منصة سورية جديدة.. عربية روسية تركية هذه المرة؟

تاريخ النشر: 14.03.2021 | 05:47 دمشق

آخر تحديث: 14.03.2021 | 05:50 دمشق

آثار الاجتماع الروسي التركي القطري في الدوحة أكثر من تساؤل حول أهدافه وغاياته. كانت هناك مواقف متباينة حول الأولويات في سوريا لكن كان هناك أيضا كثير من الرؤى المشتركة حول ضرورة تسريع الحل وتجنيب البلاد الكارثة الأكبر.

ما الذي استوقفنا في بيانات وتصريحات التحرك الثلاثي الجديد في الدوحة؟ بيان روسي تركي قطري مشترك يحمل رسائل سياسية واضحة حول استبعاد الحسم العسكري في سوريا وضرورة دعم الحل السياسي وتسريعه. رفض أي تحرك انفصالي يهدف لشرذمة سوريا والمساس بوحدتها وبنيتها وقرار التنسيق لمواجهة المجموعات الداعمة لهذا المخطط. الدور العربي لا يمكن إغفاله في التعامل مع الملف بعد الآن. الحالة الإنسانية والمعيشية القائمة في سوريا لم تعد تطاق ولا بد من تحرك سياسي سريع يساهم في صناعة المشهد الجديد لقطع الطريق على أزمة إقليمية أكبر هناك.

جهد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لتمرير رسالة أن اللقاء الثلاثي الذي جمعه بنظيريه التركي مولود جاويش أوغلو، والقطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني لا يحتمل أيّ تأويلات في التعامل مع الملف السوري فهناك منصات وطاولات حوار لا يمكن تجاهلها لكن ما قرأناه وسمعناه على لسان المشاركين يقول إن جدول الأعمال والمناقشات قدمت ملف الأزمة السورية ومسارها وسيناريوهات التسوية المحتملة على غيرها من الملفات إذا لم نشأ القول إن سوريا كانت الملف الوحيد الذي تم بحثه.

ما هي النتائج التي عاد بها وزير الخارجية القطري من القاهرة والمتعلقة بالشق السوري من المباحثات؟ ما الذي دفع موسكو للتحرك الجديد الواسع نحو العواصم العربية الفاعلة والمؤثرة في الملف السوري؟ لماذا يذهب وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على عجل إلى الدوحة وسط كل هذه التحركات الإقليمية؟ هل يحتاج المشهد السوري إلى منصات إقليمية جديدة؟ لا طبعا لكن الأمور قد تكون مختلفة عبر طاولة تنتج الحل البديل بتنسيق عربي روسي تركي هذه المرة.

تمثل قطر اليوم الجناح العربي المعارض لعودة بشار الأسد إلى الجامعة وليس عودة سوريا إلى الجامعة

الواضح هو تعمد الوزيرين التركي والروسي عقد القمة الثلاثية في الدوحة بعد الحراك القطري والروسي الإقليمي الأخير وتتويجه بطرح الموضوع السوري كهدف أساسي لكل هذا المسار بمساهمة مصر والسعودية في التحرك المرتقب ولتكون جامعة الدول العربية شريكا في صناعة التفاهمات الجديدة.

تمثل قطر اليوم الجناح العربي المعارض لعودة بشار الأسد إلى الجامعة وليس عودة سوريا إلى الجامعة. أسباب تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية في 2011 لا تزال قائمة كما تقول لكنها تقول أيضا إنها لن تتردد في المشاركة بتحرك عربي جماعي يعمل على التنسيق مع موسكو وأنقرة لحلّ الأزمة السورية في الفضاء الإقليمي الجديد. الهدف هو إقناع موسكو بدعم التخلي عن فكرة الانتخابات الرئاسية ومحاولة تعويم بشار الأسد ونظامه في سوريا مقابل طرح خريطة طريق سياسية بضمانات عربية وتركية. الهدف الأهم هو إقناع موسكو أن مصلحتها هي بدعم التمييز بين إعادة سوريا إلى الحضن العربي وبين إعادة النظام وإبقائه على كرسي الحكم وسط المشهد السوري المأساوي المتفاقم. هناك محاولة إقليمية لإقناع الروس باستبدال طاولة حوار سياسي جديدة بالعملية الانتخابية الرئاسية في سوريا لتفعيل الحلول والتسويات نحو مرحلة انتقالية تشارك فيها قوى المعارضة لكن في إطار خريطة طريق جديدة برعاية عربية مدعومة من قبل روسيا وتركيا.

يؤكد وزير الخارجية القطري أن الأسباب التي أدت إلى خروج سوريا من الجامعة العربية ما زالت قائمة، متمنياً حدوث تقدم سياسي في سوريا لأنه السبيل الأسلم لعودتها إلى الجامعة. وهو التصور الذي تدعمه كما يبدو الرياض والقاهرة والإمارات التي ترفض التخلي عن مسار مشروع قيصر بشقه الإيراني. ويقول وزير الخارجية التركي في المؤتمر الصحافي الثلاثي المشترك في الدوحة، إن التعامل مع النظام في الوقت الراهن يشجعه على انتهاج سياسات سلبية ويزيد من عدوانه. باختصار ما تقوله القيادات التركية والقطرية والسعودية والمصرية التي يبدو أنها تحولت إلى شركاء في المنصة الخماسية الجديدة يتعلق بالحل السياسي الذي تريده موسكو اليوم بدعم عربي تركي بعدما دخلت الإدارة الأميركية الجديدة في الأسابيع الأخيرة في محاولة خلط أوراق الملف السوري على حساب تكتل أستانا وبالتنسيق مع بعض العواصم الأوروبية.

النقطة العالقة الآن هي معرفة حقيقة ما الذي تريده وتسعى إليه إدارة بايدن في سوريا؟ هل سيبقى همها لعب الورقة الكردية هناك فقط لحماية نفوذها وحصتها والتمسك بما تقوله وتريده تل أبيب حول مصالحها وحتمية تبديد المخاطر الإيرانية في المنطقة أم هي ستجد في النهاية نفسها ملزمة بدعم هذا التحرك الإقليمي الجديد إذا ما أرادت أن لا تتحمل وزر عرقلة الحل والتسويات في سوريا؟

هناك قناعة روسية تركية بضرورة المحاولة مجددا بالتنسيق مع المجموعة العربية وضرورة وجودها كطرف أساسي وفاعل هذه المرة لدفع الأمور نحو الحلحلة

يردد وزير الخارجية الإماراتي على هامش لقائه بلافروف، إن "عودة سوريا إلى محيطها أمر لا بد منه، وهو من مصلحة سوريا والمنطقة ككل"، مشيراً إلى أن "التحدي الأكبر الذي يواجه التنسيق والعمل المشترك مع سوريا هو قانون قيصر". ويعلن وزير الخارجية السعودي، أن الأزمة السورية تتطلب حلاً سياسياً، رابطاً عودة سوريا إلى محطيها العربي بإيجاد مسار سياسي يؤدي إلى التسوية. ما يجري اليوم له علاقة بحالة الانسداد السياسي الإقليمي والدولي في الملف السوري وأن هناك قناعة روسية تركية بضرورة المحاولة مجددا بالتنسيق مع المجموعة العربية وضرورة وجودها كطرف أساسي وفاعل هذه المرة لدفع الأمور نحو الحلحلة. يبدو أيضا أن هناك قناعة عربية جديدة تتعلق ببروز الفرصة لاسترداد سوريا عربيا أمام طاولة حوار مع روسيا وتركيا تأخذ بعين الاعتبار التحولات والأجواء الإقليمية القائمة وللحؤول دون انفجار أكبر في سوريا يهدد الأمن القومي بكامله.

حقيقة أولى لا يمكن إغفالها وهي أن إيران تواجه ضغوطات واعتراضات إقليمية كثيرة في هذه الآونة وربما قد يتحول ذلك إلى فرصة لتفعيل خريطة تفاهمات سياسية جديدة بدور عربي أوسع ودعم تركي وروسي وغطاء دولي لفتح الأبواب أمام مرحلة انتقالية في سوريا. حقيقة أخرى ربما تتعلق بهاجس أن إدارة بايدن تريد مواصلة مشروع أوباما الذي ظل عالقا في موضوع الربيع العربي وأن واشنطن تعد لتحريك الملف مجددا وهو ما قد يدفع العديد من العواصم للإسراع في تنسيق مواقفها وقطع الطريق على أوراق قد يلعبها الفريق الرئاسي الأميركي ضدها في المنطقة.

المسألة هذه المرة قد تكون أبعد من موضوع من يمثل سوريا في الجامعة العربية بل التحضير لمرحلة انتقال سياسي تسبق العودة السورية إلى الحضن العربي برعاية عربية وفي إطار ضمانات إقليمية ودولية. ما يجري قد يكون ليس بحث مسألة عودة سوريا إلى الجامعة العربية بل عودة الجامعة إلى سوريا.