منظمات بلا حدود

تاريخ النشر: 03.03.2021 | 00:01 دمشق

يحدث في كل سنة أن نشاهد مشاهد الخيام الغارقة بالطين والماء، أو المقتلَعة من مكانها والمتضررة بفعل العواصف، في مخيمات القهر التي يحتمي فيها المُهجَّرون من القتل الذي يستهدفهم بكل أصنافه.

يحدث في كل عام أن تُدمي هذه المشاهد قلوبنا، فنكتفي بصمت مقهور أو يلوذ بعضنا بالفرار بعيداً عن واقعية المشاهد وفجاجتها، لاعنين عجزنا عن تقديم المساعدة ومد يد العون.

الحقيقة الموجعة هي أننا ربما نتمتع بنعمة الفرار لكن غض البصر الذي نمارسه لا يعني بشكل من الأشكال أن هذا البؤس لم يعد موجوداً، بل على العكس نحن نساهم بازدياده واضطراده ببقائنا متفرجين مكتوفي الأيدي عاجزين ومقهورين أيضاً.

تستوقفني دائماً وربما تستوقفنا جميعاً إعلانات منظمة الأمم المتحدة والمنظمات العاملة في الشأن الإنساني، يلفت نظري فيها كثافتها وتكرارها وهذا ما يعني أنهم أنفقوا في سبيل انتشارها مبالغ ليست قليلة.

عشر سنوات مرت على مأساة السوريين وتهجيرهم وعشرات السنوات على المآسي والحروب الأخرى ربما، أنفقت فيها منظمة الأمم المتحدة على الإعلانات مبالغ أكبر مما أنفقتها على تحسين حياة الشرائح المتضررة

تطالب الإعلانات المنتشرة الناس بالتبرع وتحثهم على الإحسان بطريقة مثيرة للشفقة، من أجل تأمين حياة أفضل للاجئين والمشردين ممن فقدوا منازلهم ودفنوا أحلامهم من جراء الحروب الممتدة على خريطة الكوكب، متغاضين عن مشاعر الأشخاص الذين يظهرونهم في حملاتهم الترويجية وما قد يسبب لهم ذلك من ألم.

عشر سنوات مرت على مأساة السوريين وتهجيرهم وعشرات السنوات على المآسي والحروب الأخرى ربما، أنفقت فيها منظمة الأمم المتحدة على الإعلانات مبالغ أكبر مما أنفقتها على تحسين حياة الشرائح المتضررة، وجمعت أموالاً لا يبدو ـ بسبب استمرار الوضع المزري ـ أنها تصل لمستحقيها خاصة في دول العالم المنكوب، فلو شاءت أن تنفق تلك المبالغ على توطين ساكني المخيمات فقط في بيوت تتوفر فيها شروط الحياة الآدمية، لكانت أنهت أو تكاد تنهي وجود مخيمات على حدود البلاد المشتعلة.

تغرق الدول في حروبها الخاصة فيما تحمل المنظمات لواء الدفاع عن حقوق الإنسان، الذي قد لا يصله من مساعداتهم المزعومة ما قد يسد رمقه أو يحصل به قوت يومه ومن دون أن نجد أثراً إيجابياً واضحاً لعمل المنظمات.

تثبت لنا مأساة اللاجئين المستمرة والممتدة على مساحات شاسعة من الكرة الأرضية فشلاً ذريعاً لما يطلق على نفسه منظمات إنسانية أو إغاثية، ومن دون أن ندخل في تفاصيل الأرقام لكن من المؤكد أن ما يصل هذه المنظمات من تبرعات عدا عن التمويل الذي أُنشئت على أساسه، قد يكاد يكون كافياً ليمنع حصول أو استمرار الكوارث الإنسانية في البلاد التي تعاني من اضطرابات وقلاقل.

غير أن الواقع يثبت أن اللاجئين ما زالوا يفتقدون إلى أقل مقومات الحياة الإنسانية، فلا يوجد سقف طيني يحتمون به ولا يملكون ما يمكن أن يجعلهم يعيشون حياة كريمة، بل حتى إنهم لا يملكون ما يجعلهم ينهون يومهم وقد حصلوا على غذائهم كاملاً عدا عن الأرقام المخيفة فيما يخص تسرب الأطفال الدراسي والأمراض التي تصيبهم.

فعلى سبيل المثال يموت أطفال الصومال جوعاً فيما يموت أطفال مخيمات السوريين غرقاً وبرداً ويأساً، بينما يُهجر آلاف من المواطنين في دول أخرى خارج حدود أوطانهم، فيما يُحرم الباقون من أقل حقوقهم الإنسانية فيبقون من دون جنسيات أو يعذبون في أقبية المعتقلات، فالحال واحدة إذن والمأساة مستمرة.

يحصل كل هذا جهاراً وعلى مرأى من المنظمات ودول العالم المتحضر، في وقت تضج فيه قنوات الأخبار ووسائل الإعلام بالحديث عن منجزات دول العالم المتحضر واحتضانها لآلاف من اللاجئين، أو عن قصص نجاح المنظمات الإغاثية في إنهاء حالة الجوع والبرد.

كل ذلك لا يتعدى كونه فقاعات إعلامية، أو ما يشبه خطاباً انتخابياً موجهاً لفئة بعينها غير متضررة وغير عابئة بتقصي حقيقة الأمر.

تتكرر الحكاية ذاتها في كل عام ونكرر المشهد بأن نجلس عاجزين ومكتوفي الأيدي، لنلوم المنظمات على التقصير في عملها لكن ذلك لا يفيد إلا باستمرار المعاناة متغاضين عن أننا نستطيع أن نفعل شيئاً.

يتردد كثير منا قبل القيام بخطوة التبرع ويلجأ إلى المساعدة عن طريق قنوات موثوقة بسبب غياب عامل الثقة بيننا وبين المنظمات، ومرد ذلك إلى انعدام النتائج الواضحة أو شحها واستمرار معاناة المتضررين، فيما ينعكس عدم قيامنا بخطوات عملية عليهم أيضاً لنبقى ندور في دائرة مفرغة بين تحمل المسؤولية وعدم القيام بأمر عملي وحقيقي للإنقاذ.

ذهب كثير من الراغبين في المساعدة إلى ضرورة تكوين مجموعات أهلية، قادرة على إيصال الدعم وتأمين المساعدة عبر قنوات موثوقة بحيث تصل التبرعات عن طريق دوائر صغيرة لها مركز موثوق، يؤمن الواساطة والتواصل بين الأطراف وهذا ما أظهر أنه أجدى نفعاً وأكثر أماناً.

ماذا تعرف هذه المنظمة أو تلك عن أوضاع المهجرين في الدول العربية الذين تترفع حتى عن الرد على رسائل بريدهم الإلكتروني

ماذا فعلت منظمة الأمم المتحدة حتى الآن؟ ما هو الإنجاز الذي يذكر لها في إنقاذ المتضررين من الحروب والكوارث الإنسانية؟ حتى إذا افترضنا أنها ساعدت في إعادة توطين اعداد من اللاجئين المهجرين من أوطانهم قسراً، فهي إنما عملت على ذلك بما يتناسب مع متطلبات ورغبات الدول المُضيفة فقط لا غير، وبهذا تكون اقتصرت مهمتها على لعب دور الوسيط أو حتى خطوط الطيران أو المكتب السياحي لا أكثر.

ماذا تعرف هذه المنظمة أو تلك عن أوضاع المهجرين في الدول العربية الذين تترفع حتى عن الرد على رسائل بريدهم الإلكتروني، أو تجعلهم ينتظرون شهوراً لاستقبالهم في حال حدوث حالة طارئة.

ليس ذلك الأمر الوحيد الذي تظهر فيه حالة النفاق العالمي فحسب، فمن باب المفارقة أيضاً أن التناقض العالمي وسياسة الكيل بمكيالين تبدوان في أوجه مختلفة، كأن تمنح دول العالم الأوروبي حق اللجوء بموجب الاتفاقيات الدولية المبرمة وما يدعونه من حماية حقوق الإنسان، لكنها تغلق حدودها في وجه الهاربين من بطش القنابل والصواريخ، ثم تقف موقف المستغرب العاجز عند وقوع اللاجئين في فخ الهجرة غير الشرعية وتجار البشر.

إن مسألة انعدام الثقة بين المنظمات "الأمم المتحدة أو غيرها" والمتضرريين أو بين المنظمات والأفراد القادرين على المساعدة ولكنهم يحجمون، مسألة معقدة ولكنها حالّة وتحتاج عملاً منتظماً من أجل ترميمها للعمل على إنهاء أزمة المخيمات على أقل تقدير.