تشهد الصحة النفسية في سوريا تدهورًا متسارعًا وغير مسبوق، يعكس تبعات الحروب المتكررة، والأزمات الأمنية المستمرة، والانهيار الاقتصادي الذي ضرب البلاد بقوة على مدار السنوات الماضية. هذه العوامل مجتمعة أفرزت واقعًا نفسيًا صعبًا يعيشه الشباب السوري، الذين باتوا يشكلون الفئة الأكثر عرضة للأزمات النفسية كالقلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة.
ورغم حجم المعاناة الحقيقية التي يمر بها هؤلاء الشباب، إلا أن المجتمع السوري لا يزال في مجمله يرفض الاعتراف بهذه الأزمات، أو يقلل من أهميتها، ويعتبر الحديث عن الصحة النفسية من قبيل الرفاهية أو ضعف الشخصية. هذا الرفض الاجتماعي يضاعف من معاناة المصابين، إذ يجدون أنفسهم محاصرين بين ألم داخلي عميق، وصمت خارجي يحيط بهم من كل جانب، مما يدفع العديد منهم إلى كبت مشاعرهم وعدم السعي للحصول على المساعدة اللازمة من الاختصاصيين والتوجه بصت نحو الإنترنت والذكاء الصناعي .
صراع الأجيال في سوريا مع الوعي النفسي.. بين الإنكار والضياع المعلوماتي
يعيش المجتمع السوري اليوم مشهدًا معقدًا من التباين في التعاطي مع قضايا الصحة النفسية، يعكس بشكل جلي الصراع بين الأجيال. الجيل الأكبر، الذي نشأ في بيئة ثقافية واجتماعية تتسم بالرفض والإنكار، لا يزال ينظر إلى الحديث عن الأزمات النفسية على أنه نوع من "الدلع" أو ضعف الشخصية. هذا الموقف يرسخ حاجزًا من الصمت والانعزال، يعيق المصابين عن التعبير عن معاناتهم، ويضاعف من شعور الشباب بالعزلة والوحدة، إذ يجدون أنفسهم محاصرين بين الألم الداخلي ونظرة المجتمع القاسية.
على الجانب الآخر، يظهر الجيل الحالي بوعي نسبي متزايد تجاه الأمراض النفسية، إذ لم يعد ينكر وجودها، وبدأ يبحث عن إجابات ودعم. إلا أن هذه المحاولات تصطدم في كثير من الأحيان بنقص المصادر الموثوقة. فالشباب يعتمدون بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات، حيث تنتشر نصائح وتجارب شخصية غير مبنية على أسس علمية أو تدريب مهني، ما يؤدي إلى تضليلهم أحيانًا وزيادة شعورهم بالضياع.
"كنت أمر بضغوط نفسية كبيرة، وحاولت أن أفتح قلبي لأختي الكبرى، لكن ردودها كانت مخيبة: ‘ما فيكي شيء، أنتِ تفرطي في رد الفعل فقط’. هذا التجاهل جعلني أشعر بالوحدة العميقة، وكأن معاناتي غير موجودة، وعلى الإنترنت قصص النجاح في التغلب على الاكتئاب كانت تحبطني أيضّا، حيث تظهر المؤثرات بصور من فترات اكتئابها ثم تسرد كيف نجحت وتغلبت عليه بكل قوة فأشعر أنني أضعف وأضعف في كل مرة.. غلبني الصمت وكتمت ألمي بعيدًا عن الجميع." هكذا أفصحت "مي" ذات الثلاثين عامًا عن العشرينات من عمرها.
هذا الواقع يخلق فجوة معرفية كبيرة، تضعف من قدرة الشباب على التعامل مع أزماتهم النفسية بشكل صحيح، وتدفع بعضهم نحو قرارات قد تضر أكثر مما تنفع، مما يستدعي جهودًا مركزة لتعزيز الوعي الصحي النفسي بأساليب علمية ومهنية تناسب خصوصية المجتمع السوري وتلبي احتياجات أفراده.
الوعي وحده لا يكفي.. غلاء العلاج النفسي يفاقم المشكلة
على الرغم من تزايد وعي الجيل الجديد في سوريا بأهمية الصحة النفسية وقبولهم لفكرة الأمراض النفسية كجزء لا يتجزأ من الصحة العامة، إلا أن ارتفاع كلفة العلاج النفسي يقف عائقًا كبيرًا أمام معظمهم في تلقي الدعم المهني الضروري.
فالجيل الحالي، الذي بات أكثر انفتاحًا على الحديث عن الضغوط النفسية والاضطرابات، يواجه واقعًا اقتصاديًا مريرًا يحول من دون الوصول إلى الأطباء والمتخصصين، إذ تعتبر جلسات العلاج النفسي في سوريا باهظة الثمن بالنسبة لمعظم الشباب، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وتدني مستوى الدخل.
وهكذا، رغم إدراكهم المتزايد بأهمية الرعاية النفسية، يبقى حلم العلاج بعيد المنال لكثيرين، مما يدفعهم إلى البحث عن بدائل غير رسمية كالدعم العائلي والاجتماعي، التي، رغم قيمتها، لا تحل مكان العلاج الطبي المختص.
المعلومات النفسية المضللة على منصات التواصل: ملاذٌ محفوف بالمخاطر
مع غياب الدعم الرسمي والمؤسساتي الفاعل في مجال الصحة النفسية في سوريا، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي الملاذ الأول والأوحد لكثير من الشباب الباحثين عن متنفس يعبرون فيه عن معاناتهم النفسية، أو يحاولون فهم ما يمرون به من أزمات. إلا أن هذا الفضاء المفتوح يضم في طياته خليطًا معقدًا من المعلومات، تتراوح بين الموثوقة وغير الدقيقة، بل والمضللة في كثير من الأحيان.
تشير دراسات متخصصة، مثل تقرير منظمة الصحة العالمية حول الصحة النفسية واستخدام وسائل التواصل، إلى أن الاعتماد على محتوى غير متخصص وغير مدقق على هذه المنصات قد يؤدي إلى تعزيز الأفكار الخاطئة حول الاضطرابات النفسية وأساليب العلاج المناسبة. قد تتكرر توصيات أو نصائح غير علمية مثل اللجوء إلى وصفات منزلية أو علاجات بديلة لا أساس لها، أو حتى تجاهل الحاجة للعلاج المهني.
وقد أظهرت دراسة أجرتها صحيفة The Guardian أن أكثر من 55% من الفيديوهات المنتشرة على منصة TikTok تحت وسم #mentalhealthtips، تحتوي على معلومات مضللة أو غير دقيقة. هذه الفيديوهات كثيرًا ما تُقدَّم من قبل أشخاص لا يمتلكون أي مؤهل علمي في مجال الطب النفسي أو العلاج النفسي، لكنها تحظى بانتشار واسع بسبب أسلوبها العاطفي والجاذب، مما يمنحها طابعًا مقنعًا رغم خطورتها. ويشير الخبراء إلى أن هذه المواد قد تستخدم مصطلحات طبية بطريقة مغلوطة، أو تروج لعلاجات غير مثبتة، بل وأحيانًا خطيرة، مثل الاكتفاء بتغيير نمط النوم أو اتباع نظام غذائي معين لعلاج الاكتئاب الحاد.
"سارة" 25 سنة، من سكان ريف دمشق تقول: "تابعتُ محتوىً نفسيًا على وسائل التواصل الاجتماعي، تعرفتُ فيه على أعراض اضطراب الشخصية الحدية، وبدأتُ أشخصُ نفسي بهذا الاضطراب، وتعاملتُ مع ذاتي ومع الآخرين بناءً على هذا التشخيص الذاتي. لكن مع الوقت، أدركتُ أن هذا التشخيص لم يكن دقيقًا، وأن الطريقة التي تعاملتُ بها مع نفسي كانت خاطئة. قررتُ حينها استشارة طبيب نفسي، إلا أن ارتفاع تكلفة العلاج جعلني أتخلى عن الفكرة. وفي ظل هذا، كانت والدتي تنصحني بالصلاة، قائلةً إن ذلك سيمنحني الراحة، مما يعكس غياب الوعي الكافي بحجم وتعقيد المعاناة النفسية في محيطي."
وهكذا، تتفاقم معاناة الشباب بين نقص الوعي الصحيح، وغياب مصادر موثوقة للمساعدة، وبين خطر استسهال أو سوء فهم حالتهم النفسية بسبب المعلومات المضللة المنتشرة، مما يجعل الحاجة إلى تدخل رسمي وتثقيفي عاجلة وملحة لضمان صحة نفسية أفضل ومستقبل أكثر أمانًا.
الثقة الزائفة بالنفس.. حين تتحول المعلومة الخاطئة إلى خطر مضاعف
من أبرز التحديات التي تخلقها المعلومات النفسية المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، هي أنها تمنح المتلقي شعورًا زائفًا بالسيطرة والمعرفة. فالمحتوى المنتشر — وخاصة ما يُقدَّم بأسلوب مباشر وجذاب من قبل مؤثرين غير مختصين — يُشعِر المتلقي بأنه بات يفهم نفسه تمامًا، وأنه يمتلك أدوات التشخيص والمعالجة الذاتية، ما يدفعه إلى تجاهل الحاجة إلى استشارة أخصائي نفسي فعلي.
وقد حذّرت دراسة نشرتها Journal of Medical Internet Research في عام 2022 من "وهم المعرفة" الذي يخلقه هذا النوع من المحتوى، مشيرة إلى أن الأفراد الذين يستهلكون فيديوهات تقدم نصائح نفسية عامة يشعرون بثقة مبالغ بها تجاه فهمهم لحالتهم النفسية، حتى عندما تكون تلك المعلومات خاطئة أو غير مناسبة لحالتهم الفردية. وتقول الدراسة إن هذه الثقة الزائفة تؤدي إلى سلوكيات مقلقة مثل الامتناع عن طلب المساعدة المهنية، أو التوصية بتلك النصائح الخاطئة للآخرين، ما يُفاقم المشكلة بشكل جماعي.
وفي السياق السوري، تبدو هذه المشكلة أكثر خطورة. فكثير من الشباب، في ظل غياب بدائل موثوقة أو إمكانية الوصول إلى علاج نفسي محترف، يعتمدون على هذه النصائح كحل وحيد.
هذه الثقة المزيفة لا تعيق فقط طريق العلاج، بل قد تؤدي إلى تثبيت أنماط سلوكية ضارة، أو إلى تعامل خاطئ مع الأعراض النفسية، مثل الاعتقاد أن الاكتئاب يمكن معالجته بالتفكير الإيجابي فقط، أو أن القلق يزول بمجرد الاسترخاء أو التأمل، من دون فهم للأسباب الجذرية أو السياق الشخصي للحالة.
إن خطورة هذه الظاهرة تكمن في أنها تُبعد المتألم عن الحل الحقيقي، وتخلق بينه وبين المساعدة المهنية هوة من الوهم والثقة الكاذبة. وفي بيئة مثل سوريا، حيث أصلاً تعاني خدمات الصحة النفسية من شُح الإمكانيات وارتفاع التكاليف، فإن استبدال العلاج بالمحتوى المضلل لا يؤدي إلى تأخير الشفاء فحسب، بل قد يضاعف الألم ويعمّقه.
(AI) وتشخيص الاضطرابات النفسية.. خطر يهدد الصحة العقلية
يُعد الذكاء الصناعي تطورًا تقنيًا بارزًا في مجال الرعاية الصحية، لكن استخدامه في تشخيص الأمراض النفسية يثير مخاوف متزايدة، خاصة في سياقات حساسة ومعقّدة مثل الحالة السورية. ففي حين تعتمد بعض الأدوات الرقمية على تحليل البيانات والنصوص ونبرة الصوت لتقدير الحالة النفسية، يحذّر خبراء من الاعتماد الكامل على خوارزميات لا تملك حسًا بشريًا أو فهمًا للسياق الاجتماعي والثقافي.
تكشف دراسة حديثة نشرتها مجلة "chiatryprimepsy" عن إمكانات الذكاء الصناعي في تحليل أنماط البيانات الطبية والسلوكية والتنبؤ بحالات مثل الاكتئاب والقلق بدقة عالية. لكن هذه "الدقة" تظل مشروطة بجودة البيانات والسياق الثقافي والسياسي المحيط بالمريض، وهي عوامل غالبًا ما تغيب عن خوارزميات غير مدرّبة على البيئات المعقدة مثل سوريا.
,في بلد شهد صراعات طويلة وتحوّلات اجتماعية واقتصادية حادة، لا يمكن فصل الحالة النفسية للفرد عن واقعه المعيشي والسياسي. تحليل منشوراته على مواقع التواصل أو نبرة صوته في جلسة عن بُعد لا يكشف بالضرورة عن عمق الاضطراب أو أسبابه الحقيقية، بل قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ أو إغفال حالات تستوجب تدخلًا عاجلًا.
علاوة على ذلك، يطرح استخدام الذكاء الصناعي في هذا المجال إشكالات أخلاقية وقانونية، أبرزها ما يتعلق بخصوصية البيانات، والموافقة المستنيرة، واحتمال سوء استخدام المعلومات من قبل جهات سياسية أو أمنية في بيئات غير ديمقراطية. في الحالة السورية، حيث لا تزال البيئة الرقمية غير محمية بشكل كافٍ، يشكّل هذا النوع من التكنولوجيا تهديدًا مضاعفًا للمرضى.
كما أن غياب العنصر البشري – الطبيب النفسي القادر على قراءة السياق والتفاعل العاطفي – يُضعف فعالية الذكاء الاصطناعي في هذا المجال. فالصحة النفسية لا تُعالج بالتحليل الرقمي فقط، بل تتطلب علاقة علاجية قائمة على الثقة والتعاطف، وهو ما تعجز عنه الخوارزميات حتى الآن.
في ظل هذه التحديات، يرى مختصون أن إدماج الذكاء الصناعي في الطب النفسي يجب أن يتم بحذر شديد، وضمن بيئة خاضعة للرقابة المهنية والأخلاقية، مع ضمان ألا يُستخدم كبديل للعلاج البشري، بل كأداة مساعدة فقط. وفي سوريا تحديدًا، يتطلب ذلك تطوير البنية القانونية والأخلاقية لحماية المرضى من الانتهاكات، وضمان أن تبقى "الرعاية" فعلًا إنسانيًا أولًا وأخيرًا.
نحو تعافٍ حقيقي.. من الوعي إلى الفعل
في ظل هذه المعاناة المركّبة، يتّضح أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في الاعتراف بالمشكلة، بل في القدرة على التعامل معها بوسائل فعّالة وممنهجة. فالمعرفة، وإن كانت بداية مهمة، لا تكفي إذا بقيت محصورة في دوائر مغلقة من النصائح السطحية والتجارب الشخصية المتداولة عبر وسائل التواصل، من دون غطاء علمي أو دعم مهني، حيث ليس كافيًا أن يعرف الشاب اسم اضطرابه، أو أن يحفظ قائمة أعراضه من الإنترنت؛ ما يحتاجه هو من يصغي إليه من دون وصمة، ومن يرافقه نحو العلاج من دون أن يدفع ثمن ذلك من كرامته أو لقمة عيشه.
إن غياب الاعتراف المجتمعي، وندرة الدعم النفسي المؤسسي، ووفرة المعلومات الخاطئة، لا تعني فقط أن الشباب السوري يعاني، بل تعني أننا نفقد جيلًا كاملًا في الظل، تحت وطأة أزمات لا تُرى، لكنها تنهش أرواحهم كل يوم.
ومع ذلك، لا تزال هناك نوافذ أمل يمكن البناء عليها. فإطلاق حملات توعية مجتمعية بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني، وتوفير برامج تدريبية لمقدمي الرعاية الأولية لدمج الدعم النفسي في المراكز الصحية، وإنشاء خطوط دعم مجانية أو تطبيقات موجهة، يمكن أن تفتح الطريق أمام المساعدة الممكنة. كذلك، من المهم تحفيز الإعلام المحلي لتناول الصحة النفسية بلغة علمية وواقعية، وتوفير مساحة للقصص الحقيقية التي تكسر الوصمة وتبني الثقة.
قد تكون الموارد محدودة، لكن الإرادة والوعي المجتمعي يمكن أن يخلقا فرقًا -لو تدريجيًا- نحو مستقبل يتعامل فيه السوري مع ألمه لا كوصمة، بل كجزء من إنسانيته.