بعض المناطق الشرقية، وهو ما انعكس على اختفاء مسطحات مائية كاملة مثل سبخة الجبول التي فقدت ما يقارب 90% من حجمها.

إلى جانب ذلك، يفاقم الاستنزاف البشري غير المنظَّم حدة الأزمة، من خلال حفر آلاف الآبار العشوائية في أحواض تغذية الينابيع، وانتشار ممارسات زراعية تقليدية عالية الاستهلاك للمياه، إضافة إلى الصيد الجائر والتلوث. كل هذه العوامل مجتمعة وضعت سوريا أمام معادلة صعبة: ندرة متصاعدة في المياه مقابل طلب متزايد عليها في ظل النمو السكاني وتراجع مصادر الدخل.

انعكاسات أزمة المياه على القطاعات الاقتصادية

أول وأكثر القطاعات تضرراً هو القطاع الزراعي الذي يشكّل عماد الاقتصاد السوري ومصدراً رئيسياً للأمن الغذائي. فقد أدى تراجع الهطولات المطرية وشحّ المياه إلى انخفاض إنتاج القمح بنسبة وصلت في بعض المناطق إلى 70%، وهو محصول استراتيجي يرتبط بشكل مباشر بفاتورة الاستيراد ومستوى الاكتفاء الذاتي. كما تأثرت زراعة الأشجار المثمرة، مثل الزيتون والحمضيات والتفاح، حيث قلّص المزارعون مساحات الزراعة أو تركوا أراضيهم بوراً نتيجة للعجز عن تأمين مياه الري. وقد انعكس هذا الانكماش الزراعي على الثروة الحيوانية أيضاً، إذ تراجعت أعداد المواشي بسبب نقص الأعلاف والمياه، ما رفع تكاليف الإنتاج وأضعف دخول سكان الريف.

أما القطاع الصناعي، فقد واجه هو الآخر تحديات كبيرة، إذ أدى انخفاض منسوب نهر الفرات إلى تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية، ما أثّر على الإمدادات الكهربائية الضرورية لتشغيل المصانع. كما تضررت صناعات تعتمد على المياه بشكل مباشر مثل الصناعات الغذائية والنسيجية، فضلاً عن تراجع إمدادات مياه الشرب المستخرجة من مصادر تقليدية مثل نبع السن الذي هبطت غزارته بأكثر من 70%.

من جهة أخرى، أصاب الجفاف الثروة السمكية بخسائر فادحة، خاصة في نهر العاصي وسهل الغاب، حيث انخفض إنتاج المزارع السمكية من 40% إلى أقل من 10% تقريباً. وقد تسببت الحرارة المرتفعة وانحسار المياه في نفوق أعداد كبيرة من الأسماك المحلية، بالتوازي مع انتشار أسماك غازية مثل السلّور الإفريقي الذي يهدد التنوع البيولوجي.

في هذا الإطار، يقول دكتور الاقتصاد ياسر الحسين لموقع تلفزيون سوريا: "الأزمة المائية تضرب الزراعة أولاً مع تراجع إنتاج القمح وتقلص الأراضي المزروعة، ما يهدد الأمن الغذائي ويزيد البطالة والهجرة. كما تطول الصناعة والطاقة بارتفاع التكاليف وتراجع الإنتاج، وتتسبب بتردي الخدمات الصحية وازدياد الأمراض المنقولة بالماء، في حين تضغط الهجرة الداخلية على المدن والخدمات. لذلك فإن إدارة الموارد المائية أصبحت شرطاً أساسياً لأي خطة اقتصادية وتنموية في سوريا."

على المستوى الأوسع، انعكست الأزمة على الاقتصاد الكلي وحياة المواطنين، ففي بعض المدن لا تصل المياه إلى بعض الأحياء سوى يوم وصل مقابل خمسة أيام قطع، ما دفع الأسر إلى الاعتماد على شراء المياه من الصهاريج، الأمر الذي جعل الحصول على المياه عبئاً مالياً إضافياً على الأسر والمزارعين. هذا الواقع أدى إلى بروز سوق غير منظم للصهاريج والمياه المعبأة.

أثر أزمة المياه على التنمية الاقتصادية

تتجاوز أزمة المياه في سوريا حدود التأثير المباشر على القطاعات الإنتاجية، لتنعكس بعمق على مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعلى صعيد التنمية الزراعية، أدت ندرة المياه إلى تقويض خطط الاكتفاء الذاتي الغذائي، وهو ما يهدد الأمن الغذائي الوطني ويدفع الدولة إلى الاعتماد المتزايد على الاستيراد رغم ضعف الموارد من القطع الأجنبي. كما أن تقلص المساحات المزروعة وتدهور الإنتاج الزراعي أسهما في زيادة معدلات البطالة في الأرياف، ما يضعف التنمية الريفية ويعزز الفجوة بين المدينة والريف.

أما التنمية الصناعية، فهي الأخرى متأثرة بتراجع الموارد المائية. فالعديد من الصناعات، خاصة الغذائية والكيماوية، تعتمد على المياه كعنصر رئيسي في عملياتها، ما يجعل ندرتها عاملاً يعيق توسعها أو حتى استمرارها. يضاف إلى ذلك تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية نتيجة لانخفاض منسوب الفرات، ما حدّ من تزويد المصانع بالطاقة الكهربائية وأدى إلى ارتفاع كلف التشغيل.

ومن منظور التنمية البشرية، فإن ضعف الأمن المائي ينعكس على صحة السكان مع ازدياد مخاطر الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة، إضافة إلى العبء المالي الكبير الذي تتحمله الأسر لتأمين مياه الشرب. كما قد يسهم الجفاف في تسريع وتيرة الهجرة الداخلية من القرى الزراعية نحو المدن، ما يزيد الضغط على البنية التحتية والخدمات الحضرية ويضعف التوازن الاجتماعي.

وفي البعد البيئي، يؤدي تراجع المياه إلى تصحر الأراضي الزراعية وفقدان التنوع البيولوجي، وهو ما يقوّض أسس التنمية المستدامة ويجعل الأجيال القادمة أمام بيئة أقل قدرة على توفير مقومات العيش والإنتاج.

يمكن القول إن أزمة المياه تمثل عقبة استراتيجية أمام التنمية في سوريا، إذ تعيق تحقيق أهداف الأمن الغذائي، وتقلل فرص الاستثمار الصناعي، وتضعف رأس المال البشري، لتصبح التنمية رهينة بمدى القدرة على إدارة هذا المورد الحيوي النادر.

في هذا الإطار، يقول الحسين: "إذا نظرنا إلى تأثير الأزمة المائية على المسار التنموي، فهناك ثلاثة سيناريوهات محتملة: في السيناريو الأسوأ، ومع غياب أي إجراءات عاجلة، سنشهد تدهوراً اقتصادياً سلبياً، وتفاقماً في الفقر والبطالة، واستنزافاً للاحتياطيات النقدية لتأمين الغذاء والطاقة، ما يرفع كذلك مخاطر الاضطرابات الاجتماعية.

أما السيناريو الوسيط، حيث تُنفَّذ تدخلات إنسانية مؤقتة مع بعض الإصلاحات، فسيتم تأمين إمدادات غذائية ومائية عاجلة عبر مشاريع مؤقتة، ما يخفف الأثر لكنه يبقي التضخم الغذائي وضغوط الموازنة حاضرين. في حين السيناريو الأفضل والقابل للتحقيق يتمثل في إدماج إدارة المياه ضمن خطط إعادة الإعمار، عبر إصلاح شبكات الري والضخ، وترشيد الاستهلاك، وإعادة استخدام مياه الصرف، والتحلية في المناطق الساحلية، إضافة إلى دعم المزارعين للتحول إلى محاصيل أقل استهلاكاً للماء وجذب تمويل دولي. هذا المسار وحده يمكن أن يقود إلى تعافٍ تدريجي واستدامة أطول أمداً".

الإجراءات الحكومية والجهود الحالية

أمام تصاعد حدة أزمة المياه، اتخذت الحكومة السورية سلسلة من الإجراءات العاجلة والمتوسطة والطويلة الأجل للتخفيف من تداعياتها. فعلى الصعيد الاستراتيجي، أعدّت وزارة الطاقة خطة لإعادة تأهيل السدود وتطويرها بما يتناسب مع الاحتياجات المستقبلية، إلى جانب طرح مشروع لتحلية مياه البحر على الساحل بطاقة تصل إلى 1.2 مليون متر مكعب يومياً، رغم كلفته العالية المقدَّرة بين أربعة وخمسة مليارات دولار. كما جرى تفعيل التعاون السوري – الأردني في إدارة حوض اليرموك بهدف ضبط الاستنزاف العشوائي وتحقيق تقاسم أكثر عدالة للموارد المائية المشتركة.

في المجال التشريعي، أصدرت وزارة العدل في أغسطس/آب 2025 تعميماً يقضي بتشديد العقوبات بحق المخالفين لقانون حفر الآبار غير المرخصة، كما حظرت الهيئة العامة للمنافذ إدخال حفارات المياه من دون موافقات رسمية، في محاولة للحد من التوسع غير المنضبط في استهلاك المياه الجوفية.

أما على المستوى المحلي، فقد طُبقت جداول تقنين صارمة في دمشق نتيجة لتراجع غزارة نبع الفيجة، في حين شرعت محافظات مثل طرطوس واللاذقية بتنفيذ مشاريع لتحويل شبكات الري التقليدية إلى أنظمة مضغوطة وتشجيع الري بالتنقيط. كما اعتمدت بعض المحطات على الطاقة الشمسية لتأمين استمرارية الضخ وتقليل الاعتماد على الوقود.

وعلى الرغم من أن هذه الإجراءات أسهمت في تخفيف بعض الضغوط، فإنها ما زالت جزئية ومحدودة في ظل الحاجة إلى رؤية وطنية شاملة لإدارة الموارد المائية بكفاءة واستدامة.

مقترحات حلول استراتيجية

تتطلب مواجهة أزمة المياه في سوريا خطة متعددة المستويات تبدأ بإجراءات عاجلة وتستمر ببرامج متوسطة الأجل وصولاً إلى حلول استراتيجية طويلة المدى. فعلى صعيد الحلول العاجلة، ينبغي التركيز على التدخلات السريعة التي تحدّ من تفاقم الأزمة بشكل مباشر، مثل تنظيم سوق الصهاريج عبر إخضاعها لنظام تراخيص يضمن جودة المياه وضبط الأسعار، إلى جانب إطلاق برنامج دعم للمزارعين يوفّر معدات الري الحديث كالري بالتنقيط والرش مع تدريب عملي على استخدامها لتقليل معدلات الهدر. كما تشمل هذه المرحلة مكافحة الصيد العشوائي والأنواع الغازية المهددة للأنهار مثل السلّور الإفريقي، إضافة إلى تفعيل مشاريع إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة وربطها بالمزارع لتأمين مصدر بديل للمياه.

أما الحلول متوسطة الأجل، فتركّز على ضبط الاستهلاك وتعزيز الكفاءة عبر تركيب عدادات إلكترونية على الآبار لقياس الكميات المستهلكة والحد من الاستنزاف العشوائي للمياه الجوفية، إلى جانب نشر مشاريع حصاد مياه الأمطار في المؤسسات العامة والمباني الحكومية عبر خزانات مخصصة. كما يشكّل التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية لتشغيل محطات الضخ والآبار خطوة ضرورية لضمان استمرارية التزويد بالمياه وخفض تكاليف التشغيل المرتبطة بالمحروقات.

في حين تتمثل الحلول الاستراتيجية طويلة الأجل في صياغة رؤية وطنية شاملة لإدارة الموارد المائية على نحو مستدام، يتصدرها إنشاء مشاريع لتحلية مياه البحر على الساحل السوري لتأمين إمدادات مستقرة تلبي احتياجات السكان والزراعة والصناعة، إلى جانب تحديث التشريعات وتعزيز الرقابة وتطوير قاعدة بيانات دقيقة حول الموارد والاستهلاك. كما ينبغي إطلاق حملات توعية وطنية لترشيد الاستهلاك مقرونة بحوافز مالية وضريبية للمزارعين والمستهلكين الملتزمين، فضلاً عن الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستشعار عن بعد، بما يتيح تحسين إدارة المياه وضمان استدامتها للأجيال القادمة.

يضيف الدكتور ياسر الحسين في هذا الإطار: "على المدى القريب، الأولوية لتأمين المياه الطارئة وإصلاح محطات الضخ وضمان القمح والصحة العامة، أما على المدى المتوسط والبعيد فالمطلوب إصلاح شبكات المياه، واعتماد الري الذكي، وإعادة استخدام مياه الصرف، والتحلية في الساحل، وجذب تمويل دولي يضمن استدامة الأمنين المائي والغذائي".

بشكل عام، تُعد المياه حجر الأساس لأي تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، وأي خلل في توازنها ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي والاستقرار. لذلك فإن ضمان الأمن المائي يُعد شرطاً جوهرياً لبقاء استقرار الاقتصاد السوري وقدرته على النهوض من جديد.