icon
التغطية الحية

من أجهزة بـ10 آلاف دولار إلى مخطوطات عبرية: ما الذي يبحث عنه السوريون تحت الأرض؟

2025.05.23 | 16:03 دمشق

آخر تحديث: 23.05.2025 | 16:09 دمشق

شاب يمسك بجهاز الكشف عن المعادن ويبحث عن كنز مرصود في أحد الحقول الزراعية بسوريا
شاب يمسك بجهاز الكشف عن المعادن ويبحث عن كنز مرصود في أحد الحقول الزراعية بسوريا
The Financial Times - ترجمة: ربى خدام الجامع
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- بعد انهيار نظام بشار الأسد، انتشرت في دمشق وريفها ظاهرة البحث عن كنوز مدفونة باستخدام أجهزة كشف المعادن، نتيجة الفقر وتراجع القبضة الأمنية، حيث يسعى السوريون للهروب من الواقع الاقتصادي المتدهور.
- افتتحت متاجر جديدة لبيع أجهزة الكشف عن المعادن، التي تصل كلفتها إلى عشرة آلاف دولار، معتمدين على تقاليد عائلية وأساطير محلية، في ظل فراغ أمني و90% من الشعب يعاني من الفقر.
- يشكك الخبراء في صحة إشاعات اكتشاف الكنوز، معتبرين أن الذهب قد يكون منهوباً، بينما يستمر السوريون في البحث مدفوعين بالأمل، ويستغل التجار هذه الظاهرة لبيع الأجهزة.

منذ انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول الماضي، ظهرت في شوارع دمشق وريفها ظاهرة لافتة تتمثل في خروج أعداد متزايدة من السوريين ليلاً وهم يحملون أجهزة كشف المعادن، بحثاً عن كنوز مدفونة تعود إلى عصور قديمة، وفق ما ذكرته صحيفة فاينانشال تايمز. وترى الصحيفة أن هذا التوجه، الذي يغذّيه الفقر المتفشي وتراجع القبضة الأمنية، يعكس تحولاً عميقاً في أولويات الناس، إذ بات "الذهب يناديهم" وسط الانهيار الاقتصادي والحنين إلى ثروات موعودة مدفونة تحت الأرض.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع الأمن في سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية الصحيفة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

 

فيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

 

منذ انهيار نظام المستبد بشار الأسد في شهر كانون الأول الماضي، لاحظ أهالي دمشق ظاهرة جديدة في شوارع مدينتهم ليلاً، وتتمثل بظهور شخصيات غريبة تحمل بأيديها أجهزة للكشف عن المعادن.

وفي ريف دمشق أيضاً، وصل هؤلاء الرجال إلى الأراضي ذات الملكية الخاصة وهم يمسكون بأدوات الحفر وخرائط للكشف عن مواقع مزعومة دفنت فيها ثروات وكنوز تحت الأرض. إذ إن السوريين بعد أن تحرروا من الخوف الذي عم سوريا خلال حقبة الأسدين، أصبح الذهب يناديهم من كل مكان، بما أنهم مايزالون يرزحون تحت وطأة الفقر وما خلفته الحرب من إرث ثقيل.

بضاعة جديدة ترافق عمليات الحفر

يخبرنا أبو وائل، 67 عاماً، والذي يعتبر نفسه أحد الباحثين المحترفين عن الكنوز بأنه: "تحت حكم النظام، كان من المستحيل البحث عن الذهب في ليلة مقمرة" وذلك بسبب الخوف من الاعتقال.

أما الآن فقد تغيرت الأمور، إذ يخبرنا تجار التجزئة بأن أجهزة الكشف عن المعادن لم تكن متوفرة للبيع في سوريا، ولكن خلال هذا العام، افتتحت عدة متاجر لها في العاصمة، وكلها متخصصة في بيع تلك الأجهزة، إذ تبيع موديلات تصل كلفتها إلى عشرة آلاف دولار، في حين زينت واجهات تلك المحال بصور العلم السوري الجديد، وبصور لسبائك ذهبية ورجال يتباهون بحملهم لأحدث أجهزة الكشف عن المعادن.

يخبرنا أحد تجار التجزئة بأن قلة من الناس كانت تحفر بالسر بحثاً عن الكنوز طوال العقود الماضية، ولكن بعد سقوط الأسد، زادت تلك العمليات بنسبة كبيرة وذلك نظراً "للمرونة التي تتمتع بها عملية شراء تلك الأجهزة" على حد قوله، بيد أن هذا الرجل رفض الكشف عن اسمه بسبب حساسية الموضوع، شأنه في ذلك شأن معظم من أجريت معهم مقابلات في هذا الصدد من أجل هذه المادة.

كما ذكر هذا التاجر أيضاً بأن معظم السوريين يؤمنون بوجود كنوز مدفونة لأن "منطقتنا مهد لحضارات كثيرة"، وأضاف بأن بعض زبائنه يشكون بوجود أشياء ثمينة مدفونة في أراضيهم، وذلك بسبب تقاليد العائلة التي تتناقلها الأجيال كابراً عن كابر، ويعلق على ذلك بقوله: "لدينا كثير من الناس الذين يمارسون ذلك على سبيل الهواية، إذ من يخرجون للتخييم يمارسون عملية البحث لتزجية الوقت، بل إن هنالك أجهزة مخصصة للأطفال، وتلك الأحجام المخصصة لهم تأتي بلون أخضر أو زهري".

يخبرنا بائع آخر بأنه باع العشرات من أجهزة الكشف عن المعادن في متجره الصغير بدمشق، الذي علق عليه لافتة كتب عليها: "آليات للكشف عن المعادن والمياه"، وداخل المتجر تطالعك أجهزة ألمانية وصينية وأميركية للكشف عن المعادن يمكن حملها باليد الواحدة، إلى جانب أجهزة أخرى باهظة الثمن، وذلك لكونها شديدة التحمل وطويلة الأمد، ويخبرنا البائع بأن بعض السوريين يأتون من دول الجوار ليشاركوا بعمليات البحث عن الكنوز.

 

An advert for a Kuwaiti company that sells metal detectors to Syrians

أحد المتاجر التي تروج لشراء أجهزة الكشف عن المعادن وتستهدف الزبائن السوريين

الكنوز في كل مكان!

تحتل عملية البحث عن الكنوز المرصودة مكانة مميزة في وجدان السوريين، ويعود أحد أسباب ذلك إلى تاريخ البلد العريق والغني، ولهذا تناقل السوريون عبر أجيال عديدة أساطير وحكايات عن كنوز مدفونة، وعن ذهب عتيق وقطع أثرية لا تقدر قيمتها بثمن، خلفتها حضارات اندثرت منذ أمد بعيد ومسافرون كانوا يعبرون طريق الحرير أو حجاج كانوا في طريقهم إلى الديار المقدسة بالسعودية.

يعلق على ذلك عامر العظم، وهو أستاذ تاريخ الشرق الأوسط وعلم أصل الإنسان بجامعة شاوني ستيت في ولاية أوهايو الأميركية، سبق له أن عمل لدى قسم الآثار التابع للدولة السورية قبل الحرب، فقال: "كل من في منطقتنا لديه قريب سبق له أن حفر في بيته فعثر على جرة مملوءة بالذهب، ولهذا تحول ذلك إلى أسطورة من أساطير هذه المنطقة".

ولكن، وفي ظل حكم نظام الأسد، كان الخروج للحفر مخالفاً للقانون بحجة حماية مواقع التراث الأثرية، ولهذا كان من يتجاسر على الحفر يمارس ذلك تحت جنح الظلام من دون أن يخبر أحداً بذلك.

عندما سيطر الفراغ الأمني بعد سقوط آل الأسد، هرع السوريون نحو المواقع الأثرية، وذلك حتى يستولوا على القطع الأثرية، كما شرعوا في الحفر داخل حدائق بيوتهم، ونقضوا الجدران بحثاً عن الثروات والكنوز المخبأة فيها، بما أن 90% من الشعب السوري أضحى يعيش في فقر.

يعلق العظم على ذلك بقوله: "لقد دمرت الحرب في سوريا الاقتصاد كما دمرت أرزاق الناس، ولهذا بحث الناس عن مصادر أخرى للدخل"، بيد أن فكرة الحفر لم تكن بعيدة عن أذهان غالبية السوريين برأيه، بما أنهم: "يعيشون فوق موقع أثري، أو بجواره، أو على بعد رمية حجر من موقع أثري".

إشاعة أصلها حقيقي

وفي هذا السياق، انتشرت إشاعة في دمشق عن استخراج ثلة من الشبان عبر الحفر لكنز عتيق ما جعلهم أثرياء بين ليلة وضحاها، وذلك على الرغم من اختلاف عدد الشبان وموقع الحفر ونوع الكنوز بين كل رواية وأخرى ، غير أن الخبراء الذين أدلوا بتصريحات لهذا التقرير لم يعيروا أي اهتمام لتلك السردية، وقالوا إنه في حال العثور على الذهب، فإنه سيكون ذلك الذهب المنهوب من المتاحف أو من بيوت أعوان نظام الأسد الذين زينوا قصورهم بالآثار.

وحتى الآن لم يتم التحقق من أية نتائج تمخضت عنها تلك القصة، بيد أن السوريين هالتهم تلك الإشاعات، وخاصة بعد مرور سنوات عليهم وهم يراقبون النظام وجنوده في أثناء سرقتهم ونهبهم لكل يستطيعون حمله من هذا البلد.

ذكر أحد العاملين في المكتب الإعلامي التابع للحكومة السورية بأن عمليات الحفر ما تزال "غير قانونية من الناحية التقنية"، غير أن الحكومة "تغض الطرف عنها نظراً لعدم قدرتها على ملاحقة الجميع أو إرسال دوريات لكل المناطق".

عروض تناسب الجميع

استغل تجار التجزئة فرصة البيع، وبينهم تجار يعرضون بضاعتهم عبر الفيس بوك، إذ هنالك متجر موجود في الإمارات يسوق بضاعته خصيصاً للزبائن السوريين، مع إمكانية الشحن، ويزعم بأن أجهزة الكشف عن المعادن التي يوفرها تناسب التربة الصخرية البازلتية في سوريا، في حين يقدم تاجر آخر جهازاً للكشف عن المعادن يعرض صوراً ثلاثية الأبعاد للقطع المدفونة، ويحدد العمق الذي دفنت تحته. كما ظهرت موجة حديثة تعرض أجهزة مقاومة للماء من أجل من يمارسون الغوص بحثاً عن الذهب.

يخبرنا العظم بأن الباحثين عن الكنوز يبحثون في المناطق المحيطة بسكة الحجاز في معظم الأحيان، ذلك الخط الحديدي الذي جرى تشغيله في مطلع القرن العشرين ليربط بين دمشق والمدينة المنورة، وذلك اعتقاداً من هؤلاء بأن الذهب موجود بكثرة في تلك المنطقة. في حين يرى آخرون بأن القوات العثمانية التي هزمها الجيش البريطاني في القدس عام 1917، دفنت في أثناء انسحابها نحو الشمال صناديق من الذهب بحسب ما ذكره العظم.

هذا وتفتخر متاحف سوريا بمئات الآلاف من القطع الأثرية والمخطوطات، وبالتماثيل الإغريقية والجداريات التي تعود للقرن الثاني الميلادي، وهنالك قرابة 300 ألف قطعة أثرية خبئت في مواقع سرية خلال سنوات الحرب السورية الدموية التي بدأت في عام 2011، وفي عام 2018، عندما أصبحت الحرب أقل ضراوة، عرضت بعض تلك القطع في المتحف الوطني.

 

قطارات بالية عملت على الخط الحديدي الحجازي

لم يتضح عدد القطع الأثرية التي سرقت أو دمرت خلال الحرب، إلا أن خبراء الآثار والمواقع الإخبارية المحلية ترى بأن التيجان والصلبان والنقود الذهبية التي سرقت من سوريا مرت عبر تركيا لتصل إلى بيوت الموسرين في شتى بقاع العالم.

عندما يسهم الخيال في التسويق..

يرى أبو وائل بأن عمليات البيع غير الشرعية التي تتم خارج البلد لا يمكن أن تجرى عبر الإنترنت، غير أن الانتهازيين اليوم اقتنصوا هذه الفرصة حتى يبيعوا ما "عثروا" عليه، ويعلق العظم على ذلك بقوله: "معظم ما يعرض للبيع سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو مشافهة، بزعم أنها نقود ذهبية عثمانية أو رومانية، ما هي إلا نقود زائفة مقلدة غير أصلية"، وعزا العظم تلك الموجة إلى "خيال الناس المجنح".

لكنه يرجح بأن بقية القطع هي عبارة عن بضائع مسروقة، وعن ذلك يقول: "عرض علي في السابق ورأيت نماذج حقيقية لقطع أثرية مهمة تعود لمناطق مختلفة من سوريا، وقد زاد هذا الأمر كثيراً بعد سقوط النظام، نتيجة للفراغ الأمني الذي حل للأسف بعد السقوط".

يحدثنا أبو وائل عن مخاطر الخروج إلى الحقل لتنفيذ ما وصفه بأنه مهمات تنقيب "حقيقية" عن الذهب، ومن بين تلك المخاطر خطر التعرض لهجوم من الأهالي في حال لاحظوا وجود أعمال الحفر، والإمساك بالحفارين ومصادرة كل ما بحوزتهم.

حلم لن يتحقق

ومن خلال هاتفه المحمول، يعرض أبو وائل مقاطع فيديو لبعض المكتشفات التي أرسلها إليه حفارون آخرون بحثاً عمن يشتريها، وفي أحد الفيديوهات نشاهد عملية نشر حذرة لمخطوطة هشة كتبت بأحرف عبرية ذهبية، فيما يشبه الحكايات التي تتحدث عن كنز قديم مدفون في مقابر يهودية.

وفي أثناء حديث أبي وائل بصوت خفيض أقرب للهمس في أحد مقاهي دمشق التي تغص بالناس، يخبرنا بأنه بعد أن أمضى أربعين عاماً في الحفر بحثاً عن الكنوز بات يعرف بأنه من الصعب العثور عليها، ولذلك يتهم بائعي أجهزة الكشف عن المعادن بخداع الناس لأنهم يشجعونهم على إنفاق المدخرات القليلة التي بحوزتهم لشراء حلم لن يتحقق.

Images of gold-lettered scrolls

مخطوطات كتبت بالعبرية يزعم من يبيعونها بأنها أثرية

ويخبرنا أبو وائل بأن السحرة والمشعوذين، وأشهرهم الشيخ الأحمر، يطلبون من الناس "قراءة" تعويذات ومخطوطات قديمة تدلهم على الكنز.

وبما أن أبو وائل قديم في هذه المهنة، فقد ظل يبحث طوال أربعين عاماً من دون أن يعثر على الكنز، لكنه اقترب منه في أحد المرات، إذ يقول: "قبل سنوات، وبعد فك طلاسم سلسلة من الإشارات والعلامات طوال أسابيع وبعد أن حفرت في مواقع عدة، عدت إلى موقع الحفر الأخير، لأجد بأن عاليه أصبح سافله"، ويضيف: "أخبرني أهل القرية بأن ثلة من الشباب حفرت طوال الليل وعثرت على صندوق من الذهب، ولكن لعل ما حدث كان خيراً لي، لأن المثل الشعبي يقول: "الذهب بالعقل يذهب".

 

المصدر: The Financial Times