ليست المفاوضات الجارية اليوم مجرّد مسار تقني لاحتواء حرب، بل هي لحظة كاشفة لإعادة توزيع الأدوار داخل الإقليم وخارجه. ما يجري في إسلام آباد بين واشنطن وطهران لا يُقاس فقط بما قد ينتهي إليه من تفاهمات، بل بما يكشفه عن طبيعة التحولات داخل النظامين الأميركي والإيراني، وعن شكل المرحلة المقبلة في المنطقة. في هذا السياق، تتحول طاولة التفاوض إلى مساحة اختبار مزدوجة: اختبار للقيادة السياسية، واختبار لإعادة تعريف الموقع والدور.
في الجانب الأميركي، يدخل نائب الرئيس جي دي فانس إلى هذا المسار من موقع غير تقليدي. فهو لا يمثل مدرسة التدخل العسكري الكلاسيكية، بل يعكس توجهاً أكثر حذراً، يميل إلى تقليص الانخراط المباشر وتفضيل أدوات الضغط السياسي والتفاوضي. لكن هذا الخطاب، الذي يبدو جذاباً في الداخل الأميركي، يواجه الآن امتحانه الحقيقي: هل يمكن تحويله إلى سياسة فعالة في واحدة من أعقد ساحات الصراع في العالم؟
المعضلة التي يواجهها فانس لا تتعلق فقط بإيران، بل بالبيئة السياسية التي يتحرك ضمنها في واشنطن. فهو يعمل تحت سقف قيادة تجيد توظيف التفاوض كأداة تكتيكية، لا كمسار استراتيجي بالضرورة. في هذا الإطار، يصبح النجاح محدوداً بقدر ما هو ضروري: يكفي تحقيق إنجاز جزئي يمكن تسويقه داخلياً، مثل تجنب حرب واسعة، لكن أي تعثر قد يتحول بسرعة إلى عبء شخصي عليه. إنها معادلة قاسية: أن تقود المفاوضات بما يكفي لتحصد ثمارها، من دون أن تتحمل وحدك كلفة فشلها.
ما يحدث على طاولة إسلام آباد لا ينفصل عن التحولات الجارية في الإقليم، حيث تبرز سوريا كنموذج معقد لمحاولة التموضع في قلب العاصفة.
في المقابل، يبدو المشهد الإيراني مختلفاً في الشكل، لكنه لا يقل تعقيداً في الجوهر. محمد باقر قاليباف لا يدخل التفاوض بصفته مجرد ممثل رسمي، بل كجزء من عملية إعادة تموضع داخل النظام الإيراني نفسه. فمع تراجع أو غياب عدد من الشخصيات المؤثرة، تتسع المساحة أمامه لتقديم نفسه كواجهة براغماتية قادرة على إدارة التوازن بين الثوابت الأيديولوجية ومتطلبات الواقع.
غير أن هذه المساحة محفوفة بالمخاطر. فالتفاوض مع الولايات المتحدة، في السياق الإيراني، لا يُقاس فقط بنتائجه، بل بكيفية تقديمه داخلياً. أي انزلاق نحو تقديم تنازلات ملموسة قد يُفسَّر كمساس بجوهر النظام، في حين أن التشدد المفرط قد يفوّت فرصة إعادة التموضع. لذلك يتحرك قاليباف ضمن هامش ضيق: أن يبدو مرناً من دون أن يُتّهم بالضعف، وأن يحقق مكاسب من دون أن يدفع أثماناً سياسية داخلية.
ما يجمع الرجلين، رغم اختلاف السياقين، أنهما يتحركان في لحظة انتقالية. فانس يمثل توجهاً أميركياً يسعى لإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم، وقاليباف يعكس محاولة إيرانية للتكيف مع بيئة إقليمية أكثر ضغطاً وتعقيداً. من هنا، لا تعود المفاوضات مجرد وسيلة لإنهاء صراع، بل تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية داخل كل نظام.
لكن ما يحدث على طاولة إسلام آباد لا ينفصل عن التحولات الجارية في الإقليم، حيث تبرز سوريا كنموذج معقد لمحاولة التموضع في قلب العاصفة. فدمشق، التي سعت منذ بداية الحرب إلى تبني سياسة "الحياد الحذر"، وجدت نفسها عملياً داخل معادلة لا تسمح بالحياد الكامل. موقعها الجغرافي، وتماسها مع بؤر التوتر، يجعلانها جزءاً من المشهد حتى عندما تحاول الابتعاد عنه.
هذا الواقع فرض على سوريا تبني مقاربة متعددة المسارات: من جهة، السعي إلى الاندماج مجدداً في النظام الإقليمي العربي، ومن جهة أخرى، محاولة الحفاظ على استقلالية القرار الداخلي وتجنب الانخراط في الصراع. لكن التحدي يكمن في أن هذه المقاربة تصطدم ببيئة إقليمية متفجرة، حيث يصعب الفصل بين الأمن الداخلي والتوازنات الخارجية.
التحدي الإسرائيلي يبقى العامل الأكثر حساسية في هذا السياق. فإسرائيل لا تتعامل مع سوريا كطرف محايد، بل كساحة محتملة لتوسيع نطاق الصراع. من خلال الضربات المتكررة، ومحاولات دفع دمشق إلى الانخراط في المواجهة، تسعى تل أبيب إلى إعادة رسم البيئة الأمنية في الجنوب السوري، بما يخدم استراتيجيتها الأوسع في المنطقة. هذا يضع سوريا أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على عدم الانخراط، من دون الظهور بمظهر العاجز عن الرد.
وسط هذه التحولات، تبرز الجغرافيا السورية كعامل حاسم في معادلة ما بعد الحرب. فإغلاق مضيق هرمز أعاد إحياء التفكير بممرات بديلة للطاقة، ما أعاد وضع سوريا على خريطة الإمداد الإقليمي.
في موازاة ذلك، تشهد علاقات سوريا مع دول الجوار، وخصوصاً لبنان والعراق، إعادة تشكيل تحت ضغط الحرب. في لبنان، يتقاطع المسار السوري مع واقع داخلي معقد، حيث تسعى الدولة إلى حصر السلاح بيدها في ظل توازنات دقيقة تمنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية. أما في العراق، فقد انتقل البلد من ساحة لتبادل الرسائل إلى ساحة لإدارة الصراع نفسه، ما يفرض على دمشق تنسيقاً أمنياً وسياسياً أكثر تعقيداً لضبط الحدود ومنع ارتدادات التصعيد.
وسط هذه التحولات، تبرز الجغرافيا السورية كعامل حاسم في معادلة ما بعد الحرب. فإغلاق مضيق هرمز أعاد إحياء التفكير بممرات بديلة للطاقة، ما أعاد وضع سوريا على خريطة الإمداد الإقليمي. مشاريع نقل النفط عبر الأراضي السورية، وإعادة تأهيل خطوط الأنابيب القديمة، ليست مجرد خطوات اقتصادية، بل مؤشرات على إمكانية تحول سوريا إلى عقدة لوجستية في النظام الإقليمي الجديد.
في المحصلة، نحن أمام مشهد مترابط تتداخل فيه المستويات الدولية والإقليمية. المفاوضات في إسلام آباد ليست معزولة عن تحولات دمشق، كما أن محاولات الحياد السورية ليست منفصلة عن نتائج تلك المفاوضات. المنطقة بكاملها تعيش لحظة إعادة تعريف: للأدوار، وللتحالفات، وللمعادلات التي حكمتها لعقود.
قد لا تنتج هذه المرحلة اتفاقات نهائية أو حلولاً جذرية، لكنها ترسم ملامح التوازنات القادمة. وفي عالم كهذا، لا يكون الأهم دائماً من ينتصر بشكل واضح، بل من ينجح في التموضع داخل المنطقة الرمادية، حيث تُصنع السياسة الحقيقية.
سلام في دمشق.. سوريا القلقة على أمنها من إسرائيل وحزب الله
لبنان تحت اختبار الإرادات.. حين تتحول التسوية إلى ساحة صراع
لبنان بين منطق الاستنزاف وحدود التسوية
من إسلام آباد إلى دمشق.. مفاوضات القوة وحدود الحياد
بين غموض ترمب وحسابات طهران.. حرب بلا مسار