منظومة الاستبداد الأسدية والآخر

تاريخ النشر: 16.08.2021 | 06:04 دمشق

بالنسبة لمنظومة الاستبداد الأسدية، أي فرد أو جماعة أو حتى دولة، هو عدو حتماً، حتى ولو ثبُتَ العكس؛ لأن المنظومة لا تثق بنفسها ولا بالآخر، وتعمل بمبدأ الإلغاء؛ لأنها أساساً بَنَت سلطتها على مبدأ المواجهة، لا على العيش والتعايش؛ ومن هنا أتت شعاراتها الأوضح بتاريخها ولتاريخها مع انتفاضة سوريا عليها: "أحكمها، أو أدمرها"/ "الأسد أو لا أحد". نمط التفكير هذا قديم - جديد، ومتجدد؛ يسعى للتحصن بكل عناصر القوة، وخاصة اللاأخلاقي منها. وبحكم تأصل الخوف في البنية الأساس للمنظومة، لا تتردد عن استخدام أقصى درجات القوة الاستئصالية؛ وما الدليل الساطع على ذلك إلا استخدامها للسلاح المحرّم دولياً.

لا بد أن مؤسس هذه المدرسة على درجة من الخوف، مزروع بمركبات النقص وفقدان الثقة بالنفس، يعاني من الإذلال والاحتقار التاريخي في محيطه، ليترجم كل تلك العقد ويفرزها حقداً وانتقاماً على كل ما يحيط به. ومِن هنا غَدَر برفاق دربه، فاعتقلهم أبدياً أو صفّاهم جسدياً؛ وأعدم الحياة الطبيعية السورية بكل مناحيها، باستثناء ما يخدم فرديته المَرَضيّة. ومن هنا تصرَّف وكأن تاريخ سوريا يبدأ من عنده؛ فلا احترام لرموز تاريخية، ولا تقدير حقيقي؛ وسبب ذلك عقدة الخوف والمنبت الوغد.

ما معنى أنه على مدار نصف قرن، سحقت وزهقت هذه المنظومة خيرات سوريا، التي يمكن أن تحمل 80 مليون إنسان، كي يعيشوا برغد ورفاه؟!

وضمن هذا التاريخ الأشوه الذي اختطّه، وفي إطلاق اسمه على بلد عمره آلاف السنين؛ لم يتم التعامل إلا مع أنذال وخائفين ووضيعي المنبت مستعدين للإجرام بفعل الرعب والأنانية. فما معنى مثلاً أن تقتني هذه المنظومة "عضو قيادة قطرية" يدخل إلى مضيف قَبَلَ والده؟! وما معنى أن تألّه الحاكم؟! وما معنى أن تجعل حق المواطن مِنَّةً، وما معنى ألا يصل السوري إلى حقه إلا بالرشوة والتدخلات وخرق القانون بلا حساب ولا حدود؟! وما معنى أنه على مدار نصف قرن، سحقت وزهقت هذه المنظومة خيرات سوريا، التي يمكن أن تحمل 80 مليون إنسان، كي يعيشوا برغد ورفاه؟!

تشكل الأجهزة الأمنية الذراع الأقوى لأي منظومة أو دولة، إلا أنها بالنسبة للأسدية تمثل كل شيء؛ فقد فاق عديدها جحافل القوات المسلحة النظامية المأمورة بأمرها، والخاضعة لها. إضافة إلى القوة البطشية الضاربة التي تمتلكها، بَنَتْ هذه القوة استراتيجيتها على الفتنة والدسائس المرسومة من الدائرة الأعلى، للسيطرة المطلقة على المجتمع السوري: الأخ ضد أخيه، بلدة ضد بلدة، وطائفة ضد أخرى؛ والمساعي لا تتوقف لإغلاق منافذ المعرفة والوعي عن السوريين؛ حيث أثبتت انتفاضة سوريا أن السوريين، بفعل ومفاعيل تلك الاستراتيجية، لا يعرفون بلدهم، ولا يعرفون بعضهم البعض.

ومع توسيع الدائرة قليلاً، فعندما تكون إسرائيل مثلاً هي هذا "الآخر"، فلا تسمع إلا المزاودات الفاقعة على الأفراد والجماعات والعرب عامة، بأن المنظومة هي عدو إسرائيل الأول؛ وفي الوقت ذاته، ينام هذا النظام في أحضان إسرائيل. لقد اتّبَع نظام الاستبداد نهجاً تجاوز /تقيّة/ ملالي طهران في الظهور بمظهر واتباع سلوك مغاير تماماً. في الظاهر إسرائيل هي العدو، وفي وجهها المقاومة والممانعة؛ وفي الباطن هي الحامي والسند الفعلي، ولها تُسدى أجل الخدمات. والواقع أثبت أن إسرائيل لا يمكن أن تنجز ما حققه لها نظام الأسد لزمن، وخاصة خلال هذه السنوات العشر.

عندما يكون هذا "الآخر" أي دولة، أكانت روسيا التي منعت سقوط النظام؛ فهو مستعد أن يقفز إلى مركب أعدائها متى انتهت مصلحته المريضة معها- وهو يسعى لفعل ذلك مؤخراً. تبقى الجهة الوحيدة التي أذاقته من الكأس الذي يقدمه للآخر هي إيران الملالي. فهما يعرفان بعضهما البعض. ولا شبيه لخبثه ونذالته وتقيته إلا تلك التي تتقنها إيران أكثر منه. ومن هنا تماهى معها بالمطلق، وأضحوا كالتوءم السيامي؛ وهذا ابتلاء سوري ستطول فترة الشفاء منه.

رغم كل ما تقدّم، سيرورة أو صيرورة التاريخ تنبئ بأن مصير البذرة الرديئة الهلاك. وكما قامت منظومة الاستبداد على الدمار، فإن نهايتها محتومة

في ظل كل هذا السواد، ومِن كل هذا الموات، قامت ثورة السوريين. وما كان أحد ليتوقع (وخاصة النظام ذاته) أن تقوم للسوريين قائمة. وأدرك السوريون، مع مرور الأيام والسنين، أن اقتلاع هذا الوباء يكاد يكون مستحيلا؛ فالبنية الذاتية الإجرامية للنظام بمفردها كفيلة بسحق كل صوت مخالف؛ فما بالك بتدخل قوى غاشمة من نفس طينته لسحق من يخالفه، وما بالك بأولئك الذين قدّم لهم هذا النظام خدمات جليلة على حساب كرامة السوريين، أو بأولئك الذين قدّموا أنفسهم كأصدقاء للشعب السوري وترددهم.

رغم كل ما تقدّم، سيرورة أو صيرورة التاريخ تنبئ بأن مصير البذرة الرديئة الهلاك. وكما قامت منظومة الاستبداد على الدمار، فإن نهايتها محتومة. وكل من لازال معها أو بجانبها أو بكهفها خوفاً أو جهلاً، غافلاً أو عارفاً أنه لا رجاء منها أو منه؛ والشفاء مستحيل لأن العطب جيني. فالكل وصل إلى درجة من الانسحاق والضياع بفعل تلك المنظومة أو بفعل طبيعة وبنية ذهنية وتنشئة لا أمل يرجى لها أو منها. قد لا يجني مَن قام بالثورة حياة طبيعية عفيّة تعيد سوريا إلى مصافي الدول التي تنعم بالحرية والديموقراطية والازدهار؛ ولكنه أسس لتلك الدولة الخالية من هذا الوباء أولاً، دولة عفيّة تعتز بها أجيال سوريا القادمة، ولو طال الزمن.