من البداية حتى النهاية... كيف يقمع النظام الإيراني الانتفاضات؟

27 كانون الأول 2019

منذ بداية تسعينات القرن الماضي وحتى نهاية العام الحالي، يشهد النظام الإيراني حركات وانتفاضات شعبية متعددة ومستمرة تتراوح درجات حدتها وقساوتها بين الفينة والأخرى.

انتفاضات ممتدة على سنوات عديدة، من انتفاضة عام ١٩٩٢ حتى انتفاضة عام ١٩٩٥ في مدينة أراك ومشهد وقزوين، ومن المظاهرات الطلابية في عام ١٩٩٩ حتى الحركة الخضراء في عام ٢٠٠٩، ومن الانتفاضة التي حدثت نهاية عام ٢٠١٧، وصولاً بالانتفاضة التي اشتعلت في بدايات عام ٢٠١٨، والانتفاضة التي اندلعت في نهاية العام الجاري.

القاسم المشترك لكل تلك الحركات والانتفاضات الشعبية هي عملية القمع التي كان يتبعها النظام الإيراني خلالها بشكل شبيه بعملية تقسيمية بين أجهزة نظام ولاية الفقيه القمعية.

الهدف الأساسي كان دوماً: إظهار القبضة الفولاذية للسلطة الحاكمة في إصدارات قمعية متشابهة الشكل والفحوى في كل الانتفاضات الشعبية المتتالية.

فعندما تتابع سلوك مؤسسات النظام الإيراني في جميع الاحتجاجات التي حدثت مؤخرا من بداية عملية القمع حتى نهايتها، يتضح لنا أن ما حدث ما هو إلا عبارة عن نسخة من إصدارات قمعية متشابهة بالضبط.

التحضير للعملية القمعية

بما أنه هناك احتمال وقوع أحداث غير متوقعة بشكل دائم، تقوم القوات الأمنية الإيرانية دائماً بتحديد ومتابعة التهديدات الأمنية ومصادرها.

على سبيل المثال، في الانتفاضة الماضية التي اشتعلت مؤخراً على خلفية رفع الحكومة الإيرانية لسعر مادة البنزين، توقعت القوات الأمنية حدوث احتجاجات كبيرة في كل البلاد، ولذلك قامت مسبقاً بنشر القوات الميدانية في أغلب النقاط الحساسة في جميع أنحاء إيران.

القوات الأمنية مسؤولة أيضاً عن الضغط على عائلات الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام الأجنبية.

بعد بدء الاحتجاجات تقوم تلك القوات بتحديد واعتقال قادة الحركات الاحتجاجية وسحب الاعترافات الإجبارية منهم، والتي تتمحور جميعها حول نظرية المؤامرة ووجود الأيادي الخارجية غير الموجودة أساساً إلا في مخيلة تلك القوات.

بالتزامن مع ذلك، هناك دور هام تقوم به الاتصالات الإيرانية، وهو قطع الاتصالات وخطوط الهاتف والانترنت في المناطق التي تحتد فيها شدة الاحتجاجات، لإفساح المجال لبقية الأجهزة القمعية للقيام بعملها المحدد ضمن المنظومة القمعية المقسمة فيما بينها مسبقاً، ومنع تسرب أخبار الاحتجاجات لخارج البلاد.

حتى الآن لم تذكر وسائل الإعلام الإيرانية إحصائيات دقيقة لعدد القتلى والمصابين الذي سقطوا خلال الاحتجاجات الماضية، في حين ذكرت وسائل إعلام إيرانية معارضة (كمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية) سقوط أكثر من ألف قتيل.

الدور الآخر للاتصالات الإيرانية يتثمل في التعاون والتنسيق مع الأجهزة الأمنية، لتعقب واحتجاز الناشطين السياسيين من خلال اعتراض خطوط الهاتف والاتصالات عبر الإنترنت.

هنا يجب أن نذكر الدور المحوري لقوات الحرس الثوري الإيراني في هذه المرحلة، حيث أنها تمتلك شركة اتصالات خاصة بها (همراه اول)، ولديها إمكانية تعطيل الاتصالات المحلية والدولية في جميع أنحاء إيران.

دخول القوات الميدانية

"تعددت الأسماء والقامع واحد"، لعله المثل الأبرز الذي ينطبق على القوات الميدانية المتعددة التي يستخدمها النظام الإيراني لقمع المحتجين.

فقوات الشرطة والقوات الخاصة التابعة لها أو ما يسمى بقوات نوبو، قوات الباسيج، وفرق الحرس الثوري الإيراني، جميعها تتشارك وتتعاون فيما بينها لإرعاب وإسكات الشارع الإيراني من خلال التحشد في الشوارع وتفريق الاحتجاجات بالضرب وإطلاق النار المباشر لو لزم الأمر.

بداية تتدخل قوات الشرطة والوحدات الخاصة (قوات نوبو) لفض التجمعات، وإذا فشلت في ذلك، تتدخل قوات الباسيج لمساعدتها، وفي حال اشتداد الاحتجاجات تتدخل حينها قوات الحرس الثوري.

بالنظر للإمكانات العسكرية والميدانية الهائلة التي تمتلكها قوات الحرس الثوري، تلعب هذه القوات دوراً محورياً وحاسماً في القضاء على الاحتجاجات الشعبية، حيث يتوجب على الحرس الثوري بصفته الحامي الأساسي لما يسمى بالثورة الإسلامية في إيران إنهاء هذه الاحتجاجات مهما كلف الأمر.

لذلك عندما تتسرب أخبار عن وقوع المئات من القتلى في أحد المدن الإيرانية المنتفضة، يمكننا التأكد من أن الحرس الثوري الإيراني قد تدخل فعلياً في قمع الاحتجاجات.

خلال تنفيذ القوات القمعية لدورها الروتيني في عملية القمع، وفي ظل انقطاع الانترنت والاتصالات عن أغلب المحافظات الإيرانية، لا يغفل على النظام الإيراني أمر هام، وهو إلغاء جميع الأحداث الرياضية خلال أيام الاحتجاجات، خشية أن يحتشد المتفرجون متدفقين في مسيرات احتجاجية في نهاية الحدث الرياضي خارج الملاعب.

كما يتم إغلاق الجامعات والمراكز التعليمية في المناطق التي يمكن أن تتشكل فيها حركات احتجاجية، وفي حال حدوث حركة احتجاجية داخل أحد الجامعات المفتوحة تكون القوات القمعية مستعدة للقيام بعمليات اعتقال جماعي داخل تلك الجامعات.

دور الجيش الإلكتروني

في ذروة الاحتجاجات، من المهم جداً بالنسبة للحكومة الإيرانية إيجاد خلل في عمل المواقع الإخبارية أو شبكات الإذاعة والتلفزيون غير الحكومية.

لذلك يقوم الجيش الإلكتروني، الذي يعتبر أحد تشكيلات الحرس الثوري الإيراني بالقيام بأعمال شائعة كقرصنة المواقع المعارضة.

إلى جانب ذلك، تقوم المواقع شبه الحكومية والحسابات العديدة المزورة على وسائل التواصل الاجتماعي كفيس بوك وتويتر بالترويج ضد الاحتجاجات، وتبرير قرارات الحكومة المتعلقة بقمع المتظاهرين.

المراحل النهائية

بعد اتمام عمليات القتل والاعتقال الوحشي لآلاف المحتجين الإيرانيين، وتمكن القوات الميدانية من السيطرة على الشارع الإيراني، هناك عدة أمور يقوم بها النظام الإيراني.

أولها زيادة نشاطات ما يسمى بمنظمة الدعاية الإسلامية لإخراج مظاهرات مؤيدة للنظام في ذات المدن الإيرانية المنتفضة، وذلك من أجل إظهار وجود قاعدة اجتماعية لهذا النظام للرأي العام الدولي.

بعد ذلك، يأتي دور وزارة الخارجية الإيرانية في إدانة أي قلق دولي من القمع الذي يجري داخل إيران، واعتباره تدخلاً في الشؤون الداخلية، وتكذيب أي أخبار صادرة عن وسائل إعلام أجنبية تشير لحدوث عمليات قتل وقمع واعتقال واسعة داخل البلاد.

في نهاية المطاف، يأتي دور السلطة القضائية في إيران، حيث تقوم بترتيب محاكم شكلية وصورية لآلاف المعتقلين، وذلك بناءً على قضايا تم تلفيقها لهم من قبل القوات الأمنية وقوات الشرطة والحرس الثوري الإيراني، حتى تمتلئ السجون بالمعارضين الإيرانيين.

 
 
مقالات مقترحة
وزارة تجارة النظام تطبّق آلية جديدة لتوزيع المواد التموينية
حكومة النظام تحدد موعد بدء إنتاج البنزين في مصفاة بانياس
باكيت الحمراء بـ 1200.. ما هي أسباب ارتفاع سعر الدخان السوري؟
3 وفيات و37 إصابة جديدة بفيروس كورونا في مناطق نظام الأسد
واشنطن بوست: فيروس كورونا خارج عن السيطرة في مناطق نظام الأسد
11 إصابة جديدة بفيروس كورونا و34 حالة شفاء في شمال غربي سوريا