من أجل شباب الغوطة

تاريخ النشر: 07.06.2018 | 00:06 دمشق

في موكب مهيب، وبصحبة قادة الصف الأول. زار الشيخ "عصام بويضاني" قائد جيش الإسلام مخيم "دير بلوط" بريف عفرين في 16/ايار-مايو/2018، واجتمع بعامّة المُهجّرين من الغوطة الشرقية وجنوب دمشق.

الخبر السابق نقلته منابر إعلاميه أشارت إلى أن الزيارة تندرج ضمن سباق بين فصيلي جيش الإسلام وفيلق الرحمن لإعادة تجميع صفوفهما وتجنيد النازحين، مقابل رواتب شهريه تتراوح بين 100-200 دولار أمريكي.

ردود الفعل على ما سبق في مواقع التواصل الاجتماعي كانت قاسيه؛ فقد رفضت معظم التعليقات إعادة إنتاج قياداتٍ اتهمتها بالفشل، والتطرّف، والسرقة، وصولاً إلى الخيانة.

لكن التجنيد مستمر، ويؤكد البعض أنه ينجح باستمالة شبان يرون أن الشيخ "أبو همام" وصحبه مجاهدون صادقون، خسروا معركةً ولم يخسروا الحرب. وأن إصرارهم على الاستمرار دليل على إخلاصهم، الذي شبّهه أحدهم بما فعله "ديغول" حين خرج من فرنسا إبان احتلالها في الحرب العالمية الثانية، ليجمع الصفوف ويطلق حرب تحرير استعادة الاستقلال.

رغم أن مثل ذلك التباين الواسع في الآراء قد يكون مفهوماً في مشهد ثوري مضطرب يصعب فيه إجراء تحقيق دقيق لما جرى في الغوطة وأدّى بأهلها إلى النزوح، وترك بيوتهم وأرزاقهم وأرضهم إلى المجهول. إلا أنه لا بد من قراءةٍ عامةٍ للمشهد، علّها تساعدنا في فهم أفضل؛ يجد العذر لقادة الغوطة، أو يُحذّر شبابها من تكرار التجربة.

تتألف القيادة العليا لجيش الإسلام من: "عصام بويضاني (أبوهمام)" قائد الجيش، وثلاثة أعوان هم "أبو قصي الديراني" و "أبو ياسر شيخ بزينه" و "أبو محمود الزيبق". بالإضافة إلى شرعي الجيش "أبو عبدالرحمن كعكه".

لا يُتّهم أي اسم سابق بذمته المالية أو بأخلاقه، وجميعهم من أوائل الملتحقين بالثورة السورية -باستثناء أبو عبدالرحمن الذي كان سجيناً-.

إدارة هذه المناطق كانت شبه مستحيلة على ذوي الخبرة والعلم؛ فما بالك بقيادةٍ أفضل مؤهلات قادتها، الشهادة الإعدادية التي يحملها "عصام بويضاني"

ولا شك أيضاً أنهم تعرّضوا لأزمةٍ قلّ مثيلها في أي مكان من سوريا -باستثناء داريا ربما-؛ فتحدّي النظام في خاصرة عاصمته المُحصّنة، كسر هيبته، وشجّع على توسيع رقعة الثورة، وذلك ما لم تغفره ميليشيا الأسد أو تتهاون معه؛ فحاصرت الغوطة -وداريا-، وجوّعت أهلها، وتعاملت معها بمنتهى العنف. كل ذلك عقّد مهمة إدارة هذه المناطق، وجعلها شبه مستحيلة على ذوي الخبرة والعلم؛ فما بالك بقيادةٍ أفضل مؤهلات قادتها، الشهادة الإعدادية التي يحملها "عصام بويضاني"، بينما اكتفى جميع أعوانه الذين ذكرناهم بالشهادة الابتدائية. ذلك ينطبق على الدائرة الثانية من القيادة، التي تضم رئيس الأركان "علي عبدالباقي (أبو محمد)"، صاحب الشهادة الابتدائية، الذي عمل قبل الثورة في مهنة تركيب البلاط، ليتحوّل بعد ذلك إلى رئاسة أركان جيش قوامه عشرة آلاف متطوّع على الأقل، انتشر على جبهة طويلة، وطُلب إليه مواجهة قوى عسكريه يقودها ثاني أقوى جيش في العالم.

في المقابل فإن "ديغول" الذي تجري المقارنة معه، كان جنرالاً (عميد) في الجيش الفرنسي، خاض الحرب العالمية الأولى ونال عن مشاركته وسام صليب الجيش. كما ألف عدة كتب في مجال الاستراتيجية السياسية والعسكرية. وعُيّن كنائب لكاتب الدولة للدفاع الوطني قبل احتلال فرنسا.

اذاً، المشكلة -في أحد وجوهها على الأقل-، نقص علمٍ وخبره، لا سوء ذمةٍ ماليه أو فساد. ولا تطرّف أيضاً؛ فعلى عكس نمطيّة مظهر "البويضاني" بذقنه الكثيفة ولباسه، ينتمي قائد جيش الإسلام إلى الاعتدال أكثر من انتمائه إلى التطرّف. ويُجمع كل من يعرفه على دماثته وكرمه وطيبه، لدرجة أن تنصيبه قائداً للجيش بعد وفاة مؤسسه "زهران علوش" كان صدمةً للكثيرين، الذين وجدوا فيه رقّةً لا تتناسب مع حالة الحرب والحصار، وذلك ما ظهرت آثاره سريعاً؛ فكانت قيادته مترددةً، استطاعت ربما أن تجذب القلوب، دون أن تفرض الاحترام الكافي لتأمين الانضباط والحماسة والولاء، ودون أن تضع ضوابط لأعوانه، فذاع صيت سجنهم، وعسسهم الذين راقبوا الناس، وأعادوا للأذهان ذكريات أمن الأسد، والخوف من استدعاءات التحقيق ودعاوى التخوين أو فقد الولاء والتعاون مع الأعداء.

وتبقى شخصية "أبو عبدالرحمن كعكه" شرعي الجيش، الأكثر إثارةً للجدل. فهو كما يبدو، الرجل الأكثر نفوذاً. يُحكم السيطرة على السلطتين التشريعية والقضائية، ويتمدّد أحياناً إلى السلطة التنفيذية. لا تختلف مؤهلاته العلمية عن سابقيه، إلا بحضوره لبعض الحلقات والدروس الشرعية لدى عدد من الشيوخ. لكنه كان رفيق سجن "زهران علوش" في صيدنايا قبل الثورة، ما أهّله لنيل ثقة مؤسس جيش الإسلام الكافية للتمتع بصلاحيات غير محدودة.

افتقد "الكعكة" إلى القبول من أهالي الغوطة، وبدا ذلك جليّاً حين تجمهر المئات أمام منزله قبل الخروج من دوما منادين "دوما حرّة حرّة، الكعكة يطلع برّا". شعارات قابلها "أبو عبدالرحمن" بعدوانية؛ حين صرّح في تسجيل صوتي، إن سبب محنة الغوطة "اضطراب النفوس، والتنصّل من المسؤوليات"، وأن متظاهري الغوطة هم الذين حملوا السلاح "عندما كنّا في سجون النظام"، ولا أدري من الذي يتنصّل هنا؟!.

تلك كانت نظرةً عامةً في قيادة جيش الإسلام، التي لا تختلف عنها في فيلق الرحمن، وغيرهم من فصائل الثورة السورية إلا ببعض التفاصيل. هؤلاء ليسوا خونةً باعتقادنا، ولكن ذلك لم يعد كافياً بعد سنوات من الانتكاسات.

من حقنا أن نتساءل عن الموكب المهيب للشيخ عصام، بينما ينام المُهجّرون في الخيام،

كان الأجدى بالشيخ "أبو همام" وأعوانه، أن يبدؤوا بتفسير ما جرى في الغوطة، ولماذا جرى، وكيف. وأن يتقاسموا -هم وقادة فيلق الرحمن- الخيام مع النازحين، قبل أن يطلبوا ولاءهم.

ومن حقنا أن نستغرب خطاب رئيس مكتبه السياسي خلال لقاء مخيم دير بلوط؛ الذي قال فيه: "لدينا ثلاثة أعداء، الميليشيا الكردية، وهيئة تحرير الشام، وتنظيم الدولة".

كان المُهجّرون يتوقعون خطة تحرير علّها تعود بهم إلى بلداتهم. كانوا يتوقعون رؤيةً لكيفية مواجهة ميليشيا الأسد، لا لكيفية التورط في حرب بالوكالة تخدم دولاً إقليميةً ودولية.

فهل المطلوب إعادة رص الصفوف لمعركة تحرير، أم استئجار مرتزقةٍ لحرب بالوكالة أجرها مئتا دولار بالشهر، للرأس؟!.

كان الأجدى بالشيخ "أبو همام" وأعوانه، أن يبدؤوا بتفسير ما جرى في الغوطة، ولماذا جرى، وكيف. وأن يتقاسموا -هم وقادة فيلق الرحمن- الخيام مع النازحين، قبل أن يطلبوا ولاءهم. ولربما استطاع الشيخ "عصام" أن يُقنع مستمعيه أكثر لو أنه صارحهم بمصدر تمويله، الذي سيبني جيشاً ويشتري عتاداً، وما ثمن ذلك. عوض الادعاء بأن مصادر تمويله ذاتيه.. أي ذاتيه يا شيخنا؟!. هل تتوقع أن تقنع بكلامك أي حليم!

يمكن لقادة فصائل الغوطة أن يستغلوا حاجة شباب التغريبة السورية وفاقتهم؛ فيجنّدوا البعض، ولكن من المحزن فعلاً أن ينجحوا في إعادة إنتاج فشلهم بنفس الأدوات. ولئن حدث ذلك فسيكون مدعاةً للقهر على شباب الغوطة المخلصين؛ فأي فاجعةٍ أقسى من أن يتحول من جاهدوا بأنفسهم وأموالهم من أجل الحرية، إلى مرتزقة.