منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تضيق الخناق على النظام..ما المتوقع؟

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تضيق الخناق على النظام..ما المتوقع؟

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية تضيق الخناق على النظام..ما المتوقع؟
23 تموز 2020

سُجل أول استخدام رئيسي للأسلحة الكيميائية في الحروب يوم 22 نيسان/أبريل 1915، عندما هاجمت ألمانيا قوات الحلفاء في يبرس سالينت في بلجيكا خلال الحرب العالمية الأولى. استخدمت هذه الأسلحة العشوائية مرة أخرى من قبل إسبانيا ضد المغرب، وإيطاليا ضد ليبيا وإثيوبيا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، واليابان ضد الصين في الحرب العالمية الثانية، وفي السنوات الأخيرة استخدمت خلال حرب الخليج الأولى في شمال العراق عام 1988، وربما أبشع استخدام لهذه الأسلحة تم خلال الحرب في سوريا منذ عام 2012 وحتى الآن.

في عام 1925، فتح باب التوقيع على معاهدة دولية تدين أي استخدام للغازات السامة أو الخانقة وكل ما شابهها في الحرب، عرفت هذه المعاهدة التاريخية باسم "بروتوكول جنيف" (انضمت إليه سوريا بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 1968).

وفي عام 1980 بدأ مؤتمر جنيف لنزع السلاح مفاوضات بشأن حظر الأسلحة الكيميائية، أفضت للتوصل إلى اتفاقية سميت "اتفاقية حظر استحداث وإنتاج وتخزين واستخدام الأسلحة الكيميائية وتدمير تلك الأسلحة"، فتح باب التوقيع عليها عام 1993، ودخلت حيز النفاذ عام 1997، بلغ عدد الدول الأطراف فيها 193 دولة (انضمت سوريا إليها عام 2013)، وهذا يعني أن 98٪ من سكان العالم يعيشون تحت مظلتها، وتم تدمير 98٪ من مخزونات الأسلحة الكيميائية التي أعلنتها الدول، ولم يتبق خارج هذه الاتفاقية إلا أربع دول هي (مصر وإسرائيل وكوريا الشمالية وجنوب السودان).

بالطبع، أي استخدام للأسلحة الكيميائية يشكل جريمة حرب، ولا يقتصر الأمر على بروتوكول جنيف واتفاقية الأسلحة الكيميائية، ونظام روما الأساسي، ولكن هناك أيضاً وجهة نظر مشتركة مفادها أنه بموجب القانون الدولي العرفي، فإن أي استخدام للسلاح الكيميائي في النزاعات المسلحة سيشكل فعلاً محظوراً.

منذ عام 2012 كانت هناك إدانة شبه عالمية لاستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. ومع ذلك، كافح المجتمع الدولي لإحراز تقدم في محاسبة المسؤولين عن هذا الاستخدام، لكن الخلافات الجوهرية بين الدول الرئيسة حالت دون إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية

منذ عام 2012 كانت هناك إدانة شبه عالمية لاستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا. ومع ذلك، كافح المجتمع الدولي لإحراز تقدم في محاسبة المسؤولين عن هذا الاستخدام، لكن الخلافات الجوهرية بين الدول الرئيسة حالت دون إحالة القضية إلى المحكمة الجنائية الدولية. كما بذلت الأمم المتحدة جهودا حثيثة للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية، وتم تشكيل عدة مبادرات منها: بعثة الأمم المتحدة المعنية بالتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، البعثة المشتركة بين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة للقضاء على البرنامج الكيميائي لسوريا، بعثة تقصي الحقائق (FFM)، آلية التحقيق المشتركة (JIM)، وانتهى المطاف بتشكيل فريق التحقيق وتحديد الهوية (IIT) بموجب القرار (C-SS-4/DEC.3) لعام 2018، والذي اعتمده مؤتمر الدول الأطراف لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بعد فشل مجلس الأمن في تمديد ولاية آلية التحقيق المشتركة بسبب الفيتو الروسي.

باشر فريق التحقيق وتحديد الهوية عمله في حزيران/يونيو 2019 وأجرى تحقيقات ركزت على الهجمات التي وقعت في اللطامنة بمحافظة حماه في 24 و25 و30 آذار/مارس 2017. وبناء على هذه التحقيقات أصدر تقريره الأول في الثامن من نيسان/أبريل 2020، الذي خلص إلى أنه استناداً إلى جميع المعلومات التي حصل عليها فريق التحقيق فإن ثمة أسساً معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن طائرات تابعة للقوى الجوية السورية هي من نفذت هذه الهجمات انطلاقاً من قاعدتي الشعيرات وحماة الجويتين، وقد اُستخدم في الهجومين الأول والثالث قنابل جوية من طراز (M4000) التي تحتوي غاز السارين في حين اُستخدم في الهجوم الثاني الذي استهدف مشفى اللطامنة أسطوانة تحتوي على غاز الكلور. كما أشار التقرير إلى مسؤولية قوات النظام عن استخدام غاز السارين في خان شيخون في 4 نيسان/أبريل 2017 بناء على التحقيقات التي أجرتها آلية التحقيق المشتركة في آخر تقرير لها عام 2017.

ونظراً للوضع الناجم عن تفشي جائحة كوفيد-19 وما تلا ذلك من قيود على عقد الاجتماعات لم يتمكن المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية من مناقشة تقرير فريق التحقيق واتخاذ قرار بشأنه حتى التاسع من تموز/يوليو الجاري حيث قدمت فرنسا مشروع قرار للتصويت يدين استخدام النظام للأسلحة الكيميائية، حظي القرار (EC-94/DEC.2) بموافقة 29 من أعضاء المجلس التنفيذي الـ 41 في حين عارضته روسيا والصين وإيران، وامتنعت الدول المتبقية عن التصويت.

أعرب المجلس التنفيذي عن عميق تعاطفه مع ضحايا استخدام الأسلحة الكيميائية، كما أدان استخدامها، وعبر عن قلقه من استخدام النظام للأسلحة الكيميائية، الأمر الذي يثبت ضمنياً أنه فشل في إعلان وتدمير جميع أسلحته الكيميائية ومرافق إنتاجها، كما أدان القرار عدم تعاون سلطات النظام مع فريق التحقيق للوصول إلى بعض الأماكن والأدلة، الأمر الذي يتعارض مع قرار مجلس الأمن 2118 لعام 2013. مؤكداً على وجوب مساءلة الأفراد المسؤولين عن استخدام هذه الأسلحة وتقديمهم للعدالة.

وعملاً بالفقرة 36 من المادة الثامنة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، يتوجب على المجلس التنفيذي في حال عدم امتثال دولة طرف لأحكام الاتفاقية أن يطلب منها القيام بتدابير معينة لتصحيح الوضع في غضون مدة محددة، وعرض القضية على مؤتمر الدول الأطراف مع توصيات بشأن التدابير اللازمة لتصحيح الوضع وضمان الامتثال، على أنه في حالات الخطورة الشديدة والضرورة العاجلة يعرض القضية مباشرة على الجمعية العامة ومجلس الأمن لاتخاذ الإجراءات المناسبة، وتجدر الإشارة إلى أن قرار مجلس الأمن الشهير الخاص بتفكيك البرنامج الكيميائي للنظام السوري (القرار 2118/2013) قد نص في الفقرة 21 منه على أنه في حالة عدم الامتثال لأحكامه فيما يتعلق بنقـل الأسـلحة الكيميائيـة دون إذن، أو استخدامها سيفـرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وبناء على ذلك حدد قرار المجلس التنفيذي مجموعة من المطالب يتوجب على النظام السوري القيام بها لتصحيح الوضع خلال 90 يوماً، منها: ضرورة إعلام الأمانة الفنية للمنظمة بالمنشآت التي تم فيها تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة الكيميائية المستخدمة في هجمات اللطامنة، بما في ذلك السلائف والذخائر والأجهزة المستخدمة في هجمات 24 و25 و30 آذار/مارس 2017. وضرورة إعلام الأمانة بجميع الأسلحة الكيميائية التي يمتلكها حالياً، بما في ذلك السارين والكلور ومرافق إنتاجها، وحل جميع القضايا العالقة المتعلقة بالإعلان الأولي لسلطات النظام عن مخزونها من الأسلحة الكيميائية خاصة فيما يتعلق بالمواد الكيميائية التي اكتشفتها المنظمة في مركز الدراسات والبحوث العلمية في برزة وجمرايا أواخر عام 2018. كما طلب المجلس من الأمانة الفنية أن تجري عمليات تفتيش مرتين سنوياً، في قاعدة الشعيرات وقاعدة حماة الجويتين لتورطهما بشكل مباشر في شن هجمات بالأسلحة الكيميائية في التواريخ التي تحددها الأمانة، وضرورة سماح سلطات النظام السوري بالوصول الكامل وغير المقيد لمفتشي المنظمة إلى جميع المناطق والمباني في هذين الموقعين، وكذلك محتوياتها والأفراد العاملين فيها.

وبناء على هذا القرار يتوجب على المدير العام لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن يقدم في غضون 100 يوم، تقريراً إلى المجلس التنفيذي وجميع الدول الأطراف عما إذا كانت سلطات النظام قد نفذت هذه المطالب، وإلا سيوصي المجلس التنفيذي مؤتمر الدول الأطراف الذي سيعقد في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل باعتماد قرار يتضمن إجراءات مناسبة مثل تعليق عضوية سوريا وحرمانها من بعض الامتيازات، أو إحالة القضية إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة.

والحقيقة أن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أكدت في السابق استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، لكنها لم تصل إلى حد تحديد المسؤولين عنها، وهذا لا يعني بالتأكيد أن مهمة فريق التحقيق وتحديد الهوية هي اصدار قرارات قضائية بشأن المساءلة الجنائية عن استخدام هذه الأسلحة في سوريا لكن عمله مهم جداً في إطار المحاسبة القضائية، وتم إنشاء هذا الفريق بهدف ملء الفراغ الذي تركته آلية التحقيق المشتركة المنتهية ولايتها، وضرورة الحفاظ على المعلومات التي سيجمعها وتقديمها إلى الآلية الدولية المحايدة المستقلة (IIIM) التي أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها 248/71 لعام 2016، أو إلى أي كيانات تحقيق ذات صلة تم إنشاؤها تحت رعاية الأمم المتحدة والمحاكم أو الهيئات القضائية الدولية التي لها، أو قد يكون لها في المستقبل اختصاص قضائي على هذا النوع من الجرائم، وفقًا للقانون الدولي، من أجل تسهيل وتسريع الإجراءات الجنائية العادلة والمستقلة وإنصاف الضحايا والمتضررين.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لا تمتلك صلاحيات كبيرة لمعاقبة النظام، لكن يمكنها حرمانه من بعض الامتيازات التي يحصل عليها داخل المنظمة

والواقع، إن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لا تمتلك صلاحيات كبيرة لمعاقبة النظام، لكن يمكنها حرمانه من بعض الامتيازات التي يحصل عليها داخل المنظمة مثل تعليق العضوية أو المنع من التصويت وأقصى ما يمكن أن تذهب إليه هو إحالة القضية إلى مجلس الأمن أو الجمعية العامة وهنا سنعود إلى المربع الأول حيث ينتظرنا الفيتو الروسي في حال أراد مجلس الأمن إحالة ملف استخدام الأسلحة الكيميائية كجرائم حرب إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ولا شك أن هذا القرار يعتبر الأقوى حتى الآن في ملف استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا لكونه أول قرار يشير بشكل لا لبس فيه إلى مسؤولية النظام في سوريا عن استخدام هذه الأسلحة، ويكتسب أهمية كبيرة من الناحية القانونية على المدى الطويل لمنع الإفلات من العقاب والمساءلة خاصة وأن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مطالبة بحفظ المعلومات التي تحصل عليها لدى الآلية الدولية المحايدة المستقلة التي تتركز مهمتها على جمع الأدلة حول الجرائم والانتهاكات التي ترتكب في سوريا. كما أنه أماط اللثام عن كذب النظام وحلفائه وخداعهم للمجتمع الدولي طيلة سنوات مضت، خاصة فيما يتعلق بإعلان تخلصه من جميع أسلحته الكيميائية عام 2014، ووضع النظام من جديد في مواجهة مباشرة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وكشف زيف ادعاءاته بوقوف فصائل المعارضة خلف الهجمات الكيميائية في سوريا، كما يروج لذلك بالتعاون مع حلفائه الروس والإيرانيين.

مقالات مقترحة
وزارة تجارة النظام تطبّق آلية جديدة لتوزيع المواد التموينية
حكومة النظام تحدد موعد بدء إنتاج البنزين في مصفاة بانياس
باكيت الحمراء بـ 1200.. ما هي أسباب ارتفاع سعر الدخان السوري؟
3 وفيات و37 إصابة جديدة بفيروس كورونا في مناطق نظام الأسد
واشنطن بوست: فيروس كورونا خارج عن السيطرة في مناطق نظام الأسد
11 إصابة جديدة بفيروس كورونا و34 حالة شفاء في شمال غربي سوريا