من الانتظار إلى الفعل.. في الحاجة إلى بناء مؤسسة وطنية

من الانتظار إلى الفعل.. في الحاجة إلى بناء مؤسسة وطنية

الصورة
13 أيار 2019

الآن، ربما تحتاج الحالة السورية إلى مقاربة تختلف عمّا ساد في خطاب القوى السياسية السورية خلال السنوات السابقة، فقد تبدلت معطيات كثيرة، وغابت مرتكزات، كانت تعتبر أساساً في بناء خارطة طريق خلاص سوريا، وتعقدت تفاصيل اللوحة كلها.

 لو أردنا باختصار، أن نحدد أهم المعالم الأساسية للحالة التي وصلنا إليها، فقد نتمكن من تكثيفها بالنقاط التالية:

  1. لم يعد الصراع العسكري بين ما سمي - زوراً - قوات المعارضة السورية، والسلطة السورية مفتوحاً على احتمالات كثيرة، فقد تحددت نتائجه الأساسية الكبرى، ولم يبق منه إلا ما تحتاجه الأطراف الدولية لفرض خطوط تسويتها ومصالحها النهائية، وبالتالي: إن السوريين كلهم، الآن، لم يعودوا أكثر من أداة لهذا الصراع، وليسوا أطرافاً فيه.
  2. في الجانب السياسي الذي لايزال يتعثر في ظل استمرار العمل العسكري على الأرض، وإرجاء رسم الخطوط النهائية لمصالح القوى الدولية المتصارعة على الأرض السورية، تجري محاولات كثيرة لبلورة فهم سياسي جديد، تنشأ وفقه قوى سياسية جديدة؛ إذ لم يعد أي فاعلية -ذات معنى- لكل القوى السورية التقليدية، سواء تلك التي في مقلب النظام أم تلك التي في مقلب المعارضة، وعلى الرغم من أن النظام يبدو بحال أفضل مما هي عليه حال المعارضة، فإن حالته الأفضل لم تتأسس على تمثيله مصلحة السوريين، ولا على حاجة السوريين له، ولا على قدرته وحرصه في الدفاع عن مصالحهم، بل إنها تتأسس على حاجة الأطراف الدولية وحرصها من أجل تحقيق مصالحها أولاً، بالتوافق مع استعداده وقدرته على بيع مصالح السوريين والمتاجرة بها.
  3. لقد تسببت السنوات الثماني الماضية بشكل مباشر، وقبلها عقود القمع والفساد والتخريب المنهجي للدولة، في تفتيت شديد داخل بنية المجتمع السوري؛ الأمر الذي يدفع إلى انتهاء سوريا – بمعانيها جميعها: التاريخية، والجغرافية، والسياسية- التي كانت قبل انفجار الثورة، إذا لم نتمكن -نحن السوريين- من الوقوف في وجه هذه الاستباحات الصفيقة، التي تفرضها الدول الخارجية، والتي ترسم على وقائع مجرياتها صيغة سوريا القادمة، بغياب كامل لأي قوة وطنية سورية.
  4. يبدو المشهد الدولي بالغ السوء، فقد غاب وجه السياسة الدولية التقليدي بعد وصول ترمب وبوتين إلى موقع القرار في أكبر قوتين عسكريتين، وعليه فإن حضور الديبلوماسية التقليدية، بصيغتها التي عرفتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى، وتقلص إلى حد كبير الدور المقنّع لها، ذاك المتمثل بمؤسسات الأمم المتحدة وبمجلس الأمن، وحل محله وجه صفيق في نهب الدول المستضعفة، عبر آليات تتجاهل كل المواثيق والمعاهدات والأعراف التي سارت البشرية على إيقاعها بعد نهاية الحرب الكونية الثانية.
  5. يترافق كل هذا مع انهيار شامل في البنية السورية: انهيار اقتصادي، ودولة فاشلة، وغياب التعليم والصحة والخدمات، وملايين المهجرين، وملايين المعاقين، وما يقارب مليون ضحية، ومأساة هي أقسى ما عرفته البشرية منذ أكثر من نصف قرن.

تحت ضغط هذه اللوحة بالغة السوء والسواد يحاول بعض السوريين لملمة ما يمكن من قواهم؛ كي

قد يتقاطع 80% من السوريين على أهداف المرحلة الأولى، وهي المتمثلة باستعادة السوريين وطنهم وقرارهم. ثم قد يختلفون حول ما بعدها

يحافظوا ما أمكن على وطنهم، وعلى إمكانية خروجه من هذا النفق الطويل، وعلى استكمال مهام معافاته، ومن ثَمَّ وضعه على سكة التطور الطبيعي، فهل هناك إمكانية لذلك...؟

ليس مبالغة القول: إنها مهمة بالغة الصعوبة. لأنها كذلك فعلاً، لكنها ليست مستحيلة بالتأكيد، ولعل الانتباه إلى بعض النقاط، يسهم في تذليل هذه الصعوبة:

  1. قد يتقاطع 80% من السوريين على أهداف المرحلة الأولى، وهي المتمثلة باستعادة السوريين وطنهم وقرارهم. ثم قد يختلفون حول ما بعدها، وبالتالي: إن الإصرار على الاتفاق المسبق بشأن كامل المراحل؛ لابد أن ينسف كل التقاطعات الكبرى. فهل نحاول الآن تجزئة العمل إلى مراحل؟
  2. إن معظم النقاط الخلافية بين السوريين، ليست ملحة الآن، وهي أساساً تحتاج إلى شروط مختلفة عما نحن فيه، وبالتالي: إن تأجيلها حتى تحين ظروفها، لابد فيه مصلحة للجميع.
  3. لا يمكن بناء أي حالة سورية بالبقاء داخل دائرة انتظار فعل الآخرين؛ لنحدد رد فعلنا عليه، نحن بحاجة إلى الفعل أولاً، الفعل الذي يفعل وفق مستويين:
  • مستوى إستراتيجي تتم دراسته ووضع آلياته على ضوء الحالة السورية وتعقيداتها وآفاقها المستقبلية؛ أي: على ضوء المصالح الإستراتيجية للسوريين ووطنهم، ويتحدد بدلالة الواقع المتمثل بانهيار كل شيء في سوريا، وبدلالة حاجتها إلى عقود من العمل الوطني؛ لتتعافى، فتوضع على سكة الحياة الطبيعية القابلة للتطور، ثم القدرة على حماية مصالح وكرامة أبنائها.
  • مستوى مرحلي يستجيب بديناميكية للتطورات والمتغيرات اليومية في الحدث السوري.
  1.  كلنا يعلم مدى تراجع الاهتمام العالمي بقضية الشعب السوري الأساسية التي يمكن تلخيصها: إنهاء الاستبداد والانتقال إلى دولة المواطنة؛ الأمر الذي يفرض على السوريين مسؤولية أكبر، ويصعّب عملهم كثيراً، وقد يجبرهم على الاعتماد بشكل كبير على إمكاناتهم الذاتية.
  2. لن يكون هناك جدوى لأي عمل وطني حقيقي من دون إنشاء مؤسسة وطنية للسوريين، تعمل بدلالة مصلحتهم الإستراتيجية، وتدافع عنها؛ ولأن هذه الفكرة هي بيت القصيد، فسوف أستفيض بالحديث عنها:

 مهما تكن صيغ الحل السياسي القادم الذي سيفرض على السوريين، بدءاً من تقسيم سوريا أو عدمه، إلى إنهاء الاحتلالات أو عدم إنهائها، مروراً ببقاء بشار الأسد وعصابته أو عدمه ... فإننا بأمس الحاجة إلى مؤسسة وطنية.

لماذا نحن بأمس الحاجة إلى هذه المؤسسة؟

لأن القضية السورية لم تعد قضية سياسية بين طرفين سياسيين فقط، إنها قضية بقاء أو زوال دولة، إنها حقوق ملايين السوريين، بأملاكهم، وبمعتقليهم، وبمختطفيهم...، إنها قضية النهب المفضوح للممتلكات وللثروات الوطنية التي هي ملك الشعب السوري، إنها قضية نهب تراث البلد وآثاره وثقافته، إنها التهجير المتعمد بهدف إحداث تغيير ديموغرافي يؤسس لشرعنة ما....

منذ سنوات، وبعد أن انكشف غياب أي وجه وطني للدولة التي كانت في سوريا، وبعد أن جُيِّرت الدولة بكامل مؤسساتها لخدمة العصابة الحاكمة، وبعد أن انهارت الدولة حتى بصيغتها التابعة للسلطة الحاكمة، وبعد أن أصبحت سوريا -وفق المعايير الاقتصادية والسياسية- دولة فاشلة، كل هذا يتطلب منا: إيجاد مؤسسة وطنية تقوم بالحد الأدنى من المهام التي يحتاجها السوريون، الآن، وفي أي مرحلة قادمة.

سيتبادر لذهن كل من يقرأ هذه الكلمات، أن هذه المهمة مستحيلة، وأنها تعني إنشاء ما يشبه الدولة.

بالتأكيد ليست المهمة سهلة، بل إنها بالغة الصعوبة، لكنها ليست مستحيلة أولاً، وبالغة الضرورة ثانياً، وعليه: إن أيّ تأخير في إنجازها، هو بالضرورة تعقيد شروط مشروعنا الوطني وإعاقة له. وإننا كلما فقدنا حقوقنا الأساسية كشعب، فقدنا قرارنا بمستقبل وطننا ومصيره.

هذه المؤسسة، التي نحن بأمس الحاجة إليها، تحتاج هي إلى جهود كل السوريين أولاً، كل السوريين

لا يمكن وضع تصور حقيقي لهذه المؤسسة من دون تحديد رؤية وطنية جامعة وقادرة على تحشيد السوريين خلف مصالحهم والدفاع عنها

الذين لايزالون يرون سوريا وطناً لهم، وتحتاج ثانياً، إلى كل مواصفات المؤسسة المحايدة التي تقوم بدورها الوطني بعيداً من أي مرجعيات خارجية، أو داخلية (حزبية، أو طائفية، أو قومية، أو...).

هل يمكن عملياً قيام مثل هذه المؤسسة؟

  1. لا يمكن وضع تصور حقيقي لهذه المؤسسة من دون تحديد رؤية وطنية جامعة وقادرة على تحشيد السوريين خلف مصالحهم والدفاع عنها؛ لذلك من المهم جداً إنجاز هذه الرؤية بخطوطها العريضة العامة التي تجمع السوريين، ولا ضرورة للغوص في تصورات وتحديدات ليس وقتها الآن، وقد تسبب افتراق السوريين واختلافهم.
  2. كل السوريين معنيون في إنجاز هذه المؤسسة، بغض النظر عن أي تصنيف لهم سوى تصنيف انتمائهم إلى سوريا الوطن، وإعلاء هذا الانتماء على أي انتماء آخر.
  3. ربما يكون أهم مهمة لهذه المؤسسة هي الإسراع في عقد مؤتمر وطني عام.

إن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق القوى الوطنية السورية كبير، وبالغ الصعوبة، لكن ما من خيار آخر أمامها، إن كانت تريد إنقاذ وطنها والبدء بالتأسيس لمشروع وطني بمنتهى الجدية والوعي والمسؤولية.

ربما تكمن الصعوبة الأساسية في البدايات، لكن عجلة هذا المشروع ما إن تدور دورتها الأولى حتى تكتسب تسارعاً قد يفاجئنا. وكل هذا لن يكون إلا تحت راية وحيدة:

سوريا فوق الجميع، سوريا فوق القوميات والطوائف والأحزاب والأفراد.

بسام يوسف.

شارك برأيك