منى واصف: بداية سينمائية متعثرة وطفولة غير سعيدة

تاريخ النشر: 01.02.2021 | 14:25 دمشق

آخر تحديث: 02.02.2021 | 09:02 دمشق

فاطمة ياسين

في برانامج تلفزيوني عرض في العام 1985 وصفها المذيع حكمت وهبي بأنها إيرين باباس العرب، استوحى وهبي التشبيه من الدور الذي قدمته منى واصف في الفيلم العالمي "الرسالة" لمخرجه الشهير مصطفى العقاد، تقمصت منى واصف شخصية هند بنت عتبة، السيدة صاحبة الانتقام الدموي، لم يكن هذا الدور بداية مشوارها الفني ولكنه كان مفترقا مميزا وضع الممثلة منى واصف في مكانها الصحيح، حيث أتيح لها المجال لتقف على منصة مقارنة واحدة مع ممثلات عالميات، ما جعل حكمت وهبي يقتبس تشبيهه السابق بكل ثقة.

منى واصف هي الأخت الكبرى بين ثلاث بنات، وتقول إنهن حظين بأم حنون، ولدت في مثل هذا اليوم 1 شباط عام 1942وتربت في بيئة شعبية في دمشق، ولم يخطر ببالها أن تكون فنانة في يوم من الأيام، كانت تحلم بأن تصبح كاتبة أو أديبة، وتقول في هذا السياق: كان لدي مادة متوفرة لأكتبها، فقد كان في حياتنا اضطراب، أدى إلى طلاق والدي ووالدتي، وكنت أعتقد بأن ما حدث هو شيء يجدر كتابته، هذا العنوان العريض الذي يمكن أن أتذكره عن طفولتي، ويمكن أن أضع له عنوانا هو: طفولة غير سعيدة. قالت منى واصف ذلك دون أن تتخلى عن عفوية حركة يديها أو جلستها الطبيعية وعباراتها التلقائية.

اضطرت منى واصف بعد أن أخذت شهادة البروفيه (الإعدادية) للعمل، فهي أكبر أخواتها، عملت بائعةً في معرض للأزياء، واشتركت في مهرجانات القطن في بعض المحافظات، وعملت كذلك عارضة للأزياء في بعض العروض التي أقيمت في بيروت، تقول واصف: بعد دوامي في العمل كنت أذهب للتدرب على الرقص الشعبي مع فرقة أمية للفنون الشعبية، قرأتُ إعلاناً في الجريدة عن حاجة المسرح العسكري لراقصات فنون شعبية، فقدمت ونجحت، أما التمثيل فجاء مصادفة! لم أكن أعد نفسي له عندما احتاج مخرج أحد الأعمال إلى ممثلة دورها يشبه قياساتي الجسدية، قال لي المخرج: اقرئي. فقرأت، كان المشهد حزينا فسقطت دمعة من عيني، كانت هذه الدمعة جواز مروري إلى بطولة أول مسرحية، وقد فشلت فشلاً ذريعا، ووُجه إليّ نقد لاذع، ودعاني كاتب مقال إلى الذهاب للبيت وانتظار عريس، ذرفتُ دموعا، ولكنها كانت تجربة مبهرة! واجهت جمهورا مختلفا عن جمهور عرض الأزياء، ورغم فشل العمل لكني أحببت الخشبة وأردت أن أعتليَها مرة أخرى، وفعلت ذلك سريعا ولكن هذه المرة بدور صغير جدا في مسرحية كانت ناجحة.

بداية حقيقية

من الدور الصغير إلى دور مهم في المسرح القومي ومسرح شكسبير، ودور الدوقة بورشيا في تاجر البندقية، وكانت هذه الانطلاقة الحقيقية للفنانة منى واصف تحت إدارة الدكتور رفيق الصبان، ومن هذه المسرحية ثبّتت منى واصف أقدامها في المسرح القومي وأصبحت ممثلة أصيلة في فرقته، ومعه تنقلت بين أدوار عديدة من مسرحيات عالمية وبأداء مميز جعل منها ممثلة محترفة، وفي هذه الأدوار على المسرح عرفت الفنانة ماذا تريد وعمّ كانت تبحث.

 

 

بعد المسرح ذهبت واصف إلى السينما وأدت أدوارا في أفلام متنوعة قالت عنها منى واصف بأنها كانت مجموعة أفلام للندم، خاصة بعد أن حضرت عرضا لأحد أفلامها فبكت لصورتها في السينما التي لا تليق بمكانتها المسرحية. توقفت لمدة أربع سنوات عن التمثيل في السينما وكانت وقفتها مثمرة إذ حصلت بعدها على دورها الخاص في فيلم الرسالة. تقول منى واصف ذلك وتبتسم ابتسامة واسعة مشرقة ومتألقة تماما كدورها في فيلم الرسالة.

لم تجمع ثقافتها من تحصيل جامعي أو أكاديمي، لكن وجودها على الساحة الفنية جعلها تنبّش عن ثقافة فنية، تقوي بها حضورها على المسرح والشاشات، كانت حريصة على القراءة عن المؤلف والنص وتبحث عن دراسات نقدية للكتاب، لتدخل إلى الشخصية من باب وجهة نظر كاتبها، فجمعت ثقافة فنية تؤهّلها إلى فهم الدور والدخول في تفاصيله الدرامية، وكان ذلك مفتاح نجاح لها، وجعلها ممثلة مطلوبة لمسلسل جيد وشاشة محترمة، واستطاعت أن تسجل حضورا عربيا قويا، فدخلت منازل بعيدة عن وطنها الأم بلهجتها المحلية وأدائها العفوي المؤثر.

آنديرا غاندي

تمنت أن تمثل دور آنديرا غاندي، وهو نوع من الأدوار التي ظهرت وبرعت فيه الفنانة، دور المرأة المسيطرة القوية، صاحبة الكاريزما الطاغية، ساعدتها قامتها الممشوقة وشموخها الطبيعي، فجاءت أدوارها صادقة ومعبرة، كدور دليلة السيدة الذكية التي تحيك المؤامرات بدهاء فتوقع أكابر رجال الدولة، ودور منيرة في أسعد الوراق حيث فقدت البطلة صوتها ولكنها كسبت حبا كبيرا، ودور الخنساء سيدة اللوعة المتماسكة التي حولت حزنها إلى قصائد خالدة.. مع بداية انتفاضة الدراما السورية كانت واصف موجودة في مسلسل غضب الصحراء، سيدة القبيلة القاسية، ثم في هجرة القلوب إلى القلوب، والخشخاش، وفي كل مسلسل كانت تقدم سيدة جديدة بمعالم درامية مختلفة وبليغة التعبير، وتتابع مسيرتها في نهاية رجل شجاع والعبابيد، فصار اسمها مُهما وكافيا في أي مسلسل تلفزيوني ليدرك مشاهدوه أي نوع من الدراما ينتظرهم.

لم يكن حضورها السينمائي مشابها فبعد بداية متعثرة وقلقة، قبل دور هند بنت عتبة، عاودت التورط ببضع أدوار، ولم تشفع لها مشاركتها بأفلام من إنتاج القطاع العام، فالوضع السينمائي كان برمته مرتبكا، فأضفى على كل تجربة سينمائية ظلا غير مريح، ولا تلام منى واصف لضعف تجربتها السينمائية فما قدمته في التلفزيون يكفي ليرفع رصيدها إلى مستوى عالٍ جدا..