يعيش أبناء الساحل السوري واقعًا قاسيا، يدفعهم كل يوم إلى البحث عن مهن بديلة ومصادر دخل جديدة، بعدما فقدوا مقومات الحياة الأساسية التي كانوا يعتمدون عليها لعقود. وبينما يُعرف الساحل السوري بأنه منطقة حيوية ذات طابع اقتصادي واجتماعي مميز، يكشف الواقع اليوم عن انهيار تدريجي في كل القطاعات التي شكّلت يوماً نسيج حياة سكانه.
يعتمد اقتصاد الساحل السوري على أنشطة متنوّعة مثل الزراعة والصيد البحري والسياحة والحرف اليدوية والصناعات الصغيرة، لكن هذه الأنشطة تآكلت خلال السنوات الماضية. أهملتها الحكومات المتعاقبة للنظام المخلوع، وتسببت ظروف الحرب والإجبار على الخدمة الإلزامية أو الهجرة القسرية بخسارة الشريحة الأكبر من القوى العاملة.
يتساءل كثيرون في مدن وبلدات الساحل: كيف كان الناس يعيشون قبل سقوط النظام؟ وماذا حلّ بهم اليوم بعد أن فقدوا حتى الراتب الشهري الذي كان يضمن الحد الأدنى من البقاء؟
التجارة الجوالة تنتشر في القرى
تنتشر السيارات الجوالة في أحياء وقرى الساحل، وتعمل على بيع الخضار أو المواد الغذائية أو شراء مقتنيات قديمة لإعادة تدويرها. وتزايدت هذه الظاهرة خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد سقوط نظام الأسد.
عبد الله أيوب، تاجر جوال، يقول إنه يجوب قرى أرياف اللاذقية وجبلة منذ سنوات. يوضح أنه يحمل شهادة جامعية، لكنه لم يجد وظيفة مناسبة، مشيراً إلى أن الرواتب الرسمية متدنية، والوظائف المتاحة نادرة وفي مناطق بعيدة.
ويتابع لموقع تلفزيون سوريا: "المدخول قليل لكنه أفضل من الوظيفة. أعتمد على الأرياف التي لا يستطيع سكانها الوصول إلى المدن. أبيع بعض المواد الضرورية، وأكسب ما يكفيني أنا وعائلتي، لكن لا يمكنني تطوير حياتي ولا حتى بنسبة واحد بالمئة".
رغم المخاطر.. قطع الحطب وصناعة الفحم تنتشر
برزت مهنة جمع الحطب وبيعه، أو تحويله إلى فحم، كأحد أكثر الأعمال انتشاراً في الساحل، رغم ما تشكله من خطر مباشر على الأحراج والغابات، التي بدأت تفقد ملامحها وتتعرض للتصحر.
الفقر وانعدام فرص العمل، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، دفع الأهالي إلى تجاهل كل التحذيرات البيئية، والاتجاه للعمل في هذا المجال.
أحمد سليمان، شاب من ريف طرطوس، متخلف عن الخدمة العسكرية منذ 2013، بدأ العمل في قطع الحطب بعد أن أصبح مطلوبًا للأجهزة الأمنية حينها. ويشرح أنه كان يعمل في معمل صغير قرب طرطوس، لكن صاحبه أغلقه وغادر البلاد هرباً من الضرائب والإتاوات.
ويضيف: "العمل في مجال الفحم والحطب صعب جداً. القانون يلاحقنا، والفساد منتشر، لكنه العمل الوحيد المتاح لي. كنا نتوقع بعد سقوط النظام أن تتحسن أوضاعنا، لكن العكس حصل. بقينا محاصرين في قريتنا، تحت التهديد الأمني".
ويتابع: "كثير من الناس فقدوا وظائفهم، وحتى العساكر السابقون لا يجدون عملاً إلا في الفحم والحطب، ما زاد الضغط على هذا القطاع وخفّض الأسعار. أتمنى من الحكومة أن تنفذ وعودها وتوفّر فرص عمل، وترفع رواتب الموظفين حتى يخف الضغط عن الناس".
خبز وبنزين.. البسطات تغزو اللاذقية وطرطوس
بعد سقوط النظام، انتشرت البسطات في جميع المحافظات السورية، لكن الساحل كان أكثرها احتضاناً لها. أصبحت البسطة مصدر الدخل الرئيسي لكثير من العاطلين عن العمل.
"م. م"، ضابط سابق في جيش النظام المخلوع، أجرى تسوية أمنية، ويسكن في إحدى قرى ريف اللاذقية. لم يجد عملاً، ولا يستطيع التنقل بسبب "المعاملة الأمنية السيئة لحاملي بطاقات التسوية". على حد قوله.
اختار أن يفتح بسطة على الرصيف قرب منزله، يبيع فيها البنزين والمازوت والتبغ. يقول: "لدي أطفال، وأصرف على والديّ، ولم أجمع شيئاً من عملي السابق. خرجت بلا مال ولا وظيفة. حاولت أن أعمل كسائق أو في متجر أو معمل، لكن كل الأبواب كانت مغلقة. فتحت بسطة، وأعيش منها يوماً بيوم".
ويختم: "لا نزال نستبشر خيراً بالحكومة الجديدة، ونأمل أن تنصفنا، فنحن موظفون سابقون ولسنا مذنبين، والتحقيقات كلها أثبتت ذلك".
وفي المقابل، يحاول البعض الاستفادة من أزمة الخبز التي لم تنتهِ مع سقوط النظام بل تغيّر شكلها. فقد ارتفع سعر الربطة، وتحوّل شراء الخبز من الأفران إلى معاناة بسبب طوابير الانتظار الطويلة.
بعض العائلات استغلت هذه الأزمة لكسب قوت يومها. سيدة من ريف بانياس تروي أن زوجها كان موظفاً في المؤسسة العسكرية، وتوقّف راتبه بعد سقوط النظام. لم يتمكن من العمل بسبب الوضع الأمني، فجلس في البيت، واضطرت العائلة للبحث عن أي مصدر دخل.
وتقول: "لدينا ثلاثة أطفال بين 10 و14 عاماً. أخرجناهم من المدرسة، وبدؤوا يذهبون إلى الأفران ويقفون في الطوابير لشراء الخبز وبيعه في الشارع، نربح من الربطة ألف ليرة".
وتضيف: "ما يؤلمني أن أولادي بلا تعليم، ومهددون بالخطف. لكننا مضطرون، لأننا لا نملك المال ولا نملك خياراً آخر".
التسميع.. تعليم بمقابل زهيد
انتشرت الدروس الخصوصية والتسميع بين طلاب الجامعات والشباب العاطلين عن العمل في الساحل، بعدما أصبحت مهنة تعليم الطلاب أو مراجعة المناهج مصدر رزق لكثير من العائلات.
يرتبط انتشار هذه الظاهرة بضعف النظام التعليمي الرسمي وانخفاض رواتب المعلمين، إضافة إلى تراجع اهتمام الطلاب أنفسهم بالتعليم الأكاديمي.
وجد بعض الشباب في هذا المجال فرصة مناسبة، خصوصاً في ظل جلوس كثير من الناس في بيوتهم من دون أي مورد مالي. بات البعض يقدم تسميعاً ومراجعات دراسية لطلاب المدارس مقابل أجور زهيدة تسهم في تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
عاش الساحل السوري عقوداً من الفقر والتهميش في عهد رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، ورغم تقديمه كقاعدة دعم للنظام، فإن الواقع يوضح أن أبناءه دفعوا ثمناً باهظاً نتيجة هذا الاستغلال. واليوم، وبعد سقوط النظام، تستمر المعاناة.
لا يزال السكان يدفعون ضريبة "تهمة الحاضنة" التي ألصقها بهم النظام، ويواجهون واقعا "ضبابيا"، تائهين بين مهن لا تؤمّن إلا القليل من الخبز، ولا تضمن أكثر من البقاء على قيد الحياة.
يتأرجح الناس في الساحل السوري بين الأمل والتشاؤم، يتشبثون بفرص صغيرة، وينتظرون مستقبلاً يعوّضهم عن سنوات من الحرمان والفقر، علّ القادم يحمل شيئاً من الإنصاف والكرامة.