تتفاقم معاناة السوريين الراغبين في إعادة تأهيل منازلهم بسبب الكلفة الباهظة لعمليات البناء والإكساء، في حين تتباين مستويات هذه المعاناة وفقاً لحجم التعفيش والتدمير الذي طال المنزل. ويواجه ملاك المنازل المدمرة بشكل كامل العبء الأكبر بين السوريين العائدين إلى بيوتهم بعد أكثر من عقد من الحرب والتهجير.
عندما عاد أبو محمود من الأردن إلى منزله الأصلي في ريف دمشق، وجده غير صالح للسكن بسبب تعرضه لقذائف خلال فترة حصار المدينة. ومع عدم توفر السيولة الكافية لإعادة ترميمه، اضطر إلى صيانته على عجل وبأقل كلفة ممكنة.
ويقول أبو محمود لموقع تلفزيون سوريا إن جنود النظام المخلوع عفّشوا المنزل، إذ وجده خالياً من النوافذ والأبواب، مع تهدم أجزاء من الجدران، في حين أحدثت القذائف التي سقطت على السقف أضراراً جزئية في بعض الغرف والمطبخ والحمام.
وفي زيارة سريعة إلى سوق المستعمل، اشترى أبو محمود أبواباً ونوافذ مستعملة، ثم استعان بأحد البنائين لتشييد الجدران المتهالكة، في حين بقي الحمام والمطبخ من دون أبواب بسبب تشقق سقفيهما وتضرر جدران المطبخ.
ولحل مشكلة الطبخ، وضعت الأسرة بعض الرفوف على جدران إحدى غرف المنزل الصغيرة، وحولتها إلى مطبخ مؤقت، لكن من دون صنابير مياه أو مصارف للصرف الصحي أو "مجلى".
ولعدم تمكن الأسرة من ترميم الحمام، يلجأ أفرادها إلى الاستحمام في الغرفة المخصصة للطبخ أو عند عتبات الغرف، بعد تسخين المياه اللازمة على الغاز في وعاء من الألمنيوم.
أما المرحاض، فلجأت الأسرة إلى سقفه بلوح من التوتياء بعد تنظيف أرضيته، ووضعت ستارة من القماش بدلاً من الباب الخارجي.
ويقول أبو محمود: "المنزل غير مؤهل تماماً للسكن، خصوصاً في فصل الشتاء بسبب تشقق الجدران والسقوف"، موضحاً أن أزمة السكن الخانقة في المنطقة تجبر أسرته، مثل كثير من السوريين العائدين، على الاكتفاء بترميمات عاجلة للمنازل المتضررة.
المنازل المعفشة.. الأقل كلفة
يشترك آلاف السوريين مع أبي محمود في القصة نفسها، إذ تعرضت معظم المناطق المنكوبة لتدمير ممنهج بالصواريخ والقنابل والبراميل المتفجرة، بالتوازي مع تعفيش جنود النظام المخلوع لمنازلها.
وكانت عمليات التعفيش تتم وفق آليات منظمة تشرف عليها لجان خاصة تابعة للمكتب الاقتصادي للفرقة الرابعة.
وضاعفت هذه العمليات أكلاف تأهيل المنازل بعد عودة المهجرين إليها، فلم يعد الترميم يقتصر على الأسطح والجدران والأرضيات، بل امتد إلى الأبواب والنوافذ والأدوات الصحية والكهربائية، فضلاً عن الأثاث المنزلي والأجهزة الكهربائية.
ويقول أبو هيثم، وهو أحد العاملين في مجال الإكساء، لموقع تلفزيون سوريا إن متوسط كلفة الباب الخشبي مع إطاره، الذي يعرف باسم "الكشف"، لا يقل عن 170 دولاراً، من دون احتساب الطلاء الذي تختلف كلفته وفقاً لنوعيته وطريقة تنفيذه.
ويضيف أن متوسط كلفة باب الألمنيوم، المستخدم عادة في المطابخ والحمامات والمراحيض، يتجاوز 100 دولار، في حين تبدأ كلفة تركيب "مجلى" متوسط الحجم من 400 دولار فما فوق، وفقاً لنوعية الحجر المستخدم والمساحة.
ولم يتعرض منزل آمال، وهي سورية عادت إلى ريف إدلب الجنوبي، لأي تدمير، باستثناء قيام جنود النظام المخلوع بتعفيشه بشكل كامل. ورغم ذلك، تقول لموقع تلفزيون سوريا إن كلفة تأهيل المنزل من أبواب ونوافذ وصنابير و"مجلى" للمطبخ ومغسلة ولوازم الكهرباء وصلت إلى 5 آلاف دولار.
ودفعت آمال 250 دولاراً لتركيب باب خارجي للمنزل، وما لا يقل عن 800 دولار لأربعة أبواب خشبية للغرف، و600 دولار لخمسة أبواب ألمنيوم، ونحو 700 دولار لست نوافذ ألمنيوم، في حين توزع المبلغ المتبقي على مستلزمات الكهرباء والصرف الصحي و"المجلى".
الدمار الجزئي يزيد الكلفة
رغم كلفتها المرتفعة، تبقى المنازل التي تعرضت للتعفيش فقط الأقل من حيث كلفة الترميم والتأهيل.
ويقول عدد من الأهالي الذين رمموا منازلهم المدمرة لموقع تلفزيون سوريا إن أقل كلفة لترميم المنزل المدمر جزئياً تصل إلى 8 آلاف دولار، وقد ترتفع إلى 16 ألف دولار، وفقاً لمساحة المنزل ونوعية المواد المستخدمة، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار مواد البناء والإكساء وأجور الترميم.
وبعد أربعة أشهر من العمل المتواصل، تمكن أبو حسام، وهو من أهالي ريف دمشق، من ترميم منزله الذي تعرض للتعفيش والدمار الجزئي.
وكان عليه في البداية ترميم سقف إحدى الغرف الذي تضرر من جراء سقوط برميل متفجر، ما اضطره إلى دفع 45 دولاراً عن كل متر باطون للسطح.
ويقول أبو حسام لموقع تلفزيون سوريا إن ترميم السطح كان البداية والأخف كلفة، إذ تعرضت شبكة الصرف الصحي في منزله أيضاً لأضرار، ما أجبره على ترميمها بمبلغ 700 دولار، قبل الانتقال إلى إصلاح الجدران المتضررة.
ويبلغ سعر قطعة الطوب "البلوكة" الواحدة ما لا يقل عن 35 سنتاً، في حين يصل سعر طن الإسمنت "الشمينتو" إلى 140 دولاراً، ويتقاضى عامل البناء "المعمرجي" دولاراً و30 سنتاً لقاء بناء كل قطعة طوب.
ويضيف أبو حسام أن متوسط سعر متر السيراميك يصل إلى 8 دولارات، ومتوسط سعر بلاط الأرضيات إلى 5 دولارات، في حين تتقاضى ورشة الإكساء 4 دولارات لقاء تركيب المتر الواحد من السيراميك أو البلاط أو الجرانيت.
وتصل كلفة تركيب متر الجبس بورد، مع الأجور والمواد، إلى 9 دولارات، في حين تتجاوز كلفة متر الطلاء الزيتي دولارين و50 سنتاً عند احتساب سعر المواد والأجور، ولكن من دون المعجونة أو أي إضافات أخرى. أما الكلفة الوسطية للتمديدات الكهربائية فلا تقل عن 600 دولار.
كلفة ترميم منزل مهدم تبدأ من 30 ألف دولار
تتمثل الكلفة الأكبر في ترميم المنازل المهدمة بشكل كامل، إذ تحتاج هذه المنازل عملياً إلى إعادة البناء والإكساء من جديد.
وتوضح مصادر أهلية لموقع تلفزيون سوريا أن كلفة المنزل المهدم بشكل كامل تبدأ من 30 ألف دولار، إذ يحتاج المالك إلى إعادة صب الأعمدة الإسمنتية والسقف والدرج، ويضطر إلى دفع 45 دولاراً على الأقل عن كل متر باطون.
أحمد واحد ممن رمموا منازلهم المدمرة مؤخراً. ويقول إن منزله الأرضي، البالغة مساحته 130 متراً مربعاً، تعرض للتدمير الكامل باستثناء بعض الأعمدة الإسمنتية.
ويوضح لموقع تلفزيون سوريا أنه نصب الأعمدة، ثم بنى السقف والجدران بكلفة تجاوزت 12 ألف دولار، ليصبح المنزل على "العظم"، وفقاً للتعبير الشائع.
وكانت كلفة الإكساء أكبر، إذ وصلت إلى 18 ألف دولار، وشملت بناء شبكتي الصرف الصحي والكهرباء، وإكساء الجدران وطلائها، وتركيب سقف من الجبس بورد، وجرانيت للأرضية وسيراميك للجدران، إضافة إلى "مجلى" ومطبخ أميركي وأبواب ونوافذ وغيرها من أعمال الإكساء التي، بحسب وصف أحمد، "تحتاج إلى مورد لا ينضب من الأموال".
ويقول أحمد إن منزله كان مجهزاً بالكامل قبل تهجيره من منطقته، وإنه غادر مع أسرته بالثياب التي كانوا يرتدونها إلى خارج المنطقة. وبعد سنوات طويلة من التهجير، وجد نفسه مضطراً إلى البدء من تحت الصفر وسط ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية.
ويضيف أنه دفع كل ما يملك لإعادة تشييد المنزل، واضطر إلى استدانة 10 آلاف دولار خلال عملية الإكساء، بعدما شكلت الأسعار والأجور صدمة له وأدت إلى نفاد المبلغ الذي ادخره للتشييد والإكساء بسرعة.
وتشير التقديرات إلى أن كلفة إعادة الإعمار في سوريا تتراوح بين 400 و500 مليار دولار.
وكان المسؤول الرئيسي في برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية "UN-Habitat"، عرفان العلي، قد أكد أن سوريا فقدت نحو 25 في المئة من مخزونها السكني بسبب الحرب، بما يقارب مليون وحدة سكنية بين مدمرة بالكامل ومتضررة بشدة، ما يجعل عمليات إعادة البناء تحدياً كبيراً.
